عندما تعمل منظومة مصالح استفدنا منها مطولاً بعكس رغباتنا

الخميس 18 يوليو 201908:55 م

اكتشف النائب اللبناني نواف الموسوي أن انتماءه إلى حزب الله وضعه في موقف يتعارض مع مصالحه الخاصة. فضّل أن يكون "أباً وليس نائباً"، بحسب تعبيره، وقرر الاستقالة من مجلس النواب.

اكتشف أنه لا يستطيع حماية بناته من دون أن تلقي أفعاله بـ"تبعات سلبية على حرب الله". اكتشف أن متطلبات موقعه كوجه من وجوه هذا الحزب تمنعه من إرسال أربعة أشخاص إلى مخفر لضرب طليق ابنته، وتمنعه من إحضار حوالي 20 شاباً مسلحاً، وإطلاق النار باتجاه غرفة رئيس المخفر، لأن عناصره قاموا بواجبهم ومنعوهم من دخوله.

لا يستطيع الموسوي البقاء ممثلاً لحزب الله في البرلمان لأن علنية تصرّفه أحرجت حزبه، ولكنه لا يقبل المساس بهذا الحزب أيضاً كما يقول. على الأرجح سيستقيل، وسيخرج من الواجهة، ولو إلى حين.

ماذا سيحصل خلال هذه الفترة؟ لن يخبرنا الموسوي أن منظومة القوة التي استند عليها ليقوم بما قام به ستعمل على "لفلفة" الموضوع وإلصاق التبعات القانونية لما قام به وحرّض عليه على متبرّع بحمل العقاب عنه. لن يخبرنا بذلك كي لا يخبرنا أننا نحن لا نستطيع القيام بما قام به من دون تحمّل عواقب أفعالنا.

الآن، سيأتي دور "المظلة" لتفعل فعلها. كل المتناقضات سيكون ممكناً جمعها مجدداً لتؤدي أدواراً في سيناريو يكتبه مخرج مجهول. سيكون ممكناً جمع طليق ابنته الذي استفاد من القضاء الشرعي الجعفري لينتزع حضانة ولديها منها ويحرم أماً من أبنائها؛ وهو نفسه، الأب الذي استفاد من منظومة قوة حزب يؤيد هذا القضاء، أي القانون، ليخرج عن القانون؛ وعشرات البيادق من شباب تحمسوا للنائب واندفعوا معه إلى المخفر بسلاحهم علّ فعلهم يقرّبهم أكثر من منظومة القوة التي يمثلها.

سيُختم فصل في محاولة لوضع خاتمة لأسئلة كثيرة انقسم حول إجاباتها الرأي العام اللبناني في الأيام الماضية. هل الموسوي رجل شجاع لا يلام على محاولة انتزاع "حق"؟ أم أنه رجل تجاوز القانون وانتهكه ليضيف واقعة على آلاف وقائع تجاوز القانون؟

في كلتا الحالتين، لا يمكن المباشرة بأية إجابة بدون ربط الموسوي بموقعه. كل إنسان يتصرّف من موقع محدد. والنائب الذي قد يصير قريباً نائباً سابقاً لا يمثل نفسه. أجل تفرّد بقراره ولم يعد إلى قيادة حزبه، على الأرجح. ولكنه حين وضع أمامه قائمة احتمالات خيارات التصرّف الممكنة لم يقم بأي فصل بين موقعه وما يتيحه له. آلاف الأمهات يبكين بصمت وليس لديهن "أب متنفّذ" يستطيع لعب دور "الفتوّة".

كثيرات يعانين من المشكلة التي تواجهها ابنة الموسوي. الرجل يستطيع حرمان طليقته من حضانة أبنائها الذكور من عمر السنتين وبناتها من عمر السبع سنوات، بحسب قانون الأحوال الشخصية الجعفري. وفي حالة ابنته غدير، تخلت الأم طوعاً عن حضانة ابنتها قبل بلوغها سن السبع سنوات لتحصل على الطلاق مقابل أن تراها، هي وابنها، مرة في الأسبوع.

هذا مجحف وغير إنساني. ولكن حزب النائب الذي منحه موقع القوة ليقوم بما قام به يؤيد ذلك ويؤيد إجراءات كثيرة أخرى تحرم المرأة من حقوقها، بل يسعى دائماً إلى استحداث المزيد منها. وحتى وقت قريب كان الموسوي من منظريه في هذه المسائل ومسائل أخرى كثيرة لا تخلو من انتهاك حقوق ناس في لبنان وفي سوريا.

لم ينتبه النائب إلى الظلم إلا عندما اختبره مباشرة في حياته الخاصة، فصار يغرّد خارج سرب حزبه في النقاشات غير العامة، وفقط في الجزئية التي تمسه، وكأنها يمكن أن تنفصل عن منظومة إيديولوجية متكاملة.

اكتشف النائب اللبناني نواف الموسوي أن انتماءه إلى حزب الله وضعه في موقف يتعارض مع مصالحه الخاصة. فضّل أن يكون "أباً وليس نائباً"، بحسب تعبيره، وقرر الاستقالة من مجلس النواب
ماذا لو رفع كل شخص شعار "الحق" وخرج عن القانون لينتزع ما يعتبره "حقاً" بالقوة؟ ماذا لو كنت تختلف معه حول أحقية ما يسميه "حقاً"؟ ماذا يبقى غير شريعة الغاب؟

يمكن وضع تصرّف النائب ضمن خانة محاولة تحصيل حق منتزع منه ظلماً، ولكن لا يجب تناسي أنه منتزع بقوة القانون، ولو كان القانون جائراً.

يمكن للبعض التخفيف من خروجه عن القانون بالقول إننا في دولة سيادة القانون فيها ضعيفة والقوي يفرض إرادته على الضعيف. وأساساً في حالة النائب، فإن طليق ابنته ليس ضعيفاً بل يستمد عناصر قوة كثيرة من نفس الموقع الذي يستمد منه النائب قوته ومن انتمائه إلى عشيرة.

ولكن كما أن التضامن مع امرأة حُرمت من ولديها مسألة أخلاقية، فإن معارضة تجاوز القانون بدعوى امتلاك "الحق" مسألة أخلاقية أيضاً، وأكثر مركزية من الأولى، لأننا هنا نتحدث عن أمن مجتمع كامل.

قوانين كثيرة تنتهك الحقوق بدل أن تكرّسها. لهذا تتقادم قوانين فينبغي تغييرها وفق تطورات مفهومنا للحق. ولكن هل يمكن تبرير كسرها قبل تغييرها؟ ماذا لو رفع كل شخص شعار "الحق" وخرج عن القانون لينتزع ما يعتبره "حقاً" بالقوة؟ ماذا لو كنت تختلف معه حول أحقية ما يسميه "حقاً"؟ ماذا يبقى غير شريعة الغاب؟

أجل. يمكن لأحدهم القول إننا أساساً في بلد تحكمه شريعة الغاب. ولكن هذا تعبير مجازي وليس حقيقة. لا نعيش في شريعة غاب بل نعيش في دولة استثنائات، والاستثناءات هي ما يُشعرنا بغياب العدالة والأمن. فهل نريد تحويل الاستثناءات إلى قاعدة؟

حق حضانة الأم لأولادها الذي حمله الموسوي حين توجه مع مسلحين إلى المخفر حق، ولكن ماذا عن "الحق في الحياة" الذي حاول انتهاكه بإطلاق النار، وهو أب كل الحقوق، وبدونه لا حقوق. هل نرفع راية حق ونتجاهل حقوقاً؟

سيستقيل النائب وسيبقى كثيرون يبررون له ما قام به وسيستمر كثيرون في تبرير ازدراء أشخاص للقانون هنا أو هناك بذريعة امتلاكهم لـ"الحق". ولكن استمار ذلك يُخرج فكرة "الحق" نفسها من منظومتنا القيمية لتصير مرادفاً للقوة ومبرراً لسحق الضعفاء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard