سجن نصف اليوم… ما هو "الخطر" الذي يشكّله المعارض السياسي المصري سوى الأمل في التغيير؟

الثلاثاء 16 يوليو 201904:01 م

"قال معتقل للمحقق: قلبي مليء بما ليس يعنيك. قلبي يفيض برائحة المريميّة،

قلبي بريء، مضيء، مليء،

لا وقت في القلب للامتحان."

- محمود درويش- 

خلقت المجتمعات الشموليّة نظاماً لخدمة مصالحها السياسيّة بالعقاب لإخراس معارضيها منذ الأزل. الاستعباد بالأحكام القضائيّة والعرفيّة وتشويه المعارض اجتماعياً طريقتها لوضع المعارضين داخل السجون لخلق "عبد سجين"، ولإضعاف قدرة الفرد على مقاومة سياساتها التي تفرضها من أجل الهيمنة على جموع الشعب. اختيار مريح يوفّر عليها صخب المعارض الذي ينادي بحريته وحرية من حوله من قيود السلطة التي تكبل حقوق الجميع، في الاعتراض على ممارساتٍ تنتهك إنسانيتهم تحت وطأة سياسات غير مقبولة. درجة النضج التي يصل لها الفرد المعارض بالتخلّي عن الخوف من عقاب السلطة الحاكمة في مقابل الحرية، تخلق منه عدواً واضحاً وصريحاً لهذه السلطة، فهو خطر يهدّد استمرارها واستقرارها، لذلك عليها أن تسحب منه حقّه في الحياة حتى تكمم فمه وتخرسه إلى الأبد، بإرهابه وتدمير حياته على كلّ المستويات النفسيّة والاجتماعيّة.

من هو السجين السياسي؟

من السهل أن نتخيّل جميعاً أن حقوق السجناء السياسيين لا علاقة لنا جميعاً بها! هذا ما تعزّزه الأنظمة بخلق فجوةٍ بين السجين السياسي وبين الناس، خطأ نقع فيه يؤسّس أفكاراً فاشية جماعية، فرَبْط السجين السياسي بعالم الجريمة هو وصمة نشارك فيها جميعاً، ذلك أن وجود شخص في السجن لا يعني أنه مذنب بارتكاب جريمة، والانتصارات التي يحققها البشر على صعيد حقوقهم الشخصيّة والاجتماعيّة والسياسيّة هي عامل أساسي لتطور الحياة الاجتماعيّة، لذلك عزل المعارض السياسي أساس لتحقيق الأنظمة الشمولية لأهدافها. وحسب ما ناقشته منظمة العفو الدولية في شأن السجناء السياسيين تمّ تعريفهم على أنهم أولئك الذين لم يستخدموا العنف ولكنهم مسجونون بسبب ما هم عليه من ميول جنسيّة أو أصول عرقيّة أو وضع اقتصادي، أو بسبب ما يعتقدون به من وجهات نظر سياسيّة أو دينيّة أو غيرها من المعتقدات النابعة من الضمير.

هذه السياسات القمعيّة تخصّ الشعب الذي يعيش مقهوراً وشبه راضٍ خوفاً من العقاب أو التغيير الذي تهدّده الأنظمة من حدوثه

وهنا نقف أمام سياسات الأنظمة القمعيّة في حجب حق التعبير عن أفراد المجتمع الذين لديهم وجهات نظر مغايرة، فنحن هنا بصدد محاسبة أي معارض من خلال قوانين تتحكّم في حقوق مشروعة، كالتظاهر السلمي أو التعبير من خلال الصورة أو الصوت أو الكتابة والنشر، وهذه السياسات القمعيّة تخصّ جموع الشعب الذي يعيش مقهوراً وشبه راضٍ خوفاً من العقاب أو التغيير الذي تهدّده الأنظمة من حدوثه. إذن ما هو الخطر الذي يشكّله المعارض السياسي سوى الأمل في التغيير؟

مشهد عبثي

بعد خمس سنوات قضاها الناشط السياسي المصري، علاء عبد الفتاح، وراء قضبان سجن طرة، خرج في 2019، ليجد نفسه أسيراً لخمس سنوات أخرى من المراقبة، يقضي يومياً الآن 12 ساعة محبوساً داخل كشك صغير بقسم الدقي – القاهرة، من السادسة مساءً وحتى السادسة صباحاً، حياته متوقفة تماماً، لا يعيش النهار ولا يرى الليل، هذا الإيقاع السريع الذي عليك كسجين لنصف اليوم أن تمارس فيه دورك كأب أو حبيب أو صديق أو عامل في ساعات النهار محدودة جداً، لا تتسع لممارسة أي مشاعر إنسانيّة، أو إنجاز عملك كفرد من أفراد المجتمع، وما السبب؟ مشاركته في مظاهرة سلمية وتعبيره عن آرائه المعارضة للنظام الحالي.

يأتي قانون المراقبة كعقاب تكميلي للحبس، بمراقبة السجين بشكل غير آدمي للقضاء على حياته اليوميّة، وحجب فرص ممارسة حياته بشكل طبيعي، فهل من الإنساني أن يُسجن شخص عقاباً للتعبير عن رأيه بأقصى عقوبة ممكنة، ثم منعه من ممارسة حياته بشكل طبيعي، بالسجن لنصف اليوم داخل قسم الشرطة؟ ثم ماذا ينتظر المجتمع من إنسان يعاقب لعشر سنوات بتدمير حياته بسبب التعبير عن رأيه بشكل سلمي وعدم موافقة ضميره على الظلم؟

يأتي قانون المراقبة كعقاب تكميلي للحبس، بمراقبة السجين بشكل غير آدمي للقضاء على حياته اليوميّة، وحجب فرص ممارسة حياته بشكل طبيعي

تحت هذا العقاب التعسّفي، يعيش الآن العديد من سجناء الرأي حياةً شبه مستحيلة في قبضة الدولة المصريّة، فالثمن الذي يدفعه السجين السياسي الآن لم يعد فقط التشويه الاجتماعي والحبس، بل تدمير أيّ فرص جديدة للحياة

قوانين ضدّ الحياة

تأتي المعايير الدولية لحقوق الإنسان بأفكار تُعتبر عكس ما يطبقه القانون المصري الحالي على السجناء السياسيين، فعقاب تحديد محلّ الإقامة الذي يقضي فيه المراقب ليلاً من أشد القيود التي تُفرض على الأفراد، شهد هذا العقاب تطورات عديدة، بدءاً من أن المراقبة عبارة عن تحديد محل الإقامة من شروق الشمس إلى مغربها داخل مسكنه، إلى تحديد ساعات محدّدة وطويلة داخل أقسام الشرطة.

وقد كان هناك قرار قديم لمحكمة النقض حول عدم إلزام المراقب بالإقامة في أقسام الشرطة أثناء المراقبة لأنها لا تصلح بطبيعتها للسكن، وفي يناير عام 1941، صدر الأمر العسكري الذي أعطى السلطة لوزير الداخليّة بأن يُصدر أمراً لوضع الأشخاص الذي يرى فيهم خطراً على الأمن العام تحت مراقبة الشرطة، للمدّة التي يحدّدها وزير الداخليّة، تلك القرارات كانت مؤقتة ومرتبطة بحالة الطوارئ، عندها وفي أكتوبر 1945، انتهت حالة الطوارئ والأحكام العرفيّة، وكان من المفترض أن تنتهي معها قواعد قانون المراقبة وصلاحيات تحكّم وزير الداخلية بقراراته الفرديّة فيها، لكن الدولة أعلنت نيّتها استمرار هذا الوضع، ونشرت في جريدة الوقائع المصريّة مرسوماً بقانون رقم 98 لسنة 1945 بشأن استمرار القرار العسكري فيما يخصّ المراقبة حتى يومنا هذا. واستمرّت القيود المفروضة على الفرد المراقب دون أي تعديل أو مراجعة هذا القانون غير الآدمي، الذي في الأصل لم يكن قانوناً بل مرسوماً للطوارئ، في فرض وزير الداخليّة لرأيه الشخصي على السجين، وتعيين محلّ إقامته واعتبار أقسام الشرطة محلّ سكن مناسب لهذه العقوبة.

هل علينا أن ندفع ثمن التعبير عن آرائنا بالعزل والقضاء على يومياتنا البسيطة التي نرجوها من الحياة؟

تحت هذا العقاب التعسّفي، يعيش الآن العديد من سجناء الرأي حياةً شبه مستحيلة في قبضة الدولة المصريّة، فالثمن الذي يدفعه السجين السياسي الآن لم يعد فقط التشويه الاجتماعي والحبس، بل تدمير أيّ فرص جديدة للحياة، بعد تنفيذ عقوبة الحبس والعزل في السجون بعقوبة أخرى عفا عليها الزمن منذ أكثر من سبعين عاماً، وبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، لجميع المتهمين الحقّ في محاكمة عادلة، فأي محاكمة عادلة وأي ضمير يقبل أن يُعاقَب المعارضون بمثل تلك العقوبات المضادّة للحياة، والسبب فقط هو معارضتهم للقمع والظلم السائد. ومن منا الآن كبشر يعيش على أرض هذا الوطن بعيد عن هذه العقوبات وبعيد عن قبضة الظلم؟ هل علينا أن ندفع ثمن التعبير عن آرائنا بالعزل والقضاء على يومياتنا البسيطة التي نرجوها من الحياة؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard