نعيش في "العصور الوسطى"... ديننا النمو الاقتصادي وكهنتنا خبراء "البنك الدولي"

الاثنين 29 يوليو 201904:34 م

"أرقام النمو الاقتصادي بتعلى، واحنا حياتنا في النازل"

بهذه الجملة اختتمت صديقتي منى (40 عاماً) مكالمتها الطويلة.

صديقتي بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، طلبت الطلاق، واستأجرت شقة بوسط البلد، لأول مرة تجرب أن تعيش أحلامها وخيالاتها حقيقة، صاحبت أصدقاء، وسهرات، وسكر، وعملت في تخصصات شغفت بها، مرتبطة بالشأن العام و "تغيير العالم".

وبعد مرور سنوات، وانحسار موجة المد الثوري، بدأت تفكر في حياتها بطريقة أخرى مقارنة بأصدقائها، واحدة أصبح لها عائلة وأولادها كبروا، وأخرى استغلت تلك الفترة في دورات تدريبية، لغات ومهارات، وسافرت لأوروبا، نظرت لنفسها لا شيء.

عادت صديقتي لزوجها، وأنجبت طفلا، وتعمل الآن في مجال التجارة، متزوجة وناجحة، ولكنها أصيبت بالاكتئاب، دائما ما يشير عليها الطبيب بتناول عقاقير مضادة للاكتئاب، ولكنها ترفض، لسبب مجهول.

هل أصبتم بالاكتئاب يوماً ما؟

إذا حظيت بحياتك كلها بعلاقةٍ جنسيةٍ واحدة مع شريكةٍ واحدة ستفكر أنك لم تستمتع بحياتك كما ينبغي، أو عشت حياتك في بلدٍ واحدة، أو عملت بمؤسسة واحدة، أو ليس لك سوى صديق أو اثنين، ولا يتخطى منشورك على "فيس بوك" وتدوينتك بتويتر خانة العشرات في الإعجابات والمشاركة، أو تعيش في دولةٍ ذات أرقامٍ متدنية في معايير النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، كل هذه الأرقام المنخفضة ستصيبكم بالاستياء والإحباط حتماً، أليس كذلك؟

وكأن واقعنا أصبح أشبه بالكهنوت، قلّما يشكك فيه أحد، الولع بالكم وليس بالكيف، بعدد العلاقات وليس بدرجة إشباعها لنفسك ووجدانك، بكم البلاد التي زرتها، وليس بفرحك بها وتعلمك أشياء مهمة منها.

بحسب كتاب "صناعة السعادة: كيف باعت لنا الحكومات والشركات الكبرى الرفاهية" فإن أفكار المحامي جيرمي بنتام في القرن الثامن عشر، هي اللحظة البكر لما نأخذه هذه الأيام كبديهياتٍ في النفس والسلوك والاقتصاد، فلقد تهكّم كثيراً على الأفكار المتعلّقة بالحقوق المتأصلة للبشر، وأبرزها العدالة، وناصر المتعة واللذة التي يمكن تفسيرها عصبياً، لذا كان مناصراً متشدّداً للحريات الجنسية والمثلية، ونادى بمساواة الرجل بالمرأة، وحقوق الحيوان.

بنتام مثل صديقتي، أصيب بإحباطات كبيرة في حياته، كان ذا شخصيةٍ ضعيفة أمام أبيه، ولد طفلاً ضعيفاً، خجولاً، حاول أبوه أن يحوله إلى الطفل المعجزة بالتخويف والترهيب، أجبره على تعلم اللاتينية واليونانية عندما كان في الخامسة من عمره، وتعرّض للإذلال في المدرسة لأنه كان أصغر الطلاب، والتحق بجامعة أوكسفورد وهو في الثانية عشر من عمره.

أحب فتاةً رفض الأب علاقته بها بسبب عدم ثرائها، وفشل في الاستقلال المادي عن أبيه، ولكنه على عكس صديقتي أمضى حياته في ابتكار تقنياتٍ وآلياتٍ لتحسين كفاءة وعقلانية الدولة، بعيداً عن "الهراء الفلسفي للمبادئ الأخلاقية".

انتقد بتنام الثورة الفرنسية ومبادئ حقوق الإنسان، واستهزأ بها قائلاً: "الحقوق الطبيعية محض هراء، الحقوق الطبيعية التي لا تسقط بمرور الزمن ما هي إلا هراء بلاغي منمق".

ما قدمه بنتام للحكومة البريطانية في القرن الثامن عشر هي اللحظة البكر لصناعة قرارٍ قانوني قائمٍ على بيانات علمية، اخترع ما بات يُعرف بـ"صناعة السياسات المستندة إلى أدلة"، وهي فكرة تنادي بتخليص الحكومة من أي مبادئ أيديولوجية أو أخلاقية، بحيث لا تسترشد إلا بالحقائق والأرقام.

"معظم الناس بائسون... النمو هو عقيدتنا مثلما كان الرب في العصور السابقة، وكان الذين يتساءلون عن قدرته فاسدين، أو في أحسن الأحوال، مُضلَّلين بشكل كبير، والآن الذين يشكِّكون في النمو الاقتصادي يتم وصمهم بأشياء من نوعية إرهابيين أو مازوشيين ساذجين"

وكان بتنام ضد مفردات اللغة المعنوية المرتبطة بالأخلاقيات، فكل شيء إما يشير إلى ما هو حقيقي أو خيالي، ومفردات مثل الخير والواجب والحق والباطل والشغف هي خيالية، والحقيقي هو اللذة والألم، لأننا يمكن قياسهما بمظاهرهما الفيزيولوجية، لذا لا بد أن يكون هناك ثواب تتولاه السوق الحرة، وعقاب واضح ملموس تتبناه الدولة في السجون، والحرمان من الامتيازات، وما سوى ذلك هراء.

الجانب الإنساني في رؤية بتنام أنه وجّه الدولة إلى سعادة كل الأفراد، وتحويل وجود المواطنين إلى أشياء قابلة للقياس.

تطور فكره ليتجسد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في النمو الاقتصادي والتنمية، تزامناً مع اعتماد تبني نشاط الخلايا العصبية الملموسة لتفسير معاني الفرحة، والنشوة، والاكتئاب، والروحانيات،  والمرض النفسي اختلال روابط عصبية يُعالج بمضادات الاكتئاب، بحسب كتاب "صناعة السعادة".


"النمو الاقتصادي يجعلنا غرباء"

"نمو"، "دول نامية"، "تنمية اقتصادية"، "تنمية مستدامة"، "تنمية بشرية".. ليست مجرّد كلمات ومصطلحات امتلأت بها صفحات المواقع، وتصريحات المتخصصين وقادة الدول، ويقع في القلب من تلك المفردات "التنمية الاقتصادية"، من كثرة تردادها كهدفٍ للسياسات "الإصلاحية"، وخاصة بعد "نجاح" النموذج الصيني، المقترن بالتلوّث البيئي وانتهاكات حقوق العمال، القبضة الحديدية للنخبة الحاكمة والفساد.

يُحدَّد النمو الاقتصادي عادةً بالزيادة في إجمالي الناتج في بلد ما، أو الناتج المحلي الإجمالي، وهي إحدى جوانب التنمية الاقتصادية، والأخيرة تعني، في إحدى تعريفاتها، عمليةً تتحول فيها الاقتصادات الوطنية البسيطة ذات الدخل المنخفض إلى اقتصاداتٍ صناعيةٍ حديثة.

وأحيانا يُشار إلى النمو الاقتصادي باعتباره التنمية الاقتصادية، ولكن هل تتجسد تلك الأرقام في حياتنا بمعاني نفسية إيجابية، فرح، وسعادة، وشغف؟

"معظم الناس بائسون... النمو هو عقيدتنا مثلما كان الرب في العصور السابقة، وكان الذين يتساءلون عن قدرته فاسدين، أو في أحسن الأحوال، مُضلَّلين بشكل كبير، والآن الذين يشكِّكون في النمو الاقتصادي يتم وصمهم بأشياء من نوعية إرهابيين أو مازوشيين ساذجين".

هكذا كتب الاقتصادي الراديكالي ريتشارد دوثويت في كتاب "وهم النمو: كيف أثرى النمو الاقتصادي القلة، وأدى إلى إفقار الكثيرين وتعريض الكوكب للخطر".

بنى دوثويت كتابه على أن النمو ليس نعمةً على الإطلاق، ولا يفيد سوى الأغنياء فقط، تم نشر الكتاب في عام 1992، ويفنّد فيه الكاتب ما يعتبره "خرافة" النمو الاقتصادي، ويفحص تأثيراتها على المجتمع والاقتصاد والبيئة، والتي يراها سلبية أكثر مما هي إيجابية.

ضرورات النمو الاقتصادي مرتبطة بتغير المناخ، وانتقاص طبقة الأوزون، وأزمة الزراعة والأغذية المعدلة وراثياً.

يستشهد الكاتب ببريطانيا كمثالٍ على فكرته في الفترة من 1955 إلى 1988، ويلفت النظر إلى أن "نوعية الحياة" تدهورت في مواجهة النمو الاقتصادي الكبير، فضرورات النمو الاقتصادي مرتبطة بتغير المناخ، وانتقاص طبقة الأوزون، وأزمة الزراعة والأغذية المعدلة وراثياً.

ويرى دوثويت أن الديناميكية الأساسية للنمو الاقتصادي تعمل باستمرار ضد رفاهية أي شخص ما عدى حفنة من الأغنياء.

يكتب شيام سوندار سريدهار، حساب على "كورا" في إجابة عن معنى "النمو الاقتصادي"، هو قياس رقمي، يقيس مقدار الأموال التي يتم تداولها في الاقتصاد، النمو يحدث عندما تزيد قيمة وعدد المعاملات التجارية، مثلاً إذا طبخت الطعام في المنزل فإن الناتج المحلي الإجمالي لا يزيد، ولكن إذا كنت تأكل في مطعم فسيزيد، وإذا قام الآباء بتربية أطفالهم مباشرةً فلن يرتفع إجمالي الناتج المحلي، ولكن عندما يضع الآباء أطفالهم في مركز للرعاية النهارية يزداد.

فقط حساب النمو يكمن في المبادلات التجارية في الاقتصاد، ولكنه ليس معياراً جيداً تماماً لقياس التنمية الاجتماعية، وكذلك تلك الحسابات محايدة القيمة الأخلاقية، وهذا شيء سيء، بحسب سريدهار.


ويمتدح سريدهار "التنمية"، ويراها مصطلحاً سياسياً يختلف معناه من شخص لآخر، وبالنسبة له هو تنمية تقود إلى الزيادة في جودة حياة الأفراد، مادياً، واجتماعياً، ونفسياً، وسياسياً، وروحانياً، فكل الأفراد لديهم قدرات وطاقات كامنة تمكّنهم التنمية من تحقيقها.

يكتب: التنمية تزيل القيود التي تمنع الأفراد من تحقيق قدراتهم وإمكانياتهم.

وينتقد الاقتصاديين الذين لا يريدوننا أن نقلق بشأن التنمية، ويجب التركيز فقط على النمو الاقتصادي، بينما يرى آخرون أننا يجب أن نركز على التنمية في المقام الأول، والنمو هو وسيلة للتنمية.

ولكن حتى التنمية الاقتصادية لم تخل من انتقاداتٍ، أبرزها عربياً ما وجهه لها المفكر الاجتماعي المصري جلال أمين.

يعود بنا في مقال نشرته "البيان" الإماراتية إلى كواليس دراسته الاقتصاد في بريطانيا منذ ما يقارب ستين عاماً، الفترة التي شغلت فيها "التنمية الاقتصادية" بال الشباب دارسي الاقتصاد.

يذكرنا أمين في مقالته بكتابٍ كان شائعاً في تلك الفترة للمؤرخ الاقتصادي الأمريكي والتي روستو، عن مراحل النمو الاقتصادي، وأشار إلى أن الطلبة تقبلوا أفكاره دون تردد، وقسَّم روستو التاريخ الاقتصادي للأمم إلى أربع مراحل: المجتمع التقليدي، التمهيد للانطلاق، الانطلاق، ثم أخيراً مرحلة "انتشار مستوى عال للاستهلاك".

وبعد انتهاء الستينيات استُبدل وصف "الدول المتخلِّفة" بالدول النامية، وذلك "بدافع الأدب"، وكذلك "بدافع تشجيع هذه البلاد على الاشتراك في سباق التقدم الاقتصادي".

ووضع الاقتصاديون، بحسب أمين، معايير أبرزها "ارتفاع متوسط الدخل"، وأطلقوا عليها "التنمية الإنسانية".

ينتقد أمين تلك الطريقة في معالجة "الفقر" بالتنمية دون الالتفات إلى أثر السياسات الاقتصادية على جوانب الحياة الأخرى، يقول: "ما حدث في الدول التي كانت تسمّى متخلفة لم يكن مجرد تقدمٍ اقتصادي، بل كان تطوراً اقتصادياً من نوع معين يمكن وصفه بالتغريب، جلب زيادة في السلع والخدمات المستقاة كلها من حضارة أو ثقافة بعينها فاستبدل نمط حياة بأكملها بنمط آخر، باسم "التنمية الاقتصادية".


الأرقام والكمّ "مفهوم مدمر"

يأخذنا الكاتب الإنجليزي المتخصص في شؤون الاقتصاد والبيئة بريان ميلاني، في مقالٍ منشور بموقع "جرين إكونوميكس"، إلى بعدٍ آخر يناقض رؤية مفكر القرن الثامن عشر بنتام، يرى أنَّ جزءاً أساسياً من مشكلة فهمنا للتنمية الاقتصادية يعود إلى تعريف "النمو"، فإنه يشير في معظم المناقشات إلى حجمٍ متزايد من تراكم المواد واستهلاكها، ويفترض تعريفاً كمياً للثروة، وهو "مفهوم مدمر"، ولكن الاقتصادي الأمريكي هيرمان دالي يميّز بين "النمو" كعمليةٍ مادية، و"التنمية" التي يمكن أن تكون نوعية وروحانية وليست مادية.

"النمو" بحسب دالي نوع من النشاط الاقتصادي لا يهدف إلى استقرار الاقتصاد فحسب، ولكن إلى انكماشٍ فعلي في استخدام الموارد والطاقة، وهذا يتطلب أيضاً إعادة تعريفٍ للثروة، عن طريق أنواع جديدة تحفّز التنمية النوعية الحقيقية.

وكأن واقعنا أصبح أشبه بالكهنوت، قلّما يشكك فيه أحد، الولع بالكم وليس بالكيف، بعدد العلاقات وليس بدرجة إشباعها لنفسك ووجدانك، بكم البلاد التي زرتها، وليس بفرحك بها وتعلمك أشياء مهمة منها

ولكن ما يأخذه ميلاني على دالي أنه لم يستطع أن يدرك قوة "دافع الربح" في دفع النمو الاقتصادي، والتي يمكن استبدالها تدريجياً بحوافز أكثر إيجابية للمشروعات المتجددة، ولن يكون رأسمالياً، لأن كلاً من المال والمادة سيصبحان وسيلة وليست غايات النشاط الاقتصادي، الرأسمالية هدفها الأساسي التراكم النقدي، ونوعية الحياة التي نعيشها هي جزء من عملية التراكم الكمية، الرأسمالية لا يمكن أن تعيد تعريف الثروة عندما تصبح "الجودة" ناتجاً ثانوياً، أو مجرد تراكم.

إذن لا بد من إنشاء قوى دافعة جديدة من دافع الربح.

ولكن ما يراه ديفيد كورتن، أستاذ سابق في جامعة هارفارد في مجال الأعمال، وناشط سياسي منتقد للعولمة أن ما يحرّك مزاعم الرأسمالية خلق الثروة فقط، أما الديمقراطية واقتصاديات السوق فهو كلام مبالغ فيه، ولا أساس له من الصحة. في رأيه أن الرأسمالية العالمية نتاج رؤية عالمية قديمة، وآلية تفشل في مراعاة العوامل الاجتماعية والسياسية والبيئية الهامة.

هل يمكن إيجاد منظومة بديلة تعتمد على الأخلاقيات والمعنويات والقيم الإنسانية المتأصلة، وليس على الربح والإنجازات الفردية؟

يجد كورتن أثناء بحثه مشكلةً في اللغة التي تجرّدت، بسبب تأثرها بالأرقام والكم، من "أخلاقياتها" و"معنوياتها"، ويشدّد كورتن على ضرورة جلب استعارات جديدة للغة، وطرق تفكير جديدة في الاقتصاد، لإنشاء مجتمعٍ يرتكز على صفاتٍ إنسانية متأصلة، مثل الإنصاف والعدل والديمقراطية.

ويرى أن الاقتصاد المعولم سارع بالبشرية إلى انهيار المجتمع المحلي، والعالم الطبيعي، ويروّج أصحابه لثقافةٍ عامةٍ غير صحية، مرتبطة بالمنافسة والقيم المادية والسعي لتحقيق المصلحة الذاتية الضيقة، بعيداً عن قيم العدالة والخير والتعاطف الإنساني.


ويشير كورتن إلى تحوّلٍ مهم يحدث في الثقافة العامة في الغرب، لا يقتصر على الاستياء العام من الشركات الكبرى ومنظمة التجارة العالمية، ولكن يمتد إلى البحث عن المزيد من البدائل الأكثر تأكيداً على الحياة، في فكر قادة شركات وسياسيين ومنظمات شعبية ومواطنين عاديين.

أبرز ما ينادي به كورتن إعادة توزيع جذري للثروة والسلطة الاقتصادية، بعودة حقوق الإنسان، وعودة المال وسيلة التبادل وليس الدَّيْن.

ولكن كورتن مثل ميلاني يصطدم بعقبة كبيرة، هي كيفية إيجاد حوافز بديلة للناس تقنعهم بالتخلي عن تلك المنظومة التي نعيش فيها، والتي تعتمد على الربح والطموح الشخصي.

ما تطرحه تجربة كورتن وميلاني في محاولة إيجاد بدائل هو تساؤل هام يمكن أن تطرحوه على أنفسكم: هل يمكن إيجاد منظومة بديلة تعتمد على الأخلاقيات والمعنويات والقيم الإنسانية المتأصلة، ولا تعتمد على دافع الربح والإنجازات الفردية، تعتمد على الاهتمام بالنوعي، والكيفي، وليس بالكم، والأعداد المتزايدة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard