"فقدت بصري ولكن لم أفقد قلبي"... عندما قررت جوزفين أن تتسلق الجبال وتغوص في البحار

الاثنين 22 يوليو 201904:20 م

"لا أعرف ما هو الأخضر، لكن أمي قالت لي أن الأزرق هو لونٌ جميل وهادئ، فحينما تكون السماء زرقاء فهي جميلة..."، لم تحتج الشابة المصرية جوزفين سعيد إلى "هيلين كيلر" (إحدى رموز الإرادة الإنسانية) لتكون مثالاً أعلى تحتذي به، فهي بحدّ ذاتها عبرة قوية للإرادة والتحدي.

جوزفين فتاة عشرينية وُلدت في مدينة الإسكندرية، لكن فقدانها لبصرها لم يحرمها من الاستمتاع بعروس البحر الأبيض المتوسط، وبألوان المياه والسماء والعوم أو الغوص لمشاهدة الأسماك أو حتى للإقدام على تسلّق الجبال.

لحظة تغيير

في طفولتها، كانت جوزفين فتاة هادئة تنصت لكلام أهلها وتنفذ التعليمات، لكنها كانت دوماً تشعر أن بداخلها طاقة كبيرة وروح مغامرة لا مثيل لها.

تقول جوزفين لرصيف22: "حين توفيت والدتي اختبرت أبعاداً أخرى من الحرية، فقد حاولت الانغماس في الطبخ من خلال استخدام أدوات المطبخ والقلي والتحمير وغيرها، لم أشعر حينها على الإطلاق بأنني مختلفة عن الآخرين، ولم أفهم بالتالي تعامل البعض معي على أساس أنني مختلفة ولديّ ظروف خاصة".

تعرّضت جوزفين لأزمةٍ نفسيةٍ كبيرة، ذهبت إثرها إلى طبيبٍ نفسي نصحها بالسفر، وهي فكرة لم تكن لتخطر على بالها نهائياً، بخاصة وأن ظروفها الخاصة لا تتيح لها ذلك، لكنها قرّرت هذه المرة أن تأخذ بنصيحة الطبيب وبدأت تبحث عن شركاتٍ للطيران.

وبعد أن أرسلت عشرات الرسائل، لاحظت أن الشركات السياحية تطلب منها أن تستقدم مرافق وتتحمل نفقاته بنفسها، وهو ما كانت ترفضه لأنه يتخطى إمكاناتها المادية، وبعدها وجدت إعلاناً لإحدى الشركات عن رحلةٍ لجنوب سيناء، إلى دهب وشرم الشيخ وطابا، ورحبت الشركة بطلب جوزفين من دون شروط مسبقة.

المغامرة الأولى

بالرغم من أنها ابنة مدينة الإسكندرية الساحلية، إلا أن جوزفين سعيد كانت تخاف من المياه ولم تحاول العوم يوماً، فمنذ صغرها اعتادت أن تستسلم للشرنقة التي أراد الجميع إبقاءها داخلها، لكنها في شرم الشيخ قرّرت أن تتحدى نفسها وتتغلب على جميع مخاوفها.

بنبرةٍ حماسيةٍ، تخبر جوزفين أن هواء شرم الشيخ يختلف عن الإسكندرية، ورغم أنها كانت تعتمد سابقاً على التحرّك بواسطة عصا لتحسس الطريق، إلا أنها في هذه الرحلة لم تحتج إلى ذلك، إذ تحولت يدها إلى عينٍ تبصر من خلالها كل الأمور التي من حولها: "كنت ألمس كلَّ شيءٍ في طريقي"، وفق ما وصفته لموقع رصيف22.

وتابعت حديثها بالقول: "كانت هذه هي المرة الاولى التي أنزل فيها إلى عرض البحر رغم اعتراض الكثيرين وسياسة التخويف التي حاولوا تطبيقها معي، لكن خوفي كان يتبدّد شيئاً فشيئاً كلما دخلت إلى العمق، كان مرافقي يمسك يدي ويحثّني على تجربة العوم والغوص في تلك الأماكن".

الإحساس بالبحر

"كنت أرى كلّ شيء من خلال عين المرافق الذي كان يرتدي نظارة الـ(سنوركلينج) ويخبرني أنه في الأسفل يوجد أسماك ملوّنة وأنواع وأشكال مختلفة، ثم يوضّح لي أن خلفنا جزيرة وأمامنا الجبال وغيرها، كان يصف لي كل ذلك، لكن في بعض الأوقات كان يقول لي إنه لا يستطيع وصف ما يراه بالأسفل لشدّة الجمال".

رغم أنها كانت تعتمد سابقاً على التحرّك بواسطة عصا لتحسس الطريق، إلا أن جوزفين سعيد في هذه الرحلة لم تحتج إلى ذلك، إذ تحولت يدها إلى عينٍ تبصر من خلالها كل الأمور التي من حولها

استمتاع جوزفين بالبحر، كان منبعه إحساسها بجماله كما أكّدت لرصيف22: "بالنسبة لي لا يوجد فرق بين الليل والنهار، فعند الساعة الواحدة صباحاً، ذهبنا للصيد وهناك أمسكت بنجمة البحر وتحسّستها للمرة الأولى ثم ألقيت بها مرة أخرى إلى المياه. تعلمت الإمساك بالصنارة لكنني لم أحب الصيد".

وأضافت: "ليس بالضرورة أن أتمتع بالبصر لأستمتع بالبحر"، ووصفت إحساسها بأول رحلة غطس قامت بها بالقول: "ركبنا اليخت ذهاباً في رحلة غطس واستمتعت بفكرة النزول إلى قعر البحر...كنت أنفذ التعليمات وأحرّك يدي وقدمي في المياه لأطفو".

صحيح أن البحر غدّار وفق ما يحذّر منه دوماً معاشرو البحر في عدّة مدةٍ ساحلية، وهو مَثَلٌ دارج بين أبناء هذه المناطق، لكن كان لجوزفين رأي آخر في هذا الخصوص: "ابتكرنا إشارات خاصة تعتمد على اللمس لأنه ليس بوسعي رؤية الإشارات العادية، أجرينا وقتها اختبارات لتجربة الغوص لمترٍ واحدٍ، وفي حال لم يحصل أيّ طارىءٍ اتفقنا على أن أغوص أكثر، وهذا ما حدث بالفعل".

تقول جوزفين: "شكّل أسفل المياه صدمتي الممتعة، أنا أستطيع تمييز الضوء من الظلام، أرى أشكالاً من بعيد لكنه ليس بوسعي تمييز الملامح، أرى الأبيض والأسود فقط، أرى ظلالاً خفيفة وأرى مناطق ذات ألوان فاتحة وأخرى ذات ألوان داكنة، لكن لا أعرف أو أميّز الألوان... كانت بالنسبة لي المرة الأولى التي أرى فيها الضوء أسفل المياه، فكنت أحرّك يديّ كثيراً حتى ألمس الأسماك لكن لم أتمكن من التقاطها".

وعن شعورها بعد خوض هذه المغامرة، تقول: "كانت تجربة ممتعة ومختلفة واستمتاعي بها لم يأت من الرؤية، لكن المتعة تكمن في الهدوء والسكينة والمغامرة نفسها".

وتتابع حديثها بالقول: "لديّ عطشٌ دائم للمعرفة، لا أخاف أو أقلق من تجربة أو لمس أيّ شيء، ولديّ اعتقاد بأنه ليس هناك من شيءٍ يؤذينا ما لم نبادر بالأذى أولاً".

أحبّت جوزفين تجربة الغوص الأولى وقرّرت تجربتها مرة أخرى في مدينة مرسى علم، وبعدها في وادي "الوشواشي" حيث ذهبت أبعد من ذلك وقررت تسلّق الجبال.

تسلّق الجبال

تصف المغامِرة العشرينية تجربةَ تسلّق الجبال في "وادي الوشواشي"، بالقول: "تخلّيت عن العصا، كنت أتحسّس المسافات وأبحث بيدي عن مكانٍ أضع قدمي فيه، ثم أحسب مسافة الصخرة التي يتعيّن عليّ تسلقها، كان التسلق سهلاً بينما النزول صعباً لأنّه يتطلب حسابات أخرى".

في البداية، كان الجميع يراهن على فشل جوزفين وينصحها بالجلوس والاستمتاع بالهواء الطلق، لكنّ عزيمة هذه الشابة كانت قوية فنجحت في الصعود إلى أعلى الجبل والهبوط بعدها إلى بركةٍ مائية: "بعد هذه القفزة كسرت حاجز الخوف بداخلي وبدأت في خوض مغامرات كثيرة وتجربة أشياء خطيرة خلال السفر".

للصحراء فلسفة خاصة تشبه فلسفة الحياة، اختصرتها جوزفين بعبارةٍ بسيطة حينما قالت: "اكتشفت أن الصحراء أمان حتى الثعالب لا تؤذيك إذا ربت على  رأسها"

لقد حدث تحوّل كبير في شخصية جوزفين المغامِرة والتي لم يعد يشكل لها فقدان البصر أيّ مشكلة، على حدّ تأكيدها: "بعد عودتي عرفت أن ما ينقصني بعيداً عن جوّ العمل والروتين، هو السفر والمغامرة والاستمتاع...وبدأت أحمد الله أنني لا أرى شيئاً حتى لا ينتابني الخوف من التجربة وتقدير المخاطر".

ورداً على تساءل البعض عمّا إذا كان الليل مخيف في الجبال؟ تجيب جوزفين وهي تعود بالذاكرة إلى حادثة مرّت بها أثناء التخييم، فتقول: "يومها خرجت بمفردي للذهاب إلى الحمام وأثناء سيري ارتطمت بكائنٍ ظننته كلب، وظللت أربت على رأسه حتى جاءت صديقتي وطلبت مني أن أرفع يدي عنه في الحال، وكشفت لي بعدها أن الحيوان الذي كان بالقرب مني هو ثعلب"، وتضيف:"طالما أنني لا أرى فأنا لا أخاف".

للصحراء فلسفة خاصة تشبه فلسفة الحياة، اختصرتها جوزفين بعبارةٍ بسيطة حينما قالت: "اكتشفت أن الصحراء أمان حتى الثعالب لا تؤذيك إذا ربت على رأسها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard