"الجدار الذي يفصلهم شفاف"... الغارديان تروّج لمدرسة "العيش المشترك" بين العرب والإسرائيليين

الأربعاء 17 يوليو 201905:07 م

من يكتب التاريخ؟ وكيف يُعلّم للأطفال؟ ومن أي زاوية؟

في 17 تموز/يوليو، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريراً تُظهر فيه "العيش المشترك" بين "اليهود والعرب"، قاصدةً الإسرائيليين والفلسطينيين داخل مدرسة "يداً بيد" في القدس، التي يعيش فيها 550 ألف إسرائيلي و332 ألف فلسطيني، مشيرة إلى أن النظام التعليمي هو الذي يسهم في تفرقة المجتمع في فلسطين.

ولفتت كاتبة التقرير ريبيكا راتكليف إلى أن "خلفية الطفل الدينية والعرقية تحدد المدرسة التي يلتحق بها، والأصدقاء الذين يرافقهم، والتاريخ الذي يسعى لتعلّمه".

بدأت الكاتبة تقريرها راويةً أنها جالسة مع طلبة الصف الأول، المجتمعين في حلقات حول كتب الرياضيات الملونة، وأن هذا الحال سيتغيّر في الساعة 9:45 حينما يسمع الطلبة أغنية مفادها أن وقت الفسحة حان، ثم تنطلق ثرثراتهم.

تقول راتكليف إن المشهد يبدو "اعتيادياً"، ولكن بحسب إحدى الطالبات، "لا تشبه مدرستهم (التي تعرّف نفسها بـ"مركز التربية العربي اليهودي في إسرائيل") أي مدرسة أخرى (في فلسطين)".

وأضافت أن "هذه المدرسة هي الوحيدة في القدس، قلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، التي يدرس فيها العربي واليهودي معاً، ويتعلمان العربية والعبرية"، موضحةً أن هناك معلمتين في كل صف، إحداهما تدرّس العربية، وأخرى العبرية، وأن الكتب توزع على الطلبة باللغتين. 

وذكرت أنه يتم تعليم التاريخ من بضع وجهات نظر، فيتلقى كل طالب شرحاً لـ"هويته"و "هوية زميله".

"نتعرّف على من قيل إنه سيؤذينا"

وفي محاولة للصحيفة البريطانية ترويج فكرة "العيش المشترك"، نقلت الكاتبة عن طالبة في الصف السابع اسمها قدس أيوب (12 عاماً) قولها: "نتعلّم هنا ما لا يمكننا تعلّمه في مكان آخر، وعن كل شيء في العالم… الثقافات، والناس، والأديان…".

أضافت أيوب، بحسب الغارديان: "نتعرّف هنا إلى الشخص الذي قيل لنا: 'سيؤذيك'"، كما أعربت عن سعادتها لتعلّمها اللغة العبرية، قائلةً إن عدم تعلّم اللغتين العربية والعبرية معاً يشبه عدم معرفة اللغة التي تتحدث بها شقيقتها، ولذلك لا تعرف كيف تتواصل معها.


أما صديقتها في الصف نفسه، ريفكا برونر (13 عاماً)، فتقول إن هناك "فاصلاً كبيراً بين العرب واليهود في القدس، ولكن الجدار الذي يفصل بين الطرفين شفافاً".

وقالت برونر للغارديان إنها "فخورة بتحدّثها العربية وبأنها صديقة مقربة من قدس أيوب، ولكنها كسبت أعداء في مجتمعها لالتحاقها بمدرسة متعددة الثقافات".

وتابعت: "يقصدني البعض في مرات كثيرة ليقولوا لي: لا يمكننا مرافقتك أو التحدث إليك لالتحاقك بهذه المدرسة"، مشيرةً إلى أن كثيراً ما يقال أمامها "الموت للعرب". 

"المدرسة هي الوحيدة في القدس التي يدرس فيها العربي واليهودي معاً، ويتعلمان العربية والعبرية"... "الغارديان" تروّج لمدرسة "يداً بيد" وتنقل تجارب طلابها في التعامل مع بعضهم ومع الخارج
"نتعلّم هنا ما لا يمكننا تعلّمه في مكان آخر، ونتعرّف على الشخص الذي قيل لنا: 'سيؤذيك'"... طالبة فلسطينية تحكي تجربتها في مدرسة تروّج لـ"العيش المشترك" في القدس ومدعومة من الصندوق اليهودي ومؤسسات دولية

ونقلت الغارديان عن برونر في محاولة أخرى لإظهار "التعايش"، الذي قد يكون موجوداً، ولكن بنسبة ضئيلة: "أرد على من يقول 'الموت للعرب'، بأنني لا أشعر بالراحة في الحديث معه إذا لم يغيّر طريقة تفكيره". 

أضافت برونر: "أقول لمن ينزعج من الصداقة التي تجمعني مع قدس: إن كنت تعتقد أنني مخطئة لمرافقتي صديقة جميلة أحبها جداً، فهذه خسارتك… إن لم تعرف وجهة نظر الآخر، فلن تستطيع أبداً وضع نفسك مكانه. فهذه حقاً خسارة لك، أتمنى أن تتغير يوماً ما". 

وفي العام 2014، أضرم يهود متطرفون النار في المدرسة، التي تستقبل الطلبة من الحضانة حتى الصف الثاني عشر، وكتبوا عبارة "الموت للعرب" على أحد جدرانها. ثم انطلقت تظاهرة خارج المدرسة منددة بالعنف.

ذكرى النكبة الفلسطينية الـ71

تقول نائب مدير المدرسة إنجي وتاد، إن "يداً بيد" تسمح للطلبة والأساتذة بفهم الاختلافات واستيعابها من خلال النقاشات التي تتضمن "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والاختلافات الثقافية، وكل جديد في الأخبار". 

وروت وتاد أن طلاباً يهوداً جاؤوا في ذكرى النكبة الفلسطينية الـ71 (15 أيار/مايو الماضي)، إلى المدرسة مرتدين قمصاناً بيضاء، وهذا ما اعتبره الفلسطينيون إهانة لهم، خاصة أن الكثير منهم كانوا يرتدون قمصاناً سوداء تعبيراً عن وطأة هذه الذكرى على قلوب الشعب الفلسطيني. 

وتابعت: "ناقشنا هذا الأمر في الصف، وتبيّن للفلسطينيين أن اليهود ارتدوا اللون الأبيض تضامناً معهم، لأنهم بهذه الطريقة يحيون المناسبات الخاصة بهم"، مشيرةً إلى أن هذه الحادثة طرحت سؤالاً مهماً هو: "كيف يظهر المرء احترامه لما يعتبر مهماً للأشخاص الآخرين؟  بطريقته أم بطريقتهم؟".

وفيما اعتبر البعض في محيطها أن المدرسة "تُضعف" هوية الأطفال، قالت وتاد إن ما يحصل هو العكس تماماً. 

في هذا السياق، نقلت الكاتبة عن الطفلة قدس أيوب قولها: "يحق للجميع أن يعطوا آراءهم، وإن كنا لا نتفق معهم"، مضيفةً أن الحياة لا تبدو كذلك خارج سور المدرسة، وأنها تتعرّض لمعاملة عنصرية.

وأضافت أيوب: "سمعتني مجموعة وأنا أتكلم العربية، وسرعان ما قالت لي: أسامة بن لادن… الله أكبر… تفجيرات"، مشددة على ضرورة معرفة كيفية العيش معاً. 

ولفتت أيوب إلى أن المدرسة تشجعهم على "التفكير النقدي" وعلى أن يتساءلوا دوماً عن مصدر المعلومة، والتركيز على عدم حيادية الإعلام، قائلةً: "عدم نقل الإعلام للحقيقة كاملة يُعد مشكلة بالفعل". 

ولمدرسة "يداً بيد" التي تكسب دعماً من الصندوق اليهودي ومؤسسات وشخصيات بريطانية وألمانية وأمريكية، ستة فروع، منها فرع في يافا وآخر في حيفا، وتنوي الإدارة افتتاح فروع في شتّى أنحاء فلسطين المحتلة.

وللمرة الأولى، تساوى عدد الطلبة الفلسطينيين بعدد الطلبة الإسرائيليين الذين يريدون الالتحاق في حضانة المدرسة، وهذا ما اعتبرته اليهودية مايا فرانكفورتر التي تخرّج ابنها في هذه المدرسة، "دليلاً على أن الناس ملّت السياسة". 

وقالت فرانكفورتر: "الوضع في القدس بإسرائيل أصبح عنيفاً وعنصرياً جداً، ولذلك يحاول الآباء، بعد رؤيتهم نتيجة الانفصال، البحث عن طريقة جديدة لتربية أطفالهم".

"هذه المدرسة مثال حي للقول إن السلام ممكن"... هذا ما خلص إليه التقرير، إذ نقلت الكاتبة عن قدس أيوب قولها: "سيأتي السلام ونحن نتبادل الأحاديث، ونعرف أكثر مما 'سمعناه' عنهم". 

وتؤيدها صديقتها ريفكا برونر قائلةً: "نعمل على هذا الموضوع الذي قد يتطلب الكثير من الوقت… أؤمن بأن طلبة هذه المدرسة هم المستقبل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard