رواية "ترتر" تعيدنا إلى عام 1898... يوم زار إمبراطور ألمانيا السلطان العثماني

الاثنين 29 يوليو 201906:55 م

يعود بنا الكاتب العراقي "نزار عبد الستار" في روايته الأخيرة "ترتر" إلى عام 1898، السنة التي زار فيها إمبراطور ألمانيا "فيلهلم الثاني" إسطنبول، والتقى بالسلطان العثماني "عبد الحميد الثاني".

في هذه الزيارة، خططا معاً لإنشاء سكة حديد تصل برلين ببغداد، إذ كانت الموصل آنذاك محلَّ أطماع ثلاث دول تتنافس على احتلالها، هي إنكلترا وروسيا وفرنسا، وبما أنها تشكّل رأس البر في الطريق إلى الهند، فإن احتلال أي دولة لها سيوجّه ضربة للاقتصاد الإنكليزي، هذا ما جعل هؤلاء يهيمنون بأموالهم وتجارتهم عليها ويعقدون مع السلطنة العثمانية معاهدة تجارية بغيضة، منتظرين الفرصة المناسبة لاحتلال المدينة.

على الطرف المقابل، وعت السلطنة العثمانية لهذه الأطماع، وكانت تريد تقوية قدراتها العسكرية، وتعزيز وجودها في الجزيرة العربية، فقرّرت التحالف مع ألمانيا والعمل على إنشاء سكة الحديد التي ستسهم في منافسة التجارة الإنكليزية وقطع طريق الهند البري. وهذا ما دفع الاثنين إلى اختيار "آينور هانز" الألمانية من جهة الأب والتركية من جهة الأم، والتي تعمل مرشدة سياحية في وكالة سفر، لتكون من ستذهب إلى الموصل وتنشئ هناك صناعة نسيجية تسهم في إدخال التجار الألمان إلى المدينة.

رواية "ترتر" رواية تاريخية تحكي عن مخطط السلطنة العثمانية وألمانيا لإنشاء سكة حديد تصل برلين ببغداد في أواخر القرن التاسع عشر
رواية "ترتر" تستعيد مدينة الموصل كما كانت في أواخر القرن التاسع عشر، فتحكي بالتفصيل عن أبنيتها وعماراتها، حياتها اليومية، الأزياء التي كانت سائدة في ذلك الزمن، وغيرها...

"آينور هانم.. ترك لي إمبراطور ألمانيا، وملك بروسيا، فيلهلم الثاني، مهمة مقابلتك. لقد بحثنا كل التفاصيل معاً طوال سنة كاملة كنت خاضعة فيها لمراقبة دقيقة (...) وقد اتفقنا على البدء بتنفيذ مشروع مدّ سكة حديد من برلين إلى بغداد، وهذه السكة ستمكّن ألمانيا من منافسة إنكلترا اقتصادياً، وستساعد قواتنا العسكرية على التحرك بسرعة إذا ما اندلعت الحرب الكبرى (...) وقبل هذا سنرسلك إلى الموصل بمهمة إنشاء صناعة نسيجية هناك، ومساعدة التجار الألمان على العمل في الولاية، والتوسع بعدها إلى بغداد والبصرة".

الرواية التي تجري أحداثها في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تصوّر لنا الأحداث السياسية والتاريخية لذلك الوقت، لذا فإنها تحفل بالكثير من الأسماء التي نقرؤها في كتب التاريخ. تحكي عن تبدّل الولاة العثمانيين، علاقة قناصل الدول الكبرى بالسلطنة ومسؤوليها، والعلاقات بين الولاة ورجال المدينة من تجار وشيوخ، وتصوّر ببراعة كيف كانت الموصل في ذلك الوقت، ذاهبة إلى أقصى ما يمكن حين تولي اهتماماً كبيراً للتفاصيل، من خلال الوصف، فنقرأ عن القصور وعمارتها، وعن المهترخانة (فريق الموسيقا الرسمية في الدولة العثمانية)، وعن المواكب الاحتفالية، وعن الأسواق والخانات، وعن أزياء ذلك الزمن، والأقمشة السائدة...

وهنا، تحديداً - على الرغم من قدرة الكاتب على الإلمام بكل هذه التفاصيل، وبحثه الذي لا شكّ كان كبيراً ومجهداً – تبرز مشكلة الرواية الكبرى، إذ إنها تولي اهتمامها الأكبر بالأحداث التاريخية وكيف تنعكس على الحكاية، في حين تمنح الشخصيات والدراما في النص قدراً أقل من الاهتمام، فنشعر كأن الشخصيات وحكاياتها وضعت لخدمة الحدث التاريخي في الرواية، بدل أن يكون التاريخ هو الخلفية التي يتحرك هؤلاء ضمنها، فصارت كل شخصية لا تأتي بأي فعل خارج حدود الدور التاريخي المنوط بها، حتى " آينور هانز" الشخصية المحورية والرئيسة في الرواية يبقى عالمها الداخلي مستغلقاً علينا، نقرأ لمحات هنا وهناك عن علاقتها الشائكة مع أمها، ولمحات هنا وهناك عن حبيب اسمه "رودولف" يأتي طيفه دائماً إلى مناماتها.

وهي حريصة على إبقاء ذكراه حية، إذ تطلب من السلطان أن تكون الكلمة المفتاحية في رسائلهما المتبادلة كي تضمن أن الشخص المرسل محل ثقة: "رودولف العظيم"، كما تطلب منه أن يعيّن أحداً ليضع الزهور على قبره بعد سفرها. وفيما عدا ذلك فإن "آينور" هي مجرّد شخصية أرادت أن تجلب التقدم إلى مدينة الموصل، فافتتحت مصنعاً للجوارب، وبازاراً لبيع الملابس النسائية الجاهزة، ومقرّاً لنسج الموسلين، وأسست لمستشفى "الغرباء" واستقدمت إليه جهاز أشعة إكس الذي كان اختراعاً حديثاً في ذلك الوقت. وفي هذا الموضع وما تلاه تصل الرواية إلى واحدة من أبرز المواضيع التي تريد طرحها، إذ يثور رجال الدين بسبب جهاز الأشعة، ويعتبرونه فتنة، ويحاربون وجود المشفى.

"وقف الشيخ على المنبر في صلاة الجمعة الثالثة وبيده صورة أشعة لساق رجل، وأخذ يصرخ أسفاً على ضياع الغيرة الإيمانية، وتفشّي الغفلة، وكيف أن الإفرنجة لم يكفهم هتك المقدسات وسفك الدماء، فراحوا يصوّرون ما لا تدركه الأعين، ويُظهرون ما كساه الله باللحم. وحذّر بأعلى صوته من أن هذه الصورة الشيطانية توقع المسلم في معصيتين مهلكتين، أولاهما التصوير الذي هو من صفة الخالق المصوّر، والثانية التكهّن بالموت قبل وقوعه، وأخذ يردد بانفعال أن جهاز أشعة إكس فتنة، وأن رونتغن الكافر سيتلقى جزاءً مخزياً".

وأول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة هذا الحدث في الرواية، هو أننا ما زلنا حتى اليوم نعيش هذا الصراع – ولكن بأشكال مختلفة – بين التحديث الذي يفرضه تطور الحياة وبين الجهل والتخلف اللذين يفرضهما بعض المتشددين والمتعصبين بذريعة الدين والغيرة عليه.

أخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى أن الرواية تستمد عنوانها من "الترتر" وهو نوع من الخرز أو الرقائق المعدنية التي تتميز ببريقها وألوانها الجذابة، تستخدم في تطريز الملابس وتزيين الستائر وفي غيرها من الأشياء، وأما حضوره في الرواية فيبدأ مع بدايتها إذ تراه "آينور" في شعار العلم الألماني حين تزور سفارة بلادها في إسطنبول، ويبقى طوال الوقت يمثّل وجوده لها حالة انتماء وهي في الموصل بعيدة عن بلادها.

"لكن آينور انجذبت إلى ستارة حمراء مفروشة على عرض صدر القاعة نُقش عليها النسر الإمبراطوري الأسود. ميّزت اللمعة كنداء بعيد. (...) خلعت قفازها ومررت أصابعها على حلقات الترتر المعدنية الرقيقة، المثقوبة من الأعلى".

نزار عبد الستار قاص وروائي عراقي ولد في بغداد عام 1967. عمل في الصحافة منذ عام 2003، استلم إدارة تحرير جريدة المدى لفترة، كما أسس جريدة "تاتو" الثقافية. أصدر عدة مجموعات قصصية، وأربع روايات: "ليلة الملاك" التي نالت عام 1999 جائزة أفضل رواية عراقية عن اتحاد أدباء العراق، وجائزة الدولة للإبداع، "الأمريكان في بيتي"، "يوليانا"، وأخيراً "ترتر" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد في دورتها الأخيرة، وكان الناشر: دار نوفل – هاشيت أنطوان/ بيروت، وعدد الصفحات: 280، والطبعة الأولى: 2018. 

صورة المقال لقطة من ناسا لبغداد (رابط). 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard