في لبنان...الكلاب تسبح أما العاملات المنزليات فممنوعٌ عليهن لمس الماء

الجمعة 19 يوليو 201906:33 م
Read in English

استفزّتني الحادثة التي نشرتها مؤخراً الصحافية سحر مندور، والتي أثارت الكثير من الجدل على "السوشال ميديا"، وجعلتني أتساءل عن الروح الإنسانية التي فقدناها في خضم عالم مزيّف يعيش على المظاهر والقشور والـ show off.

عبر حسابها الخاص على فايسبوك، تكشف سحر مندور تفاصيل ما حدث مع امرأة هندية كانت قد حضرت مع فريق أكاديمي فني لإلقاء محاضرة، خلال مؤتمر دولي في لبنان، غير أنها مُنعت على الفور من دخول مسبح "سبورتينغ" في المنارة، أما قرار المنع فلا يعود لتهديدها السلم الأهلي -لا سمح الله- أو لارتكابها جناية أو جنحة بل بسبب لونها وعرقها.

بئس الزمن الذي جعلنا نقيّم فيه الناس بحسب لون بشرتهم وعرقهم، وبئس العنصرية التي تعمي بصرنا عن رؤية جوهر الإنسان وقيمته

وبموازاة ذلك، كانت إدارة السبورتينغ قد نشرت منشوراً يتضمن قواعد اللباس للمساعِدات، بحيث يشترط النادي الحصول على توقيع تتعهّد فيه العائلة بالموافقة على التقيّد بلباس خاص للعاملة المنزلية التي تعمل لديها، وهو عبارة عن "شورت" و"تي شيرت"، هذا وتشير الإدارة إلى أن عدم التقيّد بهذه التعليمات يحتّم طرد العاملة من النادي وعدم إعادة المال إلى صاحبه.

هذا المنشور "العنصري" والذي يتضمّن في ثناياه انتهاكاً واضحاً لحق العاملات في اختيار لباسهن الخاص، أثار حفيظة الكثير من الناس الذين دعوا إلى مقاطعة النادي البيروتي، بخاصة وأنه يتعامل مع العاملات الأجنبيات بتمييز واضح، مع العلم أن وزارة السياحة كانت قد أصدرت، قبل شهر تقريباً، تعميماً تدعو من خلاله المسابح والحمامات البحرية للالتزام بمبدأ المساواة في استقبال الزبائن، من دون تمييز لناحية العرق أو الجنسية أو الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة المتمتعين بالأهلية القانونية.

غير أن هذا التعميم يبدو أنه لا يلاقي آذاناً صاغية لدى أصحاب المسابح الذين يتمسّكون برفضهم السماح للعاملة المنزلية بالنزول إلى المياه، حتى ولو كان الكفيل مصرّاً على ذلك، مبررين ذلك بالقول إن بعض الزبائن يرفضون السباحة إلى جانب العاملة المنزلية، وكأن هذه الأخيرة"جرثومة" تجلب الأمراض في حال لامس جسمها المياه.

والمضحك المبكي في الموضوع، أن بعض المسابح في لبنان التي تمنع دخول العاملات، تسمح بالمقابل للأفراد باصطحاب كلابهم معهم إلى البحر، من باب الرفق بالحيوان وإتاحة الفرصة لهذا "الصديق الوفي" بمرافقة صاحبه والتمتع ببرودة المياه، هرباً من أشعة الشمس المرتفعة.

وبالعودة إلى حادثة السبورتينغ، صحيح أنه من حق النادي "المخمليّ" أن يضع شروطه على الزبائن بالطريقة التي تحلو له، ولكن من حقنا كشعب متعطش للحرية وللمساواة الاجتماعية، أن نثور ونقف بوجه هذه الممارسات الظالمة ونقلب الطاولة فوق رؤوس متحجرة، تعيدنا بتصرفاتها ملايين السنين إلى الوراء.

وبالرغم من أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، للأسف، ما زال هناك بعض العائلات التي لا تزال تزرع في أذهان أطفالها فكرة أن صاحب البشرة السوداء "وسخ" وأقل شأناً 
الذي حدث في السبورتينغ هو مجرّد فصل من فصول الظلم الذي يلحق بالعاملة المنزلية في لبنان، والغريب أننا كشعب "أبيض مختار" نأتمنها على حياة أطفالنا وفي الوقت نفسه نحرمها من أبسط حقوقها الإنسانية

لقد انتهى زمن الاستعباد والتطهير العرقي، ولكن حتى هذه اللحظة لا يزال هناك بعض الأشخاص الذين يؤمنون بسيادة البيض ويعتبرون أن لون بشرتهم البيضاء اللامعة تسمح لهم بالتعالي على أصحاب البشرة السمراء، وذلك نتيجة الموروثات الاجتماعية. وبالرغم من أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، هناك بعض العائلات التي لا تزال تزرع في أذهان أطفالها فكرة أن صاحب البشرة السوداء "وسخ" وأقل شأناً.

ما حدث في السبورتينغ هو مجرّد فصل من فصول الظلم الذي يلحق بالعاملة المنزلية في لبنان، والغريب أننا كشعب "أبيض مختار" نأتمنها على حياة أطفالنا وفي الوقت نفسه نحرمها من أبسط حقوقها ونسجنها في قوالب نمطية وننظر إليها نظرة دونية، وكأنها كائن ناقص يجلب لنا العار والخجل.

بئس الزمن الذي جعلنا نقيّم فيه الناس بحسب لون بشرتهم وعرقهم، وبئس العنصرية التي تعمي بصرنا عن رؤية جوهر الإنسان وقيمته...الإنسان يبقى إنساناً بجميع الألوان.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard