رحيل فاروق الفيشاوي… الساحر والصوفي والوسيم الذي لم يستثمر وسامته

الخميس 25 يوليو 201906:59 م

هو صيّاد قليل الصيد.. رغم امتلاكه أدوات كثيرة لقنص نجوميةٍ كبرى في بحر التمثيل، فإنه كثيراً ما عاد بصنارةٍ خائبة، ونادراً ما سمح لنا بالاستمتاع بصيده، وربما لم تتجاوز هذه النوادر أصابع اليد الواحدة، إذ يقف في صدارة أدائه الفارق في مسلسله اللافت "علي الزيبق"، الذي أُنتج في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، ويحكي قصّةً من التراث لبطلٍ شعبي يواجه بطش المماليك، بالحيل ومهارات التنكّر في شخصيات مختلفة، ولعل هذه الأشكال المتفرّدة من التشخيص، والتي أجادها الفيشاوي، هي القيمة الكبرى لممثلٍ بَخِل على نفسه وجمهوره بالمزيد، ليرحل صباح يوم الخامس والعشرين من تموز/يوليو 2019، مهزوماً بالسرطان والخيبات والنزوات، نجماً منطفئاً رغم إمكاناته البارعة في التقمص والحلول.

67 عاماً عاشها الفيشاوي، فقد وُلد قبل ثورة يوليو 1952 بـ 5 أشهر، ليكون ناصرياً بالولادة والهوى السياسي فيما بعد، وكاد أن يُصنّف ثورياً حين عارض الحكم العسكري بعد ثورة يناير، بالإعلان عن أمنياته أن يحكم مصر رجل مدني، لكنه بقي على الحياد، لا معارضاً تماماً ولا موالياً تماماً، هو بين بين، تماماً كطموحه التمثيلي ونهاياته التي لم يبلغها لعدم كفاية تركيزه بالحفر في منطقةٍ واحدة، ولعل أهم ما أهدر طاقاته فيه هو نزواته وعلاقاته النسائية المتعدّدة وزيجاته الكثيرة، بحسب اعترافه، حين قال إنه "ضعيف أمام الجنس الآخر".

 وُلد قبل ثورة يوليو 1952، ليكون ناصرياً بالولادة والهوى السياسي فيما بعد، وكاد أن يُصنّف ثورياً حين عارض الحكم العسكري بعد ثورة يناير

هو كاره للاستقرار... شبه متمرّد... ليس لديه منظومة عمل... هو الفوضوي الذي يطمح إلى العشوائية والتجريب، وربما قد أورث هذه الجينات لابنه الممثل أحمد الفيشاوي، الذي صار مثيراً للجدل بالوراثة، بعلاقاتٍ نسائية وجنونٍ جامح لا يقل فيه بحالٍ عن أبيه.

في نهاية تسعينيات القرن العشرين، قدّم فاروق الفيشاوي مسلسل "الحاوي" بمشاركة الممثلة إلهام شاهين، متلبساً دور الباحث عن مصلحته دون أي اعتبار لشيء سوى الكسب المادي، وقد أمسك الفيشاوي في هذا العمل بسرٍّ من أسرار قوته، وهو الإيقاع، فلا أحد يمكنه النجاح والإبهار دون امتلاكه القدرة على سحب جمهوره بإيقاع الشخصية... فالحاوي كمرادف لمعنى الساحر، يمكنه خطفك بالتحكم في سرعته، إذ تكاد لا تلمح تفاصيل مكره وسحره، ساعتها فقط ستقع فريسة بين يديه ليحرك الوهم فيك كما يشاء، وهذا تماماً ما حافظ عليه الفيشاوي في أدائه لشخصية "فتحي" (الحاوي) فقد كان دائم الحركة بسرعة دون أن يخبرك بتفاصيل هذه العجلة أو استعجال الأحداث، كأنه توصل إلى نقطة الحلول، كصوفي خبير داخل الشخصية التي حل بها، ونادراً ما فعل ذلك الفيشاوي بكل أسف، وكان التجلي الأعلى لشخصية الصوفي حين أدى دور راقص التنورة في فيلم "ألوان السما السبعة"، ذلك الفنان الفطري خفيف المشاعر، الذي يلتقي البطلة المتوترة الهاربة من واقعها، فيجعلها تطير في عالمه السامي، مخلصاً إياهاً من شوائبها النفسية.

فاروق الفيشاوي كاره للاستقرار، ليس لديه منظومة عمل، هو الفوضوي الذي يطمح إلى العشوائية والتجريب، وربما قد أورث هذه الجينات لابنه أحمد الفيشاوي، الذي صار مثيراً للجدل بالوراثة، بعلاقاتٍ نسائية وجنونٍ جامح لا يقل فيه بحالٍ عن أبيه

فمثل فاروق الفيشاوي كثيرون تُرِكوا لأهوائهم ومغامراتهم، لتضيع قدراتٍ كان من الممكن أن تصبَّ في صالح إنتاج أعمالٍ أخرى أكثر تأثيراً ومتعة،  لكننا نقف الآن على حافة وداع ممثل وسيم لم يستثمر وسامته

مرة أخرى يبهرنا الفيشاوي بأداء شخصية الرجل الغامض في فيلمٍ ليس من بطولته، وهو "سوق المتعة، 2000"، للنجم محمود عبد العزيز، حيث لعب الفيشاوي خلال مشهدين فقط، أحدهما في أول الفيلم والثاني في ختامه، شخصية أحد أفراد العصابة التي تغوي البطل وتصنع منه حيواناً يعيش باللذة، مقابل التخلي عن بهجة الحياة الطبيعية كإنسان... مقدّماً إنذاراً وتحذيراً للبطل بأنه يُرى مرة واحدة، وفي الثانية يظهر فقط ليقتل من أراد أن يكشف عنه الحجاب. شخصية الشر الذي ينصح الضحية والأداة المستخدمة للقتل... هو نوع مبتكر لشرير السينما، يكاد يكون طبيعياً حد التماهي، ومصنوعاً حد التمكن وذوبان الفرق بين شيطان وصديق مخلص.

في مشهدين فقط يقنعك الفيشاوي بحضورٍ عجيبٍ ومؤثر، لا يمكن إغفال دوره في بقية المشاهد، وهذه جرأة منه أن يوافق على الظهور الخاطف ليؤدي خدمة للنجم البطل، بعكس المتعارف عليه عند نجوم السينما الباحثين عن مكان ومكانة لائقة بهم على الأفيشات وداخل السيناريو... لكن شجاعة الفيشاوي وفهمه لقيمة التمثيل الحقيقي- وإن لم يصبه الدور إلا بمشهدين- جعلتاه يقرر أن هذا دور واسع جداً وحاضر إلى أبعد مدى، كحضور الشيطان في التفاصيل الصغيرة رغم غموضه وغيابه عن المخيلة.

إن أزمة ممثلٍ بهذه الإمكانيات، اكتفى فقط بالظهور التليفزيوني ببرامج "التوك شو" في أواخر حياته، جديرة بالوقوف أمامها، والبحث عن الكم الذي نخسره بعدم وجود مؤسسة تدير طاقات فنية كبرى يهدرها سوء الإدارة، فمثل فاروق الفيشاوي كثيرون تُرِكوا لأهوائهم ومغامراتهم، لتضيع قدراتٍ كان من الممكن أن تصبَّ في صالح إنتاج أعمالٍ أخرى أكثر تأثيراً ومتعة، لكننا نقف الآن على حافة وداع ممثل وسيم لم يستثمر وسامته، وممثل غني الملامح والشعور، اشتغل بنسبة 20% منها على الأكثر، لتبقى الخسارة فيه تشغل المساحة الأوفر حظاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard