من يمتلك حقّ الحليب؟

الثلاثاء 30 يوليو 201912:11 م

تُشكّل لحظة "الفِطام" عن حلمة الأم، عتبة تكوين الحدود بين "الأنا" لدى الرضيع وبين "الأم"، فالإرضاع يتجاوز كونه عملية فموية و إشباعية تلبي حاجة الرضيع إلى الغذاء، هو ممارسة ثقافية له طقوس ومفردات، وأحياناً تقنيات تعيد تكون نظرة الأم لجسدها.

في ذات الوقت عملية الإرضاع ثم الفطام تساهم في تكوين صورة الطفل عن ذاته وعن مُرضعته إن كانت الأم نفسها، وهناك الكثير من المتلازمات المرتبطة بالموضوع، فالبعض يرى أن اكتئاب ما بعد الحمل مرتبط أحياناً بالإرضاع، وأحياناً رفض الرضيع للحلمة يؤدي إلى اضطرابات نفسيّة لدى الأم.

 تستغل الأنظمة الذكورية الخصائص "الطبيعية" التي يحملها جسد المرأة لتمارس أشكال الهيمنة السياسية والثقافية

يكوّن الإرضاع دورَ الأم الاجتماعي، كعملية تكون هي ضمنها حاملة الحياة والمحافظة على استمرارها عبر الإرضاع، هو عملية مستمرة في الزمن في ذات الوقت احتمال يحتويه جسد المرأة، ويمكن له أن يهدّد الأنشطة الأخرى التي تمارسها، كالعمل والترقّي الوظيفي، بحيث تستغل الأنظمة الذكورية الخصائص "الطبيعية" التي يحملها جسد المرأة لتمارس أشكال الهيمنة السياسية والثقافية، بصورةٍ حتى أبسط من سياسات الإرضاع، كالتعامل مع الخصائص الجمالية لجسد المرأة بغضِّ النظر عن مؤهلاتها.

تُرسَّخ وظيفة الأم المرضعة على أنها متفرغة كلياً لرضيعها، وتوضح المقاربات النسوية كيف وظفت احتمالات الإنجاب التي تمتلكها المرأة طبيعياً في جسدها كجزءٍ من خطاب الهيمنة في سوق العمل ، لتتحوّل "الأم" إلى مسؤولةٍ عن حياة الرضيع فقط، وتهديدٍ لزمن الإنتاج في حال تم توظيفها، لاحتمال "توقفها" عن العمل.

في ذات السياق استثمرت الصناعات الغذائية فترة "الأمومة"، لخلق إمبراطورية صناعية تبلغ قيمتها 71 مليار دولار، هذه الصناعة قائمة على الغذاء والحليب الاصطناعي والاستثمار في الحاجات الطبيعية لجسد الطفل، كالمكمّلات الغذائية والمناعية.

الحليب الطبيعي أو البشري ليس حكراً على الأم

الحليب الطبيعي أو البشري، ليس حكراً على الأم بعد الولادة، بل يمكن إنتاجه عبر العلاج الهرموني للجسد المؤنث، وخصوصاً لدى من تريد التبنّي، كذلك هناك أطفال يرفضون حليب الأم، ويعوّض عنه بالحليب الاصطناعي، الذي لا يوجد حسم حقيقي حول مضاره، أي أنه لا يسبب الموت أو سوء التغذية، لكن نعم هناك فوائد مناعية لجسد الأم والرضيع يحويها الحليب الطبيعي، خصوصاً في الأشهر الستة الأولى، حسب توصيات منظمة الصحة العالمية.

لكن هذه الفوائد يمكن تعويضها اصطناعياً في الدول المتقدمة ذات الأنظمة الطبية عالية الجودة، لتبدو أزمة الإرضاع صراعاً سياسياً لا حجة بيولوجية في الدول المتقدمة، خصوصاً أن الأمر نادر الحدوث في الدول العربية مثلاً، إذ لا توجد دعوات لعدم الإرضاع، كون حقوق المرأة بالأصل مازالت في مراحل أدنى من أن تناضل المرأة من أجل حرية إطعام رضيعها في بلدان ما زال الإجهاض فيها ممنوعاً.

لا يوجد ارتباط عضوي بين الحلمة وعضلة الفم، لكن هناك الكثير من التحليلات النفسية المرتبطة بالعلاقة بين "الأم" و"الرضيع" القائمة على الإرضاع كممارسة لتكوين الجهاز النفسي، وهنا تبرز أشكال الإرضاع ذات آثار ثقافية أكثر منها طبية.

 تحرير الأم من هذه المسؤولية، يمكن أن يخلق بدائل أخرى لهرمية العلاقات ضمن الأسرة والتكوين النفسي للأبوين في علاقتهما مع الطفل، فمفهوم "الطبيعي" هو تكوين ثقافي وسياسي، واستبدال التكنولوجيا والتقنيات المعاصرة لهذا الشكل، يطرح تساؤلات حول تكون الأسرة نفسها والعلاقة بين العمل/ الرجل والإطعام/ المرأة. إذ بدأت تُطرح المنتجات والأثداء الاصطناعية التي تمكّن الرجال من الإرضاع وممارسة ذات دور الأم.

بل أن بعض الدراسات ترى إمكانية تثدّي الرجال وإفراز الحليب ومشاركة الأم دورها في الإطعام، أو ببساطة القيام بذلك دون الحاجة لها، خصوصاً أن دور "الأم" يخضع للانتقاد الهائل في حال رفضت الإرضاع الطبيعي أو استغنت عنه، وقد يصل أحياناً حد الإهانة التي تترافق بالنظرة الدونية للأم المرضعة.

وبالحديث عن الدور الاجتماعي، فإجازة الأمومة مثلاً لن تعود حكراً على "الأنثى" بل يمكن للرجل أن يستفيد منها، وصحيح أن هناك دول كألمانيا والسويد وعدد من الولايات الأمريكية، تمنح إجازة أمومة لأحد الوالدين أو لكليهما. لكن العلاقة مع الحليب أكثر إشكالية لأنه مرتبط بالحياة ودور المرأة كأم.

ومن هنا يستخدم الحمل والإرضاع كتهديد للمرأة في الوظيفة، ليس فقط أثناء الحمل بل أيضاً بعده، والحجّة دوماً هي مسؤولية المرأة عن "الإطعام والتربية"، فإجازة الأمومة تستخدم على أسسٍ طبيعية ترى في المرأة غير منتجة أثناء فترة الحمل والإرضاع، وامتدادها للرجل يعني تغيراً في ديناميكية العمل ومفهوم زمن الإنتاج نفسه.

دور "الأم" يخضع للانتقاد الهائل في حال رفضت الإرضاع الطبيعي أو استغنت عنه، ولكن الإرضاع خيار وليس واجباً لابد من التضحية في سبيله

ما يعتبر "طبيعياً" اجتماعياً هو تركيب ثقافي، وهذا ينسحب على حليب الأم مقابل الحليب الاصطناعي،  ومن هنا نرى أنّه بدأت تُطرح المنتجات والأثداء الاصطناعية التي تمكّن الرجال أو أي شخص آخر غير الأمّ من الإرضاع وممارسة ذات دور الأم، كما أنّ هناك دراسات ترى إمكانية تثدّي الرجال وإفراز الحليب والمشاركة في الإطعام

سطوة الصناعات المرتبطة بأغذية الأطفال

لا يمكن أيضاً إنكار سطوة الصناعات المرتبطة بأغذية الأطفال، والتي تتدخّل فيها المؤسسة الطبية والعلمية والصناعات الغذائية، لكن أيضاً التمسك بالحليب الطبيعي بوصفه الشكل "الأمثل" يخضع للتساؤلات، فالتسليم بما هو "طبيعي" أشبه بالتسليم الديني بحقيقة ما، ، خصوصاً أن الحليب نفسه مرتبط بتاريخ من القدسية تتجاوز العلاقة بين الأم والطفل.


كما في لوحة "إرضاع القديس برنارد"، التي نرى فيها مريم العذراء تكشف عن صدرها وهي تحمل المسيح وتعصر الحليب في فم القديس، ليأتي التفسير بأنها باركته و منحته الحكمة من حليبها.

الإرضاع حقّ ولكنه خيارٌ أيضاً 

مع ذلك، لا ندّعي حرمان المرأة من حقها في الإرضاع، لكن توظيف هذه العملية ضمن سياسات تعادي حق المرأة، وجعلها بين خياري "المهنة أو الأمومة" يحول الإرضاع إلى أزمةٍ، تتجاوز شروط العمل نحو مفهوم الجسد نفسه وحقوقه، فالإرضاع خيار وليس واجب لابد من التضحية في سبيله.

المشكلة الأكبر التي تكمن في الحليب الصناعي المشابه لحليب الأم، أنه تحول من مساحةٍ للبحث الطبي إلى منتجٍ تطغى عليه سياسات التسويق أكثر من الفائدة الحقيقة، و هذا ما دفع منظمة الصحة الدولية للدعوة لوضع ضوابط على تسويق بدائل الحليب الطبيعي، خصوصاً أن استخدام صفات للحليب كـ" حليب للطفل الجائع"، أو "حليب طفل المتعب" وغيرها من التوصيفات اللاطبية تساهم في تقديم معلومات وهمية عن هذه الأغذية.

وحتى في حال وجدت المكونات على العلبة فهي غير كافية لتحديد مكوّنات الحليب ومدى فائدته، لأنها لا توضع بأكملها.

هذه التوصيفات التسويقية قائمة على أساس رغبات الأهل وحاجاتهم، لا على أساس الأبحاث الطبية، بل التلاعب بالأهل حول طبيعة هذا "الحليب"، وهنا يأتي دور الدولة لتقنين هذه العملية.

في أمريكا يسمح الترويح والإعلان عن هذه المنتجات بعد فرض قوانين على صناعتها عام 2014، في حين أن الإعلانات ممنوعة في البرازيل كي لا يؤثر ذلك على الإرضاع الطبيعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard