فوز الديمقراطيين برئاسة أمريكا يؤرق بن سلمان... تبرعات ومحاولات لإصلاح ما أفسدته علاقته بترامب

الخميس 25 يوليو 201906:47 م

يبدو أن ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان بدأ يدرك أنه ارتكب خطأ استراتيجياً سيكلفه ثمناً باهظاً، عندما أغفل أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب قد لا يبقى في منصبه طويلاً على غرار نظرائه العرب، وحين بالغ في إهمال الحزب الديمقراطي وقياداته.

الديمقراطيون الذين عادوا ولي العهد بسبب سلوكه الداعم لغريمهم ترامب ودوره في مأساة اليمن وعلى خلفية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، سيصلون إلى رئاسة أمريكا، عاجلاً أو آجلاً، إن لم يكن في هذه الدورة الانتخابية، فربما في المرحلة التالية، ما يعني أن بن سلمان لن يحظى بدعم كامل من البيت الأبيض في العديد من الملفات، أهمها وصوله إلى عرش المملكة خلفاً لأبيه.

ويتوقع المحللون أن بن سلمان قد يُعجّل بصعوده إلى العرش قبل رحيل ترامب، تحسباً لتعقيدات قد تنتج عن النفور الضخم منه داخل الحزب الديمقراطي، وهو نفور غير مسبوق من مسؤول سعودي.

محاولات الإصلاح مع الديمقراطيين

في 11 تموز/ يوليو الجاري، كشف تقرير في مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، أعدته الكاتبة الأمريكية من أصول عربية علياء عوض الله، أن الرياض تحاول إعادة إحياء نفوذها داخل الحزب الديمقراطي قبل الانتخابات الرئاسية عام 2020، مشيرة الى أن المملكة تغازل المرشحين الليبراليين عبر شركات علاقات عامة ومانحين مقربين من السعودية.

واستشهدت المجلة بتقرير نشره موقع "Politics Clear Real" الأمريكي كشف أن المرشح الديمقراطي بيت بوتيجيج قام في حزيران/ يونيو الماضي بحملة لجمع التبرعات في منزل هاميلتون جيمس، أحد كبار المتبرعين في الحزب الديمقراطي، وهو العقل المدبر لصفقة بقيمة 20 مليار دولار تشمل استثمارات سعودية في البنى التحتية الأمريكية.

وبوتيجيج لم يكن وحده في ذلك، إذ كشف تقرير آخر في مجلة "ذا إنترسبت" الأمريكية أن "لجنة العمل السياسي" التي أنشأها نائب الرئيس السابق والمرشح الأبرز في الحزب جو بايدن، ومن أهدافها جمع تبرعات لحملته الانتخابية، حظيت بدعم من السيناتور الديمقراطي السابق جون برو، الذي يعمل حالياً في مجموعة علاقات عامة تابعة لشركة "سكوير باتون بوغز"، المسجّلة كممثل للسعودية في الولايات المتحدة.

موقف المرشحين الديمقراطيين من السعودية

ذكّرت عوض الله بأن السعودية (ومعها الإمارات) انهمكت بالتقرّب من ترامب وجماعته، ولم تترك فرصة خلال السنوات الثلاث الماضية لم تهاجم فيها الرئيس السابق باراك أوباما ومستشاريه وحزبه، في وسائل الإعلام أو في الاجتماعات الخاصة.

في البداية، اتهم ولي العهد السعودي إدارة أوباما بإدارة ظهرها للشرق الأوسط، ثم انتقد الاتفاق النووي الإيراني وأثنى على خطاب ترامب المتشدد ضد إيران حتى أن المملكة دفعت، قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الماضية، جماعات الضغط لاستئجار مئات الغرف في فندق ترامب، ودفعت 5.4 ملايين دولار لشركة يقودها مستشار الرئيس روبرت ستريك، كما أنفقت أكثر من 430 ألف دولار على رسوم الاستشارات التي ذهبت إلى ريتشارد هولت الذي استعان به ترامب ضمن فريقه.

في المقابل، تلفت الكاتبة إلى أن ديمقراطيين كثراً يرون أن الحرب التي تشنها الرياض في اليمن ومقتل خاشقجي والحصار المفروض على قطر أمور متهورة وغير أخلاقية، مشيرة إلى أن محاولات السعودية تصحيح الضرر الذي لحق بعلاقتها بالديمقراطيين دونها عقبات كثيرة.

بدأ بن سلمان يدرك أنه ارتكب خطأ استراتيجياً عندما أغفل أن ترامب قد لا يبقى في منصبه طويلاً وحين بالغ في إهمال الحزب الديمقراطي وقياداته... فكيف تتحرّك السعودية لتصحيح العلاقة مع الديمقراطيين؟ 
"بالنظر إلى الأحوال الصحية للملك سلمان واحتمال فشل ترامب في انتخابات 2020 قد يتنازل الملك لابنه عن العرش قبل خروج ترامب من البيت الأبيض"... واحد من سيناريوهات يطرحها محللون في ظل عداء الديمقراطيين لبن سلمان

في هذا السياق، يؤكد المحاضر الدولي في جامعة جورج واشنطن عاطف عبد الجواد أن مرشحي الحزب الديمقراطي يميلون بصورة عامة هذه المرة نحو اليسار، وحتى مرشح الوسط أو الاعتدال، وهو جو بايدن، كان نائباً لأوباما ولم تكن السعودية في عهده راضية عن موقفه من إيران وانتقاده للسعوديين والخليجيين بصورة عامة.

وكان بايدن قد انتقد ما اعتبره إسهاماً من هذه الدول في إطلاق الجماعات الإرهابية في المنطقة مثل "داعش" و"جبهة النصرة" و"القاعدة".

ويشير عبد الجواد، في حديثه لرصيف22، إلى أزمة أخرى في العلاقة بين السعودية والحزب الديمقراطي، هي أن مرشحي الرئاسة من الديمقراطيين يركزون على قيم حقوق الإنسان والمرأة، خصوصاً في ظل وجود عدد متزايد من النساء المرشحات عن الحزب.

ويلفت عبد الجواد إلى أن الديمقراطيين لا يتبنون خيار القطيعة مع السعودية بقدر ما يرغبون في أن تدفع الرياض ثمناً لما يعتبرونه انتهاكات لحقوق الإنسان وحكم القانون وحقوق المرأة والحرية الدينية.

ويؤكد أن أكثر المرشحين الديمقراطيين انتقاداً للسعودية هو السيناتور بيرني ساندرز، ويحتل المرتبة الثانية شعبياً بعد جو بايدن الذي يمكن استخلاص عدم حماسته لإقامة علاقة وثيقة مع السعودية من مواقفه خلال ثماني سنوات كان خلالها نائباً لأوباما.

هل تنجح السعودية في مسعاها؟

بالعودة إلى العقبات التي تحدثت عنها عوض الله في تقريرها يمكن الإشارة إلى أن أبرز المرشحين، مثل جو بايدن، تعهدوا عدم قبول تبرعات من جماعات الضغط المتعاقدة مع دول أجنبية.

من جانبه، يرى عبد الجواد أن السعودية لن تنجح في تحسين صورتها داخل الحزب الديمقراطي إلا في حالتين: الأولى إنهاء الحرب في اليمن والدخول في تسوية سياسية، والثانية تحمل المسؤولية كاملة مع تحقيقات شفافة بشأن مقتل خاشقجي.

ويشير إلى إدراك الديمقراطيين لأهمية العلاقات الاستراتيجية مع الرياض، لكنه يؤكد رغبتهم في أن تدفع السعودية ثمناً لما تسببت به من خسائر في اليمن ولدورها في قضية خاشقجي، وهو موقف انعكس في موافقة مجلس النواب الذي تهيمن عليه أغلبية ديمقراطية أكثر من مرة على قرارات عقابية على الرياض حال دون تنفيذها استخدام ترامب حق الفيتو الرئاسي.

في سياق متصل، يوضح نائب رئيس تحرير "جريدة الرياض" السعودية عادل الحميدان أن المملكة منفتحة على الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مؤكداً أن العلاقات السعودية - الأمريكية استراتيجية وتاريخية "برغم أن خطاب بعض رموز الحزب الديمقراطي خلال الفترة الماضية لم يكن منصفاً للمملكة وذلك لبضعة أسباب، لعل أبرزها مناكفة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب".

ورداً على سؤال عما تنوي المملكة فعله إزاء هذا الواقع، قال الحميدان لرصيف22: "المطلوب حالياً هو العمل على تفكيك هذا الخطاب المعادي في كثير من الأحيان واختراق مراكز التأثير في الحزب الديمقراطي واللوبي الذي تمكنت دول معادية للمملكة من صناعته".

وشدد الحميدان على أن المملكة قادرة على تغيير الكثير مما يقوله الديمقراطيون، معتبراً أن السعودية دولة محورية مؤثرة وذات ثقل سياسي واقتصادي ولا يمكن أن تتجاوزها واشنطن أياً كانت هوية الرئيس أو قوة حزبه في الكونغرس.

ماذا لو كسب الديمقراطيون؟

يؤكد المحلل الأمريكي جورجيو كافييرو أنه في حالة وصول الديمقراطيين إلى السلطة قد تحتاج القيادة السعودية إلى تغيير سياسات معينة من أجل استرضاء الساسة الأمريكيين في بيئة سياسية جديدة في واشنطن.

"على السعودية تغيير سياستها بشأن ملف خاشقجي والحرب في اليمن، وهما قضيتان سيكون لهما تأثير كبير على العلاقات بين البلدين إذا سيطر الديمقراطيون على البيت الأبيض ومجلسي النواب والشيوخ"

ويقول لرصيف22: "إذا فاز الديمقراطيون فسيظهر مدى الضرر الذي تعرضت له العلاقات بين ولي العهد والسياسيين الديمقراطيين، في حقبة ما بعد ترامب".

يشارك كافييرو الرأي القائل إن على السعودية تغيير سياستها بشأن ملف خاشقجي والحرب في اليمن، و"هما قضيتان سيكون لهما تأثير كبير على العلاقات بين البلدين إذا سيطر الديمقراطيون على البيت الأبيض ومجلسي النواب والشيوخ".

في المقابل، يستدرك عبد الجواد بالقول إن الثمن الباهظ الذي يريد الديمقراطيون لبن سلمان أن يدفعه يصاحبه إدراكهم أمرين متناقضين.

الأول هو أن العلاقة مع السعودية كدولة هي علاقة استراتيجية بسبب النفوذ السعودي في الاقتصاد العالمي والتأثير في أسعار النفط.

أما الثاني فهو مسألة من يتبوأ العرش في السعودية، وهي مسألة داخلية، ومع ذلك فإن التحريات الدولية في مقتل خاشقجي قد تكشف عن معلومات محرجة للملك وولي العهد وتسهم في تسهيل مهمة الديمقراطيين في إطاحة ولي العهد قبل توليه العرش.

سيناريوهات وصول بن سلمان للعرش

يرى عبد الجواد أن السيناريو سيسير كالآتي: "بالنظر إلى الأحوال الصحية للملك سلمان واحتمال فشل ترامب في انتخابات نوفمبر 2020 قد يتنازل الملك لابنه عن العرش بينما ترامب لا يزال في البيت الأبيض، ولكن هذا القرار وموعده يعتمدان على مؤشرات فوز أو سقوط ترامب في الانتخابات، بمعنى أن الملك وولي العهد سوف يراقبان عن كثب استطلاعات الرأي وتوجهات الرأي العام الأمريكي من الآن حتى نوفمبر".

ويضيف: "حتى لو انتظرا نتيجة الانتخابات المؤكدة ووجدا أن ترامب قد خسر بالفعل، يبقى أمامهما شهران ونصف الشهر، حتى يناير 2021 موعد تنصيب الرئيس الجديد. بمعنى آخر، يمكن للملك سلمان انتظار نتيجة الانتخابات إذ ستكون لديه فرصة زمنية كافية من نوفمبر 2020 حتى يناير 2021 لكي يتخذ قراره".

في المقابل، يقلّل الحمدان من خطورة وصول الديمقراطيين للحكم، مؤكداً على أهمية التفرقة بين خطابين تتبناهما الدوائر السياسية الأمريكية، خاصة قبل أي استحقاق انتخابي، موضحاً أنهما، وإن كانا صادرين عن الجهة نفسها إلا أن لكل منهما هدف محدد، وقد "تتباين الأهداف بشكل يدعو للدهشة في بعض الأحيان".

ويستفيض الحمدان بالشرح: "الخطاب الأول موجه للداخل الأمريكي وهو الحديث العلني والصوت الأعلى لدى مخاطبة الناخب واللعب على وتر عاطفته ومخاطبته بما يسمى بالقيم الأمريكية ومفاهيم الحرية وتصوير الولايات المتحدة على أنها راعية حقوق الإنسان في العالم".

أما الخطاب الثاني فهو "الموجه للخارج يتحدث عن المصالح الأمريكية بأسلوب ميكيافيلي بعيداً من المثاليات التي يتم إطلاقها في الداخل. ومن هنا تحدث الازدواجية ويقف المرء حائراً أمام الخطابين".

على سبيل المثال، يستحضر الحمدان خطاب ترامب المرشح للرئاسة الأمريكية وما كان يشتمل عليه من لغة عدائية تجاه الآخر، وخطابه بعدما أصبح رئيساً، إذ "تبدل الحال وأصبح يتحدث عن المصالح الأمريكية وما ستجنيه سياسته من فوائد للاقتصاد الأمريكي برغم معارضتها تلك القيم التي كان يتحدث عنها قبل انتخابه".

وبينما يستخف بـ"غزل تلك الفئة أو معاداتها"، يقول الحمدان: "صناع السياسة الأمريكية يعرفون جيداً من هم حلفاء واشنطن وشركاؤها الاستراتيجيون… ومهما تباينت الخطابات تلبث هذه الأطر ثابتة في العقيدة السياسية الأمريكية وبناءً عليها تُبنى أجندة العمل، والديمقراطيون أو الجمهوريون يدركون موازين القوى ومعادلات الحرب والسلام".

ويختم حديثه بثقة: "بالنسبة إلى المملكة، يعي كل هؤلاء ما تمثله من ثقل إسلامي وعربي ودورها في حفظ أمن واستقرار المنطقة والعالم أجمع، إضافة إلى دورها الرئيسي في استقرار أسواق الطاقة العالمية ومشاركتها المهمة ضمن مجموعة العشرين في صناعة القرار الاقتصادي الدولي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard