من يعوّض ملك الكاشف ومن سبقها عن أيام السجن زوراً؟

الثلاثاء 16 يوليو 201905:05 م

"يا حرية، ملك الكاشف على الأسفلت"... بهذه الكلمات تداول روّاد التواصل نبأ الإفراج عن الشابة العابرة جنسياً والناشطة والمدافعة عن الحريات وحقوق الأقليات الجنسية في مصر، ملك الكاشف (19 عاماً)، في مساء 16 تموز/يوليو، بأمر من النيابة المصرية.

وقضت الكاشف نحو أربعة أشهر خلف قضبان حبس انفرادي في سجن طرة للرجال بتهمتي "مساعدة منظمة إرهابية" و"إساءة استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية لارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون". 

واعتُقلت ضمن حملة اعتقالات واسعة شملت ما لا يقل عن 32 شخصاً، لاحتجاجهم على حوادث القطارات المتكررة في مصر ودعوتهم للتظاهر، أي "لتعبيرهم السلمي عن آرائهم، لا لتهم لا أساس لها"، بحسب منظمة العفو الدولية.

ولم تتمكن الشابة العابرة جنسياً من الحصول على اعتراف رسمي بهوية نوعها الجندري إذ لا تزال مسجلة كـ"ذكر" في الوثائق الرسمية، وهو ما أثار مخاوف من احتجازها في سجن الرجال. 

ولفتت "العفو الدولية" في وقت سابق إلى مخاوف متعلقة بسوء معاملة السلطات المصرية لأفراد مجتمع الميم، قائلةً "لدى السلطات سجل مروع من اضطهاد الأشخاص على أساس ميولهم الجنسية وهوية النوع الاجتماعي الخاصة بهم بما في ذلك تعرضهم لإجراء فحوص شرجية قسرية ترقى إلى مستوى التعذيب".

من يعوّض ملك؟

يقول خبير حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فادي القاضي، لرصيف22 "مرحب دوماً بإطلاق سراح أي سجين أو سجينة رأي، أو أولئك الذين سُجنوا ظُلماً في مصر لأي سبب كان"، مضيفاً: "لكن مسألة التهم المُعلبة مثل نشر الأخبار الكاذبة والانضمام لمجموعات إرهابية، ليست فقط مسألة شكلية تقصد بها السلطات الحاكمة في مصر 'الحفاظ على الأمن' أو 'التصدي للإرهاب' بل أدوات منهجية لاضطهاد، وإطالة أمد اضطهاد مُعارضيها ومنتقديها، وأولئك الذين يسعون للكشف عن الحقائق والتصدي للفساد، والمطالبة بالعدل والعدالة".

ونظراً لهذا، يقول القاضي إنه "لا يرمش جفنٌ للقائمين على النظام القضائي الحالي"، واصفاً إياه بـ"غير المستقل".  

تابع: "مسألة 'ضمير العدالة' في ما يتعلق بتعويض أو السعي لتعويض هؤلاء عما خسروه بسبب سجنهم زوراً وبُهتاناً، هي مسألة أصلاً غير واردة وليست في حسابات السلطات الحاكمة"، مؤكداً أن السجن "أداة وحشية تستخدمها سلطات مصر بلا رادع أو حساب، لقتل نمو المجتمع وحركته نحو التطور والازدهار والحرية".

ورداً على سؤال هل تعوض الحكومة المصرية الكاشف أشهر حبسها، قالت محاميتها هدى نصر الله لرصيف22 "التعويض عن الحبس الاحتياطي لا يزال نصاً دستورياً غير مفعل"، مضيفةً: "إذا لم يكن السجين متهماً في الوقت نفسه على ذمة قضية أخرى ويقضي ضده فيها بعقوبة سالبة للحرية، فلن يستفيد بمدة حبسه احتياطياً بعد ثبوت براءته، فهي الحالة الوحيدة التي يتم احتساب مدة حبسه الاحتياطي في قضية ثبتت براءته فيها".

لا تخاف الحلم

في السياق ذاته، قالت الناشطة الحقوقية ماهينور المصري عبر حسابها على فيسبوك: "مع خروج أي معتقل أو مظلوم الواحد بيبقى فرحان جداً... بس في ناس خروجهم يسبب فرحة أكبر... خبر إخلاء سبيل ملك الكاشف واحد من الأخبار دي".

بعد 4 أشهر في سجن للرجال، إخلاء سبيل العابرة جنسياً ملك الكاشف التي كانت قضيتها قد فتحت النقاش حول كوابيس العبور الجنسي في مصر... من يُنصفها الآن بينما "التعويض عن الحبس الاحتياطي لا يزال نصاً دستورياً غير مفعل"؟

"مسألة التهم المُعلبة ليست مسألة شكلية تقصد بها السلطات المصرية 'الحفاظ على الأمن' أو 'التصدي للإرهاب' بل أدوات منهجية لاضطهاد مُعارضيها ومنتقديها"... من يعوّض ملك الكاشف ومن سبقها؟

وأشارت إلى أن تخلية سبيلها يستحق الفرحة لأنها "تحمّلت" الكثير، بما في ذلك نظرة المجتمع الصعبة، مضيفةً أن هناك أبطالاً "يواجهون اضطهاد من الدولة والمجتمع معاً، ومع ذلك لا يخافون الحلم بمستقبل أفضل لهم ولمجتعهم". 

ظهرت ملك الكاشف على الساحة الإعلامية في 2017 حينما روت حكاية عبورها الجنسي بعدما تم تشخيص حالتها في تقرير رسمي من مستشفى الحسين الجامعي بـ"اضطراب الهوية الجنسية"، وكان أبرز ما جاء فيه: "من خلال توقيع الكشف الطبي عليه، تبيّن أنه أنثى نفسياً، كما تبيّن من خلال الاختبارات الدقيقة، أن ميوله أنثوية على مستوى التفكير والاتجاهات وتفوق الميول الذكورية في جميع جوانب الشخصية". وأضاف التشخيص: "هذا الشخص سليم عقلياً تماماً ولا يعاني من أي مرض نفسي أو عضوي، يمعنه من قبول ذاته، حيث تبيّن من الاختبارات الدقيقة، أنه لا توجد لديه أية مؤشرات تدهور في الوظائف المعرفية". 

وخلص التقرير إلى أنه "بعد متابعته النفسية لفترة كافية وبعد فشل العلاج النفسي، ونظراً لحالته النفسية والصحية، فإن خضوعه لعملية جراحية لتصحيح جنسه هو الحل الأفضل علمياً".

تهم لا أساس لها...

في ديسمبر 2018، قالت لجنة حماية الصحفيين في تقرير لها إن "الأنظمة المناهضة للصحافة تبرّر اعتقال الصحفيين بـ'الانتماء إلى جماعات تعتبرها السلطات منظّمات إرهابية'، أو 'تقديم المساعدة إلى هذه الجماعات'"، وهو ما تشهده مصر تماماً، ولكن ليس مع الصحفيين فقط.

ولفتت اللجنة في تقريرها إلى ارتفاع عدد الصحفيين السجناء بسبب اتهامات بـ "نشر أخبار كاذبة" إلى 28 حول العالم خلال عام 2018، سجنت مصر وحدها 19 منهم.

وقضى المدوّن والناشط المصري وائل عباس كذلك نحو 7 أشهر خلف القضبان لاتهامه بـ"الانضمام لجماعة أُسِست على خلاف أحكام القانون والدستور، والإخلال بالأمن والسلم الاجتماعي، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وبثّ مقاطع فيديو على فيسبوك كوسيلة من وسائل التحريض على قلب نظام الحكم المصري، وزعزعة الأمن الداخلي للبلاد"، وهي تهم عاد القضاء وبرأه منها. 

ووثّق الناشط المصري لحظة اقتحام قوّات الأمن منزله في منطقة التجمّع الخامس بالقاهرة، في مايو الماضي، قائلاً على فيسبوك: "أنا ببتقبض عليّا" (يتمّ القبض عليّ)، قبل أن يختفي حسابه بعدها مباشرة.

وقالت "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"، آنذاك إن قوات الشرطة التي داهمت منزل عباس لم تقدّم مذكرة أو شرحاً بأسباب اعتقاله، كما صادرت بعض ممتلكاته الشخصية، كحاسوبه المحمول وعدّة كتب.

وأُفرج عنه بتدابير أمنية احترازية مشروطة تقتضي توجهه إلى قسم الشرطة مرتين أسبوعياً لتسجيل حضوره،  وهذا ما يعني أيضاً أنه ممنوع من السفر خارج البلاد.

وكذلك، قضى كل من مساعد وزير الخارجية الأسبق معصوم مرزوق، والخبير الاقتصادي رائد سلامة، وثلاثة آخرين، نحو تسعة أشهر خلف القضبان بتهم "الانضمام إلى جماعة محظورة وتكدير السلم والأمن العام ونشر أخبار كاذبة"، وذلك لطرحهم مبادرة للاستفتاء على استمرار نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي.

ولفت مصدر أمني إلى أن قرار الإفراج عنهم في مايو الماضي جاء استجابة لمناشدات حقوقية بإخلاء سبيل المتهمين.

وأُفرج عن كل من ملك الكاشف، ووائل عباس، ومعصوم مرزوق، ورائد سلامة ورفاقهم بعد ضغط من منظمات حقوقية للإفراج عنهم، ولكن ماذا عن البقية التي لم تظهر اسماؤهم في الإعلام وبقيت مجرّد أرقاماً تتداولها الصحافة المصرية المحلية؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard