متى يُكتب تاريخ "أبونا عجمي" الذي احتضن داخل كنيسته جيلاً من الموسيقيين المصريين؟

الجمعة 19 يوليو 201912:17 م

مرارة الحلق لا تبارحني، تقع عيناي على صفحة فيها اقتراح يساعدنا أن نكون أسوياء، لكنها ورقة في صندوق قمامة التاريخ رغم قيمة كاتبها، أرى مشروعاً هناك لم يُنفّذ، صرخةً لم يلتفت إليها أحد، وفي المقابل، تخبرنا الدولة المصرية بمؤسساتها أنها ستحارب الإرهاب وتجدّد الخطاب الديني وتعمل على التعايش الإنساني… إنهم كاذبون، ويعلمون أنهم كاذبون، ويعلمون أننا نعلم أنهم كاذبون، ورغم ذلك يستمرون في الكذب.

مثلاً، لو كانوا صادقين لطبّقوا اقتراح لويس عوض، الكاتب والمؤلف المصري، باستحداث مادة للأخلاق بدلاً من الدين في المدارس، على أن تكون تلك المادة جامعة للقيم الإنسانية للأديان الثلاثة، ويتمّ تدريسها للطلاب جميعاً بدلاً من فصلهم في تفرقة عنصرية منذ الصغر، تجعل الطفل يُدرك أنه مختلف عن غيره، ذلك اقتراح في ثلاثينيات القرن الماضي، أيضاً لو كانوا صادقين لكتبوا عن "أبونا عجمي"، ولغدت قصته المجهولة منهجاً لكثير من الطلاب ليعرفوا قيمة أن يكون هناك رجل دين مستنير وماذا يمكن أن يفعل.

رحلة البحث عن "أبونا عجمي"

رحلة البحث عن "أبونا عجمي" مرهقة، خاصة أن النتيجة غير مُثمرة، أتذكّر مقولة الأديب والمناضل الفلسطيني، غسان كنفاني: "أترى كيف يموت الأبطال دون أن يسمع بهم أحد؟"، نعم، هذا ما حدث... ولنبدأ مما فعله الرجل لأنه هو نفسه مجهول، كثيرون يعرفون اسمه الذي مرّ سريعاً على لسان بعض تلاميذه.

"أبونا عجمي" شامي الأصل، واستطاع أن يصنع حالة من البهجة والاحتواء في عصره، حتى باتت كنيسته مأوى لكل صاحب موهبة لا يقبله المجتمع أو يفهمه

لنبدأ في عام 1965، عندها كان الفنان الراحل عزت أبو عوف في بداية تعلمه للموسيقى، قبل أن يقرّر تأسيس فرقة، لكنه اتخذ طريقاً مختلفاً، ففي ظل سيادة الأغنية الشعبية في تلك الفترة مثل "عدوية" لمحمد رشدي و"توبة" لعبد الحليم حافظ، قرّر الفتى صاحب الشعر الطويل وقتها، اتخاذ طريق مغاير لذوق المصريين بعزف موسيقى أقرب لـ "البيتلز"، وهي فرقة روك بريطانية اجتاحت العالم في ستينيات القرن الماضي، وفي ظلّ إغلاق معظم الأبواب لم يجد أمامه سوى كنيسة في حي مصر الجديدة، سمع أن كاهنها المُسمّى "أبونا عجمي" عاشق للموسيقى، لدرجة إنه أقام مبنى ملحقاً بكنيسته للفرق الموسيقية، ويفتح أبوابها لتعلم الموسيقى وعزفها لكل مبدع. وبالفعل توجّه عزت أبو عوف إلى هناك، وقال في أحد لقاءاته إن "أبونا عجمي" هو من اشترى له "أورج كهربا" وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها مصر ولم يأخذ الرجل أموالاً بل دعماً للموهبة.

وداخل تلك الكنيسة مجهولة الاسم، التقى عزت أبو عوف بالمغني والموسيقي المصري وجدي فرانسيس، وفي داخل جدرانها تمّ الاتفاق على تأسيس فرقة "ليه بتي تشاه" وخرجت للنور لتحقق نجاحاً كبيراً في بعض الأوساط الارستقراطية في ذلك الوقت، مثل مصر الجديدة والإسكندرية، حيث تعدّد الثقافات ووجود جنسيات مختلفة.

كنيسة أبونا عجمي واحتضان الموسيقيّين

الأمر لم يقف عند هذا الحد، فداخل تلك الكنيسة، كما يوضّح عزت أبو عوف وإسعاد يونس التي استضافه برنامجها "صاحبة السعادة،" بأن على يد كاهنها "أبونا عجمي" تعلم وأبدع وعزف جيل موسيقي كامل، منهم عمر خورشيد، يحيى خليل، وعمر خيرت، صاحب الأنامل الذهبية وعنوان مصر في الموسيقى العربية، بل وداخل جدران تلك الكنيسة أيضاً تمّ عمل بروفات لألبوم "شبابيك" لمحمد منير، وهو أول ألبوم غنائي مصري يحمل في طياته موسيقى الجاز بقيادة فرقة يحيى خليل.

وفي تصريح صحفي لموقع مصراوي، قال نادر محمد المدير الفني لفرقة محمد منير، إن الاستعداد لألبوم "شبابيك" عام 1979، تمّ داخل أحدى الكنائس في مصر الجديدة على مدار عام حتى خرج الألبوم للنور.

تاريخ مجهول

هذا ما عرفته عن أبونا عجمي وما قدّمه، واعتقد أن هناك الكثير من جهود الرجل لم يتم كشفها، لكن ماذا عنه هو؟ عن شخصه وحياته، تاريخه وموعد رحيله، بل وعن كنيسته أصلاً... في البدء اعتقدت أن هناك تاريخاً للرجل وأنا أجهله، لكن مع التفتيش لم أعثر له سوى على بعض "منشورات" تقول إن أبونا عجمي شخصية حقيقية وإنه شامي الأصل، أي من بلاد الشام، واستطاع أن يصنع حالة من البهجة والاحتواء في عصره، حتى باتت كنيسته مأوى لكل صاحب موهبة أو لون جديد لا يقبله المجتمع أو يفهمه، ولولا ما قاله بعض النجوم لما تيقنت من تلك المعلومات، أما دون ذلك فلا حس ولا خبر، لا أحد يعرف اسمه الحقيقي كاملاً، سنّه، هل له أولاد أم لا، أين قريته، من مثله الأعلى لعلنا نستفيد ببطل جديد؟ بل أنني حاولت الوصول إلى أي شيء يخصّ الرجل وسألت بعض الشخصيات الكنسية فلم يعطوني جواباً واعتذروا لأنهم لا يعرفون، حاولت الاتصال بموسيقي من الموسيقيين الذين تتلمذوا داخل كنيسته فلم أنجح، وشبكة المعلومات العملاقة لم تعثر له على دليل.

داخل كنيسة "أبونا عجمي" تعلّم وأبدع وعزف جيل موسيقي كامل، منهم عمر خورشيد، يحيى خليل، وعمر خيرت... وداخل جدرانها أيضاً تمّ عمل بروفات لألبوم "شبابيك" لمحمد منير
استطاع "أبونا عجمي" أن يصنع جيلاً موسيقياً تتغنى به مصر... رجل دين في ظل ثقافة تُرسّخ أن رجال الدين هم مسؤولون عن الجنة والنار فقط. فإذا كنا نريد محاربة الإرهاب ونقول للناس إن الأديان لا تدعو للقتل بل إلى الحياة، لماذا لا نكتب تاريخ هذا الرجل؟

ما علاقة هذا بمحاربة الإرهاب؟

ما علاقة ذلك كله بمحاربة الإرهاب كما أوضحت في أول المقال، أضع نفسي مكان عزت أبو عوف، الناقم على الألوان الموسيقية التقليدية والذي لا يملك ثمن "أورج كهربائي"، فيجد أن هناك كاهناً يؤمن به وبأفكاره ويذلّل له الصعاب دون مقابل، عن شعور غيره من الموسيقيين الذين احتواهم هذا الرجل، ماذا لو لم يكن موجوداً؟ أليس هناك احتمال أن تزداد نقمة بعضهم حين يضيعون في الطريق ويصبح تحقيق أحلامهم في الجنة فقط ليسيروا في طريق الإرهاب، حتى لو لم يتحوّلوا لذلك، فعلى الأقل سيتأخّر ظهورهم سنوات وهي التي اختصرها وجود "أبونا عجمي".

في فيلم "صباحو كدب" (2007، ومن إخراج محمد النجّار)، يقول بطل الفيلم: "الإرهاب ظهر لما مسارح المدرسة اتقفلت". نعم، المتذوقون للفن والموهوبون بطبعهم يحبون الحياة، ويفضلون المواجهة بالكلمة والفن، تخيل شباباً موهوبين وجدوا من يحتويهم، بجهود شخصية فقط استطاع هذا الرجل أن يصنع جيلاً موسيقياً تتغنى به مصر الآن، أضف إلى ذلك أن هذا الرجل هو رجل دين في ظل ثقافة تُرسّخ أن رجال الدين من أي طائفة هم مسؤولون عن الجنة والنار فقط، والسؤال إذا كنا نريد فعلاً محاربة الإرهاب ونقول للناس إن الأديان لا تدعو للقتل بل إلى الحياة، لماذا لا نكتب تاريخ هذا الرجل؟ بل وغيره في كل الأديان والعصور. كم من "أبونا عجمي" نحتاج أن يصبح النموذج والطريق في زمن ضللنا فيه... أدعو الكنيسة المصرية للتفتيش عنه ومنحه حقه، وأدعو كل من عرف عنه شيئاً أن يكتبه، وكل من تتلمذ على يديه أن يردّ جميل الرجل، لا نريد للأبطال أن يموتوا دون أن يسمع بهم أحد!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard