"الغرب يدمن الكحول واليمنيون القات"... أحلام وكوابيس ونقابة المتعاطين

الخميس 25 يوليو 201901:17 م

بعد أن فقد الراعي اليمني إحدى أغنامه، فتّش عنها طويلاً، وبعد فترةٍ من البحث المضني، وجدها تلتهم أوراق شجرة خضراء بنهمٍ زائد، وتكرّر فقدان الراعي لتلك المعزة، لكن في كل مرّة تضيع منه كان يجدها عند تلك الشجرة تمضغ أوراقها، وتسترخي تحت ظلالها.

دفع الفضول الراعي إلى مضغها، وبعد فترةٍ من لوكها في فمه، شعر بارتياحٍ كبيرٍ ونشاطٍ يسري في جسده، ما دفعه إلى الذهاب بشكل يومي إلى تلك الشجرة ومضغها كما هو حال معزته.

لم يتوقف الراعي عند ذلك الحدّ، بل تجاوزه إلى زرع هذه الشجرة بجانب منزله، حتى لا يتكلّف عناء المسافة، ومن تلك اللحظة بدأت قصة زراعة وتناول "القات".

هكذا تروي الحكايات الشعبية التي تتناقلها الأجيال قصة زراعة وتناول "القات" في اليمن، الذي كان أول ما لفت نظر الرحّالة العربي أمين الريحاني عندما زار البلاد عام 1922م.

يذكر الريحاني في كتابه "ملوك العرب": القات عند أهل اليمن هو حشيشهم وأفيونهم ومسكرهم، وهم يدمنونه إدمان الأوربيين للكحول، وفي القات على ما يظهر خاصة الحشيش الأول، أي الكيف، وشيئاً من خاصية الأفيون المخدّر، وبعض ما في المسكرات مما ينبه الفكر.

الغرب يُدمن الخمور، واليمن القات

شبّه الريحاني "الموالعة" مدمني تلك النبتة في اليمن بمدمني الكحول في الغرب، وعن أثرها النفسي كتب: "يطرب النفس، ويشحذ الذهن، ويبعث في صاحبه النشاط، ويقويه على السهر والعمل في الليل، ويُحدث في المعدة يبوسة وانقباضاً، وفي الفم جفافاً وعفونةً، مثل البلوط فيطلب صاحبه الماءَ كثيراً".‏

عندما يمضغ يونس أحمد (25 عاماً)، من مدينة إب وسط اليمن،  القات يخطط حول المستقبل، يبني منزلاً ويؤسّس شركةً ويحقق نجاحاتٍ كبيرة، وهو جالس في مقعده خلال الساعات التي يمضغ فيها نبتة القات.

يشعر أحمد بنشوة ونشاط مادام يمضغ القات "مُخزِن" لساعات طويلة قد تصل إلى أكثر من عشر ساعات يومياً.

"نبتة القات تنقلني إلى عالمٍ آخر خلاف الوضع الذي تعيشه البلاد، بالإضافة لأنني أشعر بطاقةٍ كبيرة في جسدي"، يقول يونس لرصيف22.

وعلى الرغم من حالته المالية المتدنية، فهو يعمل مع والده في بناء المنازل بشكل شبه يومي، مقابل مبلغ مالي لا يزيد عن 100 ألف ريال شهرياً، وينفق يونس ما لا يقل عن 50 ألف ريال، (100$)، شهرياً لشراء القات.

القات مثل غيره من النباتات التي تحدث تأثيراً مزاجياً، والتي استخدمتها جماعات دينية قصرتها لأغراض روحانية، فشاع استخدام الصوفيين للحشيش بشكلٍ غير “رسمي” بين شعوب عربية، والأيواسكا التي استخدمها الشامانات الروحانيون في أمريكا اللاتينية لتساعدهم في “التواصل مع كائنات علوية“

لا يستطيع يونس ترك القات مادام في اليمن، فليس هناك بديل آخر عنه، فكل أصدقائه يتناولونه، بالإضافة إلى أنه يعتبر مادة منشطة تعطيه الطاقة للقيام بالأعمال الشاقة ولوقت أطول.

يعلم يونس أن كل ما يفكر به لحظات "التخديرة" سيطوى في ذاكرة النسيان، لكن تلك الأحلام تنقله إلى عالم جميل، عكس الواقع البائس الذي يعيشه في الوقت الراهن.

على نطاق أوسع، يتداول اليمنيون مثلاً يقول: "القات قوت الصالحين"، ففي مجالس "المقيل" التي تُعقد بشكل يومي، يتمّ فيها مناقشة علوم الدين والسياسة والاقتصاد، يقول قاسم عبد الله (60 عاماً) يسكن في حي شعوب بالعاصمة صنعاء.

ويضيف قاسم لرصيف22: "في مجالس القات نجلس نذكر الله، بالإضافة إلى إقامة ندوات ثقافية ودينية، وخلال الجلسة نناقش الأوضاع السياسية والمشكلات التي نواجهها في حياتنا اليومية".

القات مثل غيره من النباتات التي تحدث تأثيرا مزاجيا، والتي استخدمتها جماعات دينية قصرتها لأغراض روحانية، فشاع استخدام الصوفيين للحشيش بشكلٍ غير "رسمي" بين شعوب عربية، والأيواسكا التي استخدمها الشامانات الروحانيون في أمريكا اللاتينية لتساعدهم في "التواصل مع كائنات علوية".

البعض ربط بين التحوّل الذي أصاب نباتات مثل القنب الذي يعد منه الحشيش من مساعد روحاني لبلوغ حالات من الصفاء يتعسّر بلوغها في الأوضاع الطبيعية للإنسان، إلى علامة على التدهور النفسي والأخلاقي بالاستعمار والحداثة التي انتشرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، بحسب الكاتب الباكستاني حمد خان في  مقال له بموقع "سكرول إن" الهندي.

يكتب حمد خان: في عصر الاستعمار والحداثة في القرنين التاسع عشر والعشرين، ضاعت معاني صوفية الحشيش والفقر "الذي كان يحمل معنى الزهد الأصيل في التملّك"، والقلندرية والزهد في التصور الإسلامي الحديث.

إدمان، اكتئاب، كوابيس 

يطغى القات على مجالس الرجال والنساء، بل يكاد أن يكون الشغل الشاغل لمعظم السكان في البلاد، فأكثر من 90% من  إجمالي الذكور في اليمن يتعاطون نبتة القات، التي تحوّلت من شجرةٍ مخدرة بحسب الصحة العالمية، إلى جزءٍ من ثقافة الشعب اليمني وتراثه الشعبي، ومكونٍ اجتماعي ومصدر رزق يعتمد عليه ملايين السكان، بل أصبحت اليوم ملجأ للكثير من الشباب العاطلين عن العمل، يجدون فيه رزقاً وفيراً ومهنة سهلة لا تأخذ الكثير من قوّتهم وأوقاتهم، ويحمّله نشطاء مسؤولية "تخلف" المجتمع اليمني، خاصة في المجالين الاقتصادي والزراعي.

إذا توقف المولعي، مدمن القات، ليوم واحد هاجمه "الرازم" في أحلامه، وحولها لكوابيس مزعجة

القات نبتة مخدرة تسبب الإدمان، بحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية، وتعرّض متعاطيها لأمراض نفسية مثل الاكتئاب والذهان.

ولا يكاد يخلو منزل في اليمن من مجلس خاص لتناول نبتة القات بشكلٍ جماعي، مع الأسرة والأصدقاء، وفي الغالب يبدأ مضغ القات الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت صنعاء (11 بتوقيت جرينتش)، ويستمر أحياناً إلى منتصف الليل، مع شرب كمية كبيرة من المياه، وبعض المشروبات الغازية الأخرى.

يقول قايد أحمد (50 عاماً)  من  مدينة، اليوم الذي يمرّ عليه دون أن يمضغ القات لرصيف22: يكتم أنفاسك، ويقيِّد يديك، وقدميك، ولسانك، حتى تشعر أنَّك ستموت أثناء النوم أو تحلم بأنه يُرمى بك من قمّة شاهقة، إذا لم تتناول بعضاً من أوراق القات في النَّهار أو الّليل.

ويطلق اليمنيون على هذه الكوابيس التي تنتابهم إن لم يتناولوا القات "الرازم"، ويلجأ العديد من الموالعة إلى وضع ملح تحت رؤوسهم أو أحذيتهم، إذا لم يتناولوا القات، في اعتقادهم أنها تمنع "الرازم" من الحضور.ويضيف "المولعي" قايد، إذا لم أمضغ القات يوماً واحداً لن أستطيع النوم في الليل بسبب الكوابيس المرعبة.

يطلق اليمنيون على الكوابيس التي تنتابهم إن لم يتناولوا القات اسم "الرازم"، ويلجأ العديد من الموالعة إلى وضع ملح تحت رؤوسهم أو أحذيتهم، إذا لم يتناولوا القات، حتى يمنعوا "الرازم" من الحضور.

ويعتبر القات مصدر رزق للملايين من سكان اليمن، وتعتبر أسواق القات الأكبر في اليمن والأكثر ازدحاماً وانتشاراً، وتتوسّع رقعة زراعتها يوماً بعد آخر.

يعمل عمران مطهر (22 عاماً)، في بيع القات منذ طفولته،  يسكن في مدينة إب وسط اليمن.

يذهب عمران على متن دراجة نارية، في الصباح الباكر إلى حقول القات لشرائه من المزارعين من منطقة السحول، ويعمل على قطف أغصان القات برفقة عمّال يدفع لكل واحد منهم مبلغ 2000 ريال كل يوم، ويجمع القات في أكياس بلاستيكية ويعود إلى السوق قبل العاشرة صباحاً، بحسب ما حكاه لرصيف22.

لا تقل قيمة القات الذي يبيعه عن 100 ألف ريال (200 دولار)، فأقلّ كيس يتم بيعه بـ1000 ريال.

يتفاوت ربح عمران، الذي يعيل أسرة مكونة من عشرة أفراد، عقب توقف راتب والده منذ ثلاثة أعوام، ما بين 5000 إلى 10000 ريال يومياً، وأحياناً يخسر الكثير من المال بسبب توفر النبتة في السوق بشكل كبير.

تستحوذ النبتة على 58.5% من إجمالي المساحة المزروعة في اليمن، ويعمل المزارعون على اقتلاع أشجار البن وغرس الحقول الخاصة بالقمح والذرة بأشجار القات، فالأخيرة سريعة النمو وتنتج ثلاثة محاصيل إلى أربعة سنوياً، يقول المزارع ناجي الشهلي.

"الإقبال المتزايد عليها في الأسواق وبأسعارٍ مربحة، يدفعنا إلى زراعة بقية الحقول، لأننا سنجني أرباحاً أفضل من المحصولات الأخرى التي لا تؤتي أكلها إلا مرّة في العام، بالإضافة إلى أنها لا تكلفنا الكثير من الجهد" يضيف ناجي لـرصيف22.

نقابة للموالعة

أسّس ناشطون يمنيون، نقابة خاصة بمتعاطي النبتة، الأكثر انتشاراً في اليمن والتي تلاقي الاهتمام الأكبر من قبل المزارعين على حساب المحصولات الأخرى، وأطلقوا عليها: نقابة "الموالعة" اليمنيين.

النقابة التي تشكَّلت في العام 2016، جاءت كنوعٍ من التعبير عن الرفض للواقع السياسي الذي أنتجته الحرب، ولرفض السلوكيات الخاطئة لأطراف الصراع وكذلك العادات المجتمعية الخاطئة، وهي حركة تذكّرنا بثورة "الشباب" الغربي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانت "المخدرات" بارزة في الاحتجاجات ضد الحرب الأمريكية على فيتنام، وفي حركة "الهيبية" بستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، والتي رفضت نمط الحياة القائم على الاستهلاك.

وقد اختارت النقابة اليمنية فئة الموالعة باعتبارها الفئة الأكبر، والتي تذوب فيها الانتماءات الحزبية والمذهبية والمناطقية، كما يقول كمال شعلان، نقيب الموالعة في تصريح لرصيف22.

وتهدف النقابة إلى ترشيد استخدام القات، وتقوم بحملات توعيةٍ ضد السلوكيات الخاطئة التي ترافق بعض الموالعة، بحسب شعلان.

نقابة للموالعة تشكَّلت لرفض الواقع السياسي الذي شكَّلته الحرب، والعادات الاجتماعية الخاطئة

ويضيف: حققت النقابة العديد من الإنجازات، في مقدمتها إعادة بلورة الصورة النمطية عن القات، باعتباره مادة منشطة تعزز السلوك الاجتماعي للمولعي وتساعده على الإنجاز.

وأحيت النقابة "عيد الغصن" للعام الثالث للتوعية بشجرة القات والاحتفال بها، كما أحيت عيد موكا والذي من خلاله تمّ زراعة أكثر من ألف شجرة بن، وهو جهد عجزت الدولة عن القيام به، بحسب شعلان.

واحتفلت نقابة الموالعة الجمعة الماضية 12 تموز/يوليو ما أطلقت عليه اليوم العالمي للقات أو عيد الغصن، بطبع لوحات دعائية نشرتها في العديد من المحافظات اليمنية.

بالإضافة إلى تداول وسم عيد الغصن في السوشيال ميديا، بشكلٍ كبيرٍ من قبل ناشطين يمنين، ونشر نصائح لمتعاطي نبتة القات.

وفي النهاية لايزال القات، من مجالس السياسة التي يحضرها الرجال إلى محاضر النساء، يسجِّل حضوراً ملحوظاً، ممَّا يطرح على الكثير من اليمنيين تساؤلاً متجدِّداً بشأنه: هل من الضروري الاستغناء عنه إذا أرادت البلاد التقدم، باعتباره وسيلة للهروب من الواقع، ويهدر مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، ومهلك للصحة، أم يمكن الإبقاء عليه، بصفته جزءاً من ثقافة اليمنيين، مع تشريع قوانين تحجّم زراعته، وتسويقه، وتناوله؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard