الفنانة أنيسة أشقر من عكا إلى باريس... عبّاد شمس يبحث عن الضوء والحب

الخميس 18 يوليو 201903:14 م

الهوى، العشق، الغرام، العشرة، النجوى كلّها أسماء ودرجات للحب لدى العرب، وهي أيضاً موضوع بحث الفنانة الفلسطينية، أنيسة أشقر، التي جاءت لباريس لتعمل وتبحث عن هذه الدرجات في "بلاد غربية، في عاصمة الحب، في مدينة الأضواء...ولتسأل كيف يعيش الإنسان الحب؟ وهل تُعاش حالات الحب هنا؟" وفق ما كشفته لـرصيف22.

الفنانة المولودة في عكّا، والتي تعيش ما بين عكّا ويافا/ تل أبيب، رأت أن الجميع في هذه المدينة يبحث عن الحب، حتى أولئك الذين تذوّقوا كأسه، يبحثون عن المزيد منه: "شيءٌ جميل أن تبحث عن الحب وأن يُسمح لك بأن تحب بالطريقة التي تحب"، كما قالت أشقر.

درست أنيسة أشقر الفنون في كلية الجليل الغربي وفي الـ"الكمنيا" في بيت بيرل، وعلى مدار يومين عرضت في باريس مشروعها "ورود الحب" التي تحاول فيه البحث عن إجابات شافية عن الحب.

الجميع يبحث عن الحب، حتى أولئك الذين تذوّقوا كأسه، يبحثون عن المزيد منه

أجواء عابقة بالحب

بألوانها الذهبية المشعّة وأخرى ببقعٍ سوداء وحمراء، توزّعت اللوحات العابقة بأسماء ودرجات الحب في أرجاء المكان، فيما توسّطت "أنيسة" القاعة، لتبدأ الحديث عن والدتها، وكيف أنها تحثّ أولادها وتطلب منهم دائماً بأن يكونوا مرتبين وأن يقدّموا للناس أفضل ما لديهم من ضيافة، لتنتقل بعدها إلى الحديث عن الحب، وكيف يتحوّل التمر المحشوّ بالجوز إلى "تمر الحب" عندما يتمّ تقديمه بحب، وأن آكله سيحصل بدوره على الحب، ثم غطّست الورود المجفّفة التي أطلقت عليها اسم "ورود الحب" في حليب أبيض ناصع وبدأت في أكلها، حتى أصبح الحليب معكراً، فشربته، وهي تكمل حديثها عن عائلتها والحب، وعن بلدها، وعن حيّ البربور الذي تأتي منه.

وفي اليوم الثاني استبدلت "أشقر" التمور بالتين المجفّف، أو ما يسمى في فلسطين بـ"القطين"، الذي حشته أيضاً بالجوز وقدّمته لزوار العرض.

كانت "درجات الحب" موضوعة على الطاولة، فدعت الفنانة كلاً على حدة، لكي يختار درجة، ثم تخطها على وجهه بالقرب من العين، وتحدثت بلكنتها العكاوية عن جدها لأمها الذي منع والدتها من الدراسة حتى لا تتمكّن من كتابة رسالة غرامية عندما تكبر، وعن هذه الحادثة، تقول أشقر: "هم يعرفون أن الحب خطير لذلك تُمنع الفتيات من تعلّم الكتابة".

في باريس التي تقضي فيها زمالة فنية لمدّة ستة أشهر، استعادت "أشقر" ثقتها بنفسها بعد تخوّفات وهواجس يمرّ بها عادةً الفنان عندما يكون هناك من يعارض أفكاره الفنية، كما قالت، "حسستني أنني بالمكان الصحيح".

جاءت أشقر لباريس لتمزج ورود حبها التي استوحتها من "فان غوخ" ممزوجةً بالحب العربي وكلمات الشاعر "شارل بودلير"، فهي تبحث دائماً عن الشمس كما عبّاد الشمس الذي تعتمده في إحدى بورتريهاتها: "لأنه الأمل والضوء الذي يعطينا الطاقة والحب"، وفق ما أفصحت لـرصيف22.

هويتي العربية...همّي

أنيسة أشقر هي فنانة متعدّدة المجالات والاهتمامات الفنيّة؛ فهي رسامة، فنانة أدائيّة وفنانة فيديو ونماذج منحوتة، نسوية، فلسطينية، عربية ومسلمة، هكذا تُعرّف عن نفسها وأكثر: "أنا أشياءٌ كثيرة، ولكنني إنسانة وأعيش من أجل الإنسانيّة، جدتي لوالدتي كان اسمها أنيسة، وهي التي أطلقت عليّ هذا الاسم من بين 8 بنات، فحمّلتني مسؤوليته".

ولجت "أشقر" عالم الفن منذ أن كانت في التاسعة من عمرها عندما قرّرت تعلّم الخط العربي بعد أن وجدت أن كل من يعمل ويتعلّم هذا الخط هم من الرجال، فقرّرت أن تسبح ضدّ التيار: "اعتمدت على بناء الفنانة في داخلي من خلال دراسة تاريخ الفن والخط العربي وتخصّصت في الفن، كما اعتمدت على إحساسي لتمرير رسائل للآخرين".

وعن عدم اعتمادها على الفن التشكيلي فقط، بل والعروض الفنية التمثيلية وسرد القصص واستخدام اللمس والرائحة بالإضافة للبصر، قالت الفنانة العكية: "وجدت أن الرسم والتصوير ليسا كافيين لإيصال الاحساس والرسالة، فقرّرت استخدام جسدي عن طريق الكتابة على وجهي يومياً منذ عشرين عاماً"، وتضيف "أنيسة": "وجهي هو لوحتي الفنية، والعمل والرسم بجوار العينين هو أمرٌ مهم لما فيه من دلالة لغة العيون. أكتب ما أحسّه كلّ يوم، واحرص أن أكون صادقة مع نفسي وايجابية، وجاءت هذه الكتابة كردّة فعل لإظهار هويتي العربية، التي أضحت همّاً بالنسبة لي".

وعن سبب اعتبار هويتها العربيّة همّاً، تقول أشقر: "الهوية الفلسطينية العربية معقّدة، وهي همٌّ ثقيل، فأنا إنسانة خُلقت بأرضها، بحي البربور في عكا، أجوب العالم، أحقق النجاحات، ولكنني أعود لهذا الحي، للبيت الذي يرفض والدي أن نتركه فارغاً، فهذه تراكمات تاريخيّة لأشخاص مهدّدين في وجودهم دائماً وهم في أرضهم وفي بيتهم".

وتضيف: "حتّى إذا ابتعدنا تلاحقنا الكوابيس، صوت الطيارات يخيفنا، سيرة الحروب ترعبنا، فنحن نعرف ماذا يعني ذلك في الحقيقة".

تعتمد أنيسة أشقر خلال عروضها الفنية على القصص، شارحةً ذلك بالقول: "من المهم أن تتضمّن عروضي سرد القصص، لأننا ممنوعون من الكلام ومن التعبير عن مشاعرنا، فعندما أتحدث عن أمي، أتحدث عن جميع الأمهات، بمعنى آخر أتحدث باسم الجميع من منطلق شخصي ذاتي، ورغم أنني أصرّ على الحديث باللغة العربية خلال عروضي، قد يتوفّر مترجم في البلدان التي أعرض فيها وقد لا يتوفّر، لكن الجمهور دائماً ما يصله الإحساس، حتى أنه في بعض الأحيان يعود بعض الأشخاص لمشاهدة العرض مرة أخرى، فأنا قادرة على الاتصال بهم عبر النظر والإحساس واللمس، فعادة ما أطلب من الجمهور أن يبادلني إحساساً صادقاً، وفي أغلب الأحيان تنتهي العروض بنتائج هائلة".

الهوية الفلسطينية العربية معقّدة، وهي همٌّ ثقيل، حتّى إذا ابتعدنا تلاحقنا الكوابيس، صوت الطيارات يخيفنا، سيرة الحروب ترعبنا، فنحن نعرف ماذا يعني ذلك في الحقيقة

خطوط حمراء وانتصارات

من خلال أعمالها، أثارت أنيسة أشقر الجدل حول ما يعتبره البعض خطوطاً حمراء في الدين وفي المجتمع، حيث أقامت في نهاية العام 2017 وبداية العام 2018 معرضاً تحت عنوان "ذهب أسود"، في متحف الحضارات الإسلاميّة والمشرق الذي كان مسجداً قبل أن يتحوّل لمتحف، كما ظهرت في عملها الفني "بربور 24000" في العام 2004، وهي تقرأ تعليمات الوضوء وفقاً للشريعة الإسلامية وهي تطبّقها مستبدلةً الماء بالحليب، في تقاطعية لاهتمام المرأة الشرقية بجمالها وبشرتها.

أثارت الفنانة الفلسطينية، أنيسة أشقر، الجدل حول ما يعتبره البعض خطوطاً حمراء في الدين وفي المجتمع

تتحدّث أشقر عن هذه التجارب، وتقول لرصيف22: "هذه الأعمال لم تتجاوز الخطوط الحمراء، فأنا أراها خطوطاً خضراء، اللون الأحمر هو لون الحب والجمال واستخدمه في لوحاتي الفنية لأنه مثيرٌ للاهتمام، ومن حاربوني لم تكن غيرتهم على الدين، بل كان ذلك لأهدافٍ شخصية".

وبالنسبة إلى معرض "ذهب أسود"، تقول: "كان المعرض الطريقة الوحيدة لاسترجاع ملكية المكان، استطعت من خلاله أن أكون في المكان الذي أنتمي إليه، مع احترامي لحرمة البيت كامرأة عربية، عرضت هناك تاريخاً وقضية إنسانية ذاتية تمثل الكثيرين".

وتضيف أشقر: "كلنا فانون ولكن التاريخ يتذكّر والجدران تتذكّر، كما أن الهجوم لم يكن مفاجئاً، فالمبادر والمبدع دائماً ما يُحارَب ويتعرّض للهجوم لأن الناس لا يريدون أسئلة جديدة، ولكن وظيفتي أن أطرح أسئلة إنسانية وفنية في نفس الوقت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard