تحديات الاندماج في برلين... وعن يومٍ واحد لم يمرّ دون أن أشتاق لدمشق

الخميس 18 يوليو 201911:33 ص

قبل ثلاث سنوات، أثناء زيارتي لأحد صفوف اللغة الألمانيّة طُلِبَ إليّ التحدّث عن الوطن. خطر لي حينها، لابد أنها مزحة! الآن! هل التوقيت مناسب للخوض في هذا الحديث؟ دعونا نتحدّث عن أيّ موضوعٍ آخر ولنترك الوطن جانباً. لماذا يتوجّب على لاجئة حديثة الافتراق عن الوطن مثلي، تزور صفاً لتعلّم فنّ الاندماج في مكان بعيد كلّ البعد عن الوطن، أن تستخدم كلّ المفردات الألمانيّة القليلة التي تعلّمتها، لتركب بها جسوراً تحملها من جديد إلى ذلك الوطن؟ لكن إن كان لابد، فليكن، سأصف بكل ما أوتيت من كلمات أجنبية حنيني واشتياقي للوطن. وسأتحدّث مراعيةً قواعد اللغة الجديدة عن كلّ ذكرياتي التي أفتقدها كلما نظرت من النافذة. وسأعترف مستخدمةً التصريف الصحيح لكلّ فعل، بأني الآن هنا في برلين: أشعر أني بلا وطن.

قد تدعو هذه البداية إلى توقّع نتائجٍ كارثية على صعيد الاندماج، إلا أنه ومع مرور الوقت بدأتُ بتلقّي عبارات المديح والثناء على مستوى الاندماج الجيد الذي تمكنت من تحقيقه خلال فترة قصيرة. لكن المفارقة كانت أنه كلّما زاد إعجاب الآخرين بإتقاني لفنّ الاندماج كلّما زاد شكّي في قدرتي عليه.

الآن هنا في برلين: أشعر أني بلا وطن

"يبدو أنك اندمجت بشكل جيد" لم أستطع يوماً أن أجد ردّاً مناسباً، حقاً؟ لست متأكدة إلا من مجموعة التنبيهات والتنويهات التي كانت تندفع في رأسي لدى سماعي لتلك الجملة، لتذكّرني إن كنت قد نسيت لوهلة بأني لا أنتمي إلى هنا، وافدة جديدة من مكان ما... بعيد ... يدعى الوطن.

لكن مرّة أخرى، لا داعي للقلق، فبالرغم من كلّ الاعتراضات والتساؤلات التي ملأت رأسي، ومع كلّ المشاعر المختلطة التي لم أدرّب نفسي قبلاً على التعامل مع آثارها الجانبية، بذلتُ كلّ جهدي وما زلت، من أجل تأسيس حياة مستقرّة ومستقلة في برلين.

لملمتُ أحزاني ودموعي، دفنتها داخلي في مكان عميق. واجهتُ نفسي بالتهديد الصريح، معلنةً بأن التراجع مرفوض، الانكسار ممنوع والاستسلام محظور. تحوّلتُ إلى رادار متنقل، وظّفتُ مهارة الانصات التي أتمتّع بها أفضل توظيف، وحرصتُ على حفظ كل مفردة ومعلومة جديدة، أشبعتُ عيني بصور العالم الجديد حتى باتت تألفها. درّبتُ حنجرتي وحبالي الصوتية على الاهتزاز بطريقة مختلفة، لتصدر حروفاً لم تكن قبلاً تنطقها. كيّفتُ حاسة الشم لدي، لتعتاد روائح البطاطا والنقانق المقلية، البرتزل والبيرة الألمانية. خلقتُ للشمس أعذاراً لتبرير غيابها الطويل، وبالرغم من العلاقة السيئة التي تربطني بالثلج، اعتدته ضيفاً ثقيلاً لابد من استضافته لبضعة أشهر من السنة، كما اعتدتُ الحجم الزائد الذي اكتسبته خزانتي بسببه. أتقنتُ فنّ انتظار رسائل البريد، أسّستُ علاقة متينة مع دفتر المواعيد، استبدلتُ أحذيتي بحذاء رياضيٍ جديد، ودرّبتُ قدميّ على الركض لضمان وصولي في التوقيت الدقيق.

اكتسبتُ وراكمتُ خبرات متنوعة جديدة، كتحليل وفهم القوانين واللوائح الرسمية، كيفية إبرام وفسخ العقود القانونيّة، تجميع وأرشفة الفواتير والمعاملات الورقيّة، فصل وترتيب المخلّفات حسب اللون والنوعية. لم أعد أمانع التعامل مع المحيط بحرص واختصار شديدين، راقبت نفسي جيداً تجنّباً لاقتحامها سهواً حدود المساحات الشخصيّة، وكبحت فضولي حرصاً على ألا يتخطى نطاق الأسئلة السطحيّة، حتى وإن فوجئ بسيل من الاستفسارات التفصيليّة. أجبرتُ نفسي أن تعتاد السكون في المساكن، حتى باتت تلحظ وقع خطوات قاطني البيت المجاور. استبدلتُ المفهوم القديم عن طبيعة العلاقة مع جيران الحي، بمفهوم جديد اختصرها إلى التحية. عبّرتُ عن كامل امتناني وما زلتُ، لكل دقيقة خُصِّصت لأجلي، لكل مبادرةٍ سهّلت لي طريقي، لكل إجابة وفّرت عليَّ عناء البحث، لكل تشجيعٍ رفع من معنوياتي، لكل دعوة صادقة جنّبتني ألم الوحدة، لكل مواساة خفّفت عني وجع البعد، لكل الأصدقاء الجدد لاهتمامهم وتفاعلهم، لهفتهم واندفاعهم للمساعدة. لم أكن لأصمد بدونهم.

اليوم وبعد أكثر من ثلاث سنوات، دعوني أعود مجدداً للحديث عن الوطن، لأعترف مرّة أخرى، لم تكن بدايات الفراق سهلة، كانت مليئة بالدموع والغصّات. لم ينقض يوم واحد دون أن أشتاق فيه دمشق... ومازلت.

كيّفتُ حاسة الشم لدي، لتعتاد روائح البطاطا، النقانق المقلية والبيرة الألمانية. خلقتُ للشمس أعذاراً لتبرير غيابها الطويل، وبالرغم من العلاقة السيئة التي تربطني بالثلج، اعتدته ضيفاً ثقيلاً لابد من استضافته لبضعة أشهر من السنة
لن أتمكّن يوماً من تجاوز أو تخطي لحظة رحيلي، لحظة عبوري لباب منزل كان يضم حينها أناساً، سيظلون دائماً وأبداً الأغلى على قلبي، دون أن أعرف متى وأين سنلتقي مجدداً؟ لم يمنع كلّ هذا برلين من أن تجد طريقها إلى قلبي

أشتاق بيتاً مليئاً بأصوات أحبّة اعتدتُ سماعها حتى قبل أن أولد، حتى سكنت روحي وأمست كشيفرة للأمان تُفتَحُ أمامها جميع الأبواب والأقفال. أشتاق صحبةً رافقوا أفراحي وانكساراتي، ضحكاتي ودموعي، نجاحاتي وإخفاقاتي، جنوني وكبواتي، حتى باتوا أقرب لي من نفسي، وأمست الكلمات هي الوسيلة الأقل جدوى للتواصل والتعبير. أشتاق حبّاً ليس بالأخير، لكن دمشق سكبتْ عليه من عطر ياسمينها الكثير، حتى أمسى مَحْوه من الذاكرة من شبه المستحيل. أشتاق تحيات أناس سكنوا بيوتاً اعتادت أبوابها أن تبقى مفتوحة لتتشارك أحلى وأقسى اللحظات حتى أمست وكأنها بيت واحد.

لكن على الرغم من ليالي البكاء الطويلة التي قد أحياها، والإحساس الغريب الذي ينتابني كلّما مررت بمحطة برلين الرئيسيّة، محطة وصولي الأولى. ويقيني شبه التام بأني قد لا أتمكّن يوماً من تجاوز أو تخطي لحظة رحيلي، لحظة عبوري لباب منزل كان يضم حينها أناساً، سيظلون دائماً وأبداً الأغلى على قلبي، دون أن أعرف متى وأين سنلتقي مجدداً؟ وهل حقاً سيتسنّى لنا أن نلتقي؟ لم يمنع كلّ هذا برلين من أن تجد طريقها إلى قلبي.

برلين هي محطتي الحالية، وسأحياها ككل المحطات التي سبقتها، بكلّ لهفة وشغف وتفاؤل، بمزيجٍ من عاداتي القديمة والجديدة، بكل تقدير للماضي، حب للحاضر، وأمل بالمستقبل. هل اندمجت جيداً أم لا؟ لا يهم... لم يكن يوماً مهماً.. فلم تكن الأحكام والتصنيفات يوماً تعنيني.

*المقال نُشر بالألمانيّة في صحيفة "neu in Deutschland"

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard