كيف تتعامل مجتمعاتنا العربية مع قضايا التحرش والاعتداء الجنسي؟ سعد لمجرد مثالاً...

الخميس 25 يوليو 201912:06 م

هل أنت من متابعي الصيحات التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل صادفت فيديو كليب "أنساي" الذي يتصدّر قائمة الفيديوهات الأكثر مشاهدة على اليوتيوب؟

في صباح يوم الأربعاء، 24 يوليو 2019، بلغت عدد مشاهدات الفيديو كليب "أنساي" 33,518,707 مشاهدة، هذا العمل هو عمل ثنائي يقدّمه الممثل والمغني المصري محمد رمضان والمغني المغربي سعد لمجرد، وفي العادة تحقق أغاني كل من محمد رمضان وسعد لمجرد نسبة مشاهداتٍ عالية منذ الساعات الأولى لإطلاقها.

كل ما سبق يعتبر في سياق الأحداث العادية إذا كان أصحابها أشخاص يجتهدون من أجل صنع محتوى أفضل، لكن الغريب في الأمر أن سعد لمجرد متهم بقضايا اغتصابٍ وتحرّشٍ جنسي، والسبب في تصوير الفيديو في باريس هو منع سعد لمجرد من الخروج من الأراضي الفرنسية بأمرٍ من المحكمة حتى يصدر حكم نهائي في القضية.

تاريخ سعد لمجرد في قضايا الاعتداءات

لدى لمجرد تاريخ مليء بقضايا العنف والاعتداءات الجنسية والاغتصاب، حيث تم رفع دعوة من قبل فتاة أمريكية في محكمة بروكلين العليا سنة 2010، تتهمه بالاعتداء الجنسي بعد مرور ست سنوات على الحادثة، وتم سجنه بالفعل وخرج بعد أن دفع كفالة مالية، ثم هرب من الولايات المتحدة خوفاً من السجن إذا ثبتت عليه التهمة.

لم يتوقف لمجرد عند تلك القضية فحسب، بل استمرّ في أفعاله، وتم توقيفه في باريس من طرف الشرطة الفرنسية في أكتوبر 2016، بعد الاتهام الذي وُجِّه إليه من لورا بريول، بمحاولة اغتصابها في فندق ماريوت باريس شانزليزيه، ونشرت بالفعل لورا فيديو على "يوتيوب" تشرح فيه تفاصيل حادثة الاغتصاب بعد فترةٍ من القضية، لأن الشائعات بدأت تزيد حول كونها تقاضت أجراً من أجل رفع تلك الدعوى، وظهرت هي لتنفي كل تلك الشائعات وتخبر الجمهور بما حدث، وبالفعل سُجن لمجرد مدة ستة أشهر في باريس.

 كيف يكوّن الناس مشاعر تجاه الخاطف والجاني؟ كيف يمكن أن يتعاطفوا معه؟

وخلال تلك الفترة تقدّمت فتاة فرنسية من أصولٍ مغربية بدعوى اغتصاب ضد لمجرد، وقالت إنها تمّت في المغرب، ولكنها لم تتمكن من تقديم الدعوى خوفاً من الفضيحة، ثم تنازلت عنها بعد فترة بعد ضغوطٍ من عائلتها.

في أبريل 2017، خرج لمجرد من السجن ووضع سواراً إلكترونياً وُمنع من مغادرة الأراضي الفرنسية حتى تنتهي القضية، وذهب 5 أيام في مارس 2018، إلى المغرب بعد السماح له من قبل السلطات الفرنسية بالسفر المؤقت للترويج لأغنيته التي أنتجها في ذلك الوقت.

في أغسطس 2018، اتهم ثانية بارتكاب أفعال ينطبق عليها وصف الاغتصاب في سان تروبيه، إلّا أنه قد أطلق سراحه بسبب تضارب أقوال المدعية والمتهم، وفي 2019 برّأت المحكمة لمجرد من تهمة الاغتصاب التي رفعتها لورا بريول ومحاكمته في نفس القضية، بتهمة العنف والاعتداء الجنسي، إضافة إلى محاكمته في القضية الثانية التي وقعت في سان تروبيه.

وفور إعلان قرار المحكمة قامت لورا بريول بنشر تغريدة تشكر فيها كل من دعمها في مطلبها بمنع بث أغاني لمجرد في الإذاعات، وتم تنشيط "هاشتاج" في المغرب حمل عنوان "مساكتاش"، طالب فيه المشاركون بعدم السكوت عن المغتصب أو المتحرّش إضافة إلى سحب جميع أغانيه من الإذاعات.

برغم ما ذُكر من تاريخ سعد لمجرد، لم يقاطع الجمهور أعماله الفنية، لم تسقط حتى عدد المشاهدات بل زادت على عكس الأرقام التي كانت تحققها أعماله السابقة، يُذكر أيضاً أنه في الأسابيع الماضية احتفت الجماهير بعمرو وردة، اللاعب في المنتخب المصري، وتم رفع صورته في الملعب على الرغم من اتهامه بقضايا تحرّشٍ جنسي. لم تتعلم المجتمعات العربية بعد ثقافة المقاطعة، لم تعرف حتى الآن أنها السبيل الأمثل للخسارة ولتلقين المعتديين دروساً في كيفية معاملة النساء.

متلازمة ستوكهولم

تعرف متلازمة ستوكهولم على أنها الحالة التي يتعامل فيها الشخص مع المعتدي كصديقه ويبدأ في الاحتفاء به والتعاطف معه بدلاً من إظهار التعاطف مع الضحية، وعلى الرغم من أن متلازمة ستوكهولم لم تضف بعد إلى الدليل الخامس التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (تصنيف الاضطرابات العقلية الخامس) الذي يعتمد عليه الأطباء والمعالجون النفسيون في التشخيص، إلا أنه يعتبر مبدأ يعتمد عليه الأطباء في تفسير الكثير من الظواهر.

ولوحظ لأول مرة تلك المتلازمة عام 1973 في ستوكهولم، حيث حدثت عملية سطو على بنك وتم احتجاز أربعة من موظفي البنك كرهائن من قبل رجلين لمدة ستة أيام تحت تأثير السلاح، وعندما انتهت المواجهة لوحظ أن الضحايا قد كوّنوا مشاعر إيجابية تجاه الخاطفين بل وعبّروا بالفعل عن تعاطفهم معهم.

الأمر معقد للغاية، كيف يكوّن الناس مشاعر تجاه الخاطف والجاني؟ كيف يمكن أن يتعاطفوا معه؟

أفكّر أن الشعوب العربية الآن تعاني من متلازمة ستوكهولم، يبدو ذلك واضحاً في تعاملهم مع قضايا الاعتداءات الجنسية التي تخصّ النساء، دائماً يكون الاحتفاء بالجاني، لا أحد يهتم بالضحية

أفكّر أن الشعوب العربية الآن تعاني من متلازمة ستوكهولم، يبدو ذلك واضحاً في تعاملهم مع قضايا الاعتداءات الجنسية التي تخصّ النساء، دائماً يكون الاحتفاء بالجاني، لا أحد يهتم بالضحية
الفيديوهات الجنسية التي تلاحق السيدات لا ينساها الناس. تخسر النساء حياتها وعملها ومكانتها الاجتماعية إذا تعرضت "لفضيحةٍ" إثر تسريب فيديو جنسي، في المقابل يُنسى نفس الفعل لو كان لرجل

هل يمكننا النجاة؟

أكره الوصم، لكنني لا أجد له بديلاً في مجتمعاتنا، ربما أكرهه لأنني أنثى، الفيديوهات الجنسية التي تلاحق السيدات لا ينساها الناس، ربما لذلك السبب تحديداً أكرهه، تخسر النساء حياتها وعملها ومكانتها الاجتماعية إذا تعرضت "لفضيحةٍ" إثر تسريب فيديو جنسي، في المقابل يُنسى نفس الفعل لو كان لرجل.

أفكر في الوصم كفعلٍ جماعي، أقصد هنا بالوصم الذي يُمارس من قبل الرجال والنساء على المعتدين وليس على الأشخاص الذين يتم تسريب فيديوهات جنسية لهم، ذلك الوصم الذي جعل إيرادات الفيلم الأخير للمخرج والممثل الأمريكي، كيفين سبيسي، "Billionaire Boys Club" تهبط إلى 128 دولار فقط، بعد اتهامه بالتحرّش! ذلك الوصم الذي علّم الناس المقاطعة ولم ينتشر في مجتمعاتنا بعد، لو لم يتعاون محمد رمضان مع لمجرد بسبب قضايا الاغتصاب والاعتداء، لو قاطعنا نحن تلك الأعمال! سوف يفهم لمجرد حينها الدرس كما فهمه سبيسي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard