ثلاثة من رفاق درب أردوغان "كسروا خاطره"... فهل يخططون مع خصومه لإزاحته؟

الثلاثاء 16 يوليو 201912:48 م

"كسروا خاطري"... بهذه العبارة علّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على انشقاق "رفاق دربه" أو "إخوته"، كما كان يُطلق عليهم. و"رفاق الدرب" هم الرئيس السابق عبد الله غول ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد السابق والخارجية الأسبق علي باباجان، الذين انشقوا عن حزب "العدالة والتنمية" بعدما أسسوه معاً.

وحسب محللين أتراك، كان أكثر ما "كسر خاطر" أردوغان هو تخطيط هؤلاء لإنهاء حياته السياسية بالعمل على تأسيس تحالف مع خصومه في البرلمان، هدفه تشكيل أغلبية تدفع نحو انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة وتُطيح بالرئيس الحالي.

وبينما يراهن أردوغان وأنصاره على أن أي تحالف أو حزب جديد مصيره الفشل، تُلاحق الشكوك هذا الرهان، منذ فوز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول، المدينة التي قال الرئيس التركي مراراً إن "من حكمها حكم تركيا".

من هنا، يمكن القول إن حكم أردوغان قد يستمر في حالتين: الأولى، فشل مساعي رفاق دربه في تشكيل أغلبية برلمانية، ما يجنبه مخاطرة خوض انتخابات مبكرة، والثانية فشل إمام أوغلو في منصبه كرئيس لبلدية اسطنبول لأن نجاحه سيمهد له الطريق في أي انتخابات مبكرة كما حدث مع أردوغان نفسه عام 2002.

لماذا انشق الرفاق؟

يرى المحلل السياسي التركي الدكتور خيري أوغلو أن حزب "العدالة والتنمية" يتعرض لتآكل كبير في شعبيته وأن "هروب" عدد من قياداته المؤسِّسة لأسباب عديدة، منها: عدم الاتفاق داخل الحزب على النظام الرئاسي الذي أسسه أردوغان وجعل السلطة بيده، ضياع المبادىء التي تأسس عليها الحزب ورفض السياسات الاقتصادية الحالية التي يديرها وزير الخزانة والمالية براءت ألبيرق، وهو صهر أردوغان.

ويضيف خيري لرصيف22، أن أردوغان بات كهلاً وحزبه يعاني الشيخوخة الشديدة، على عكس الناخبين الذين بمعظمهم من الشباب ويشتكون من البطالة وتراجع الأوضاع الاقتصادية.

في السياق نفسه، يؤكد الباحث المتخصص في الشأن التركي في "مركز الأهرام للدراسات" كرم سعيد أن "العدالة والتنمية" تحوّل إلى بيئة طاردة للأعضاء بسبب الانقسام بين تيارين، القيادة التأسيسية من جهة وتيار الأقارب والمُوالين لأردوغان من جهة أخرى.

ويشرح سعيد: "التيار الأول وهو من الآباء المؤسسين بات مهمشاً داخل الحزب في ظل تدهور واضح للسياسات الاقتصادية وزيادة القبضة الأردوغانية على مقاليد الدولة وتصاعد نفوذ الأقارب، ومن هنا وُلدت فكرة حزب جديد يستقطب الناخبين الغاضبين".

مشكلة أخرى تُضاف إلى ما سبق ينقلها مصدر صحافي مقرب من حزب "العدالة والتنمية" تتمثل بوجود مجموعة محسوبة على الحزب تتسبب له بضرر كبير، داعياً الحزب إلى وضع مسافة بينه وبين بعض الأطراف التي تتحدث باسمه وباتت أكثر ضرراً عليه من خصومه. 


ويلفت المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته، في حديثه لرصيف22، إلى أن بعض المراقبين يسمون هؤلاء بمجموعة "البجع". وتتكون "البجع" من شخصيات لا يجمعها خط "أيديولوجي" واحد، فمنها الليبرالي والإسلامي واليساري، وقد اجتمعت بهدف تنظيم حملات إعلامية ودعائية لخدمة أردوغان ولتشويه خصومه السياسيين، بقيادة زوج ابنته الذي بات يوصف برئيس وزراء الظل والوريث.

المنشقون عن الحزب… من هم؟

تٌقدّر وسائل الإعلام المختلفة أن هناك 80 عضواً في "العدالة والتنمية" يعتزمون الانشقاق من أجل تكوين أحزاب جديدة.

أحدث المنشقين كان باباجان، وإليه يُعزى الفضل في الإشراف على فترة النمو الاقتصادي القوي التي شهدتها تركيا منذ أوائل العقد الأول من القرن العشرين حتى بدايات عام 2010.

وشغل باباجان كذلك منصب نائب رئيس الوزراء وكبير المفاوضين في محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ويُعرف بأنه شخصية ليبرالية مهتمة بإحياء الروح الإصلاحية للأيام الأولى لحزب "العدالة والتنمية"، وكان يلتزم بتوجيهات صندوق النقد الدولي وينادي بتعزيز حقوق المرأة والتواصل مع الأرمن والأكراد.

باباجان، الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، أكد في استقالته على مبادئ "حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية المتقدمة وسيادة القانون"، مشيراً الى أنها تبخرت في السنوات الأخيرة.

من جانبه، قال أردوغان إن الوزير السابق طلب لقاءه من أجل إبلاغه بقرار الاستقالة "بسبب فقدانه روح الانتماء وتراجع الأوضاع الاقتصادية"، فردّ عليه "هذا قرارك ولا بأس به، لكن لا تنسَ أنه ليس من حقك تقسيم الأمة"، أي تشتيت أنصار الحزب.

ورفض العضو المستقيل عرض أردوغان عليه البقاء في الحزب مقابل منحه منصب مستشار الرئيس.

علي باباجان، أحمد داود أوغلو وعبد الله غول... وصفهم أردوغان بـ"رفاق الدرب" الذين "كسروا خاطره"، بعد انشقاقهم عن الحزب والسعي لتأسيس تحالف مع خصومه في البرلمان، فما الذي يجري داخل صفوف "العدالة والتنمية"؟

"العدالة والتنمية" تحوّل إلى بيئة طاردة للأعضاء بسبب الانقسام بين تيارين، القيادة التأسيسية من جهة وتيار الأقارب والمُوالين لأردوغان من جهة أخرى وعلى رأسهم صهره...

الشخصية الثانية في قائمة أبرز المنشقين، أحمد داود أوغلو، بدأ في الأشهر القليلة الماضية توجيه حملة انتقادات لاذعة لأردوغان وسياسات الحزب الحاكم.

وكان داود أوغلو قد ترأس وزارة الخارجية التركية بين عامي 2009 و2014، في الفترة التي كان الغرب في بداياتها مفتوناً فيها بتركيا ويعتبرها "نموذجاً" للمنطقة المحيطة بها.

وشغل داود أوغلو كذلك منصب رئيس للوزراء بين عامي 2014 و2016، عقب تولي أردوغان رئاسة تركيا، وعُرف عنه أنه مهندس السياسة التركية في سوريا وصاحب سياسة "صفر مشاكل" مع الجيران والعالم، كما أنه أشرف على الحملة التي أطلقتها الحكومة ضد تنظيم الداعية فتح الله غولن عقب الكشف عن تورط عدد من الوزراء المقربين من أردوغان في عمليات فساد كبيرة.

وكان لداود أوغلو الفضل في عقد أنقرة صفقة مع الاتحاد الأوروبي، حصل بموجبها، على مليارات الدولارات للإبقاء على اللاجئين السوريين في تركيا، إلا أن نجاحه دفع الرئيس التركي إلى الشعور بالخوف من زيادة علاقات رئيس الوزراء السابق الخارجية ما عجّل بإطاحته.

شخصية ثالثة ظهرت في المشهد الانشقاقي عن "العدالة والتنمية" هي الرئيس السابق عبد الله غول، أول رئيس وزراء وأول رئيس جمهورية من الحزب، والذي يوصف برفيق درب أردوغان في كفاحه السياسي وشريكه في تأسيس الحزب.

وكان أردوغان وغول قد انشقا معاً عن "حزب الرفاه" الذي كان يقوده نجم الدين أربكان وأسسا حزب "العدالة والتنمية" عام 2001.

وعقب فوز الحزب في الانتخابات البرلمانية عام 2002 لم يتمكن أردوغان من تولي منصب رئيس الوزراء بسبب صدور قرار من المحكمة الدستورية يمنعه من ممارسة العمل السياسي على خلفية قوله شعراً معادياً للعلمانية، فتولى غول رئاسة الحكومة، ومع نجاحه في إجراء تعديلات تشريعية، مُنح المنصب لأردوغان وعُيّن هو وزيراً للخارجية. 

عام 2014 ظهر الانقسام في الموقف بين الطرفين، حين رفض أردوغان، وكان رئيساً للوزراء آنذاك، الاعتراف بانتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً لمصر، بينما أرسل غول الذي كان يشغل منصب رئيس الجمهورية تهنئة إليه.

بعد مغادرته منصب رئيس الجمهورية، تراجع ظهور غول حتى حدثت محاولة الانقلاب العسكري على أردوغان، فخرج الرئيس السابق مع أعضاء آخرين في "العدالة والتنمية" للتنديد بتدخل الجيش ضد الحكومة المدنية.

وعقب فشل محاولة الانقلاب، أصدر أردوغان قانوناً يمنح الحصانة لمن واجهوا المحاولة الانقلابية، لكن غول عبّر للمرة الأولى عن رفضه هذا التشريع، ما دفع أردوغان للهجوم عليه، وكان ذلك أول صدام علني بين الجانبين.

هل يتمكن المنشقون من تأسيس حزب جديد؟

يؤكد الدكتور خيري أوغلو أن باباجان يتشاور مع العديد من الأعضاء داخل البرلمان من أجل تشكيل حزب جديد، مضيفاً أن داود أوغلو كان قد سبق باباجان في إجراء المشاورات ذاتها، لكن يبدو أنه فشل في إقناع غول في الانضمام له.

في المقابل، يدعم غول باباجان لتشكيل حزب جديد لأنه مقبول في الداخل وغير متورط في قضايا فساد ويمتلك قنوات اتصال مع المعارضة والأقلية الكردية، على عكس داود أوغلو الذي شارك أردوغان في القمع بعد عام 2013 ولعب دوراً في رسم السياسة التركية في سوريا.

وكشف أوغلو أن الحكومات والمؤسسات المالية الغربية تدعم باباجان ومنفتحة على العمل معه على عكس صهر أردوغان الذي لا يتمتع بثقة الكيانات المالية الغربية.

يؤكد مصدر مقرب من "العدالة والتنمية" أن باباجان لا يمتلك كاريزما مثل أردوغان والشعب لا يعرفه كثيراً، لذلك فرصته ضئيلة في أن يكون منافساً قوياً، لكنه سيتسبب بضرر للحزب الحاكم لمصلحة المعارضة.

في المقابل، لفت أوغلو إلى أن مشكلة باباجان قد تتمثل في قفزه متأخراً من سفينة أردوغان، وهذا ما فتح المجال لظهور إمام أوغلو في حزب "الشعب الجمهوري" والذي شغل مساحة كان بإمكان وزير الاقتصاد السابق أن يشغلها، كما أنه يتحمل مسؤولية مشتركة في تدهور الوضع الاقتصادي لأنه كان وزيراً في الحكومة حتى عام 2015.

وفي ما يخص حزب "الشعب الجمهوري"، لفت أوغلو إلى أن الأخير يبدو حالياً وكأنه يرغب باستمرار النظام الرئاسي بعدما كان ينتقده بشدة، لأنه يطمع الآن، في ظل تدهور شعبية أردوغان وتدهور الاقتصاد، في الوصول إلى الحكم عبر إمام أوغلو، ولذلك تريد قيادته بقاء النظام كما هو لأنها ترى أن الحزب هو من سيجني ثمار بقائه.

في هذا السياق، كشف الكاتب والصحافي التركي البارز روسن ككير عن أن باباجان يسعى حالياً للحصول على توافق مع حزب "الشعب الجمهوري" العلماني، المعارض الرئيسي، وحزب "الشعب الديمقراطي الكردي" لتشكيل تحالف مشترك بدلاً من السعي لتحقيق النصر بمفرده.

من جانبه، حذر الأستاذ المشارك في العلوم السياسية في جامعة مرمرة في إسطنبول بهلول أوزكان من أنه من السابق لأوانه وضع توقعات حول باباجان، وقال: "في الوقت الحالي كل ما نعرفه هو أنه استقال، لكن إذا أسس حزباً، يمكنه أن يستحوذ على مساحة في يمين الوسط ، وكانت استراتيجية أردوغان الأساسية هي منع تشكيل أي حزب في يمين الوسط".

في المقابل، يؤكد مصدر مقرب من حزب "العدالة والتنمية" أن باباجان لا يمتلك كاريزما مثل أردوغان والشعب لا يعرفه كثيراً، لذلك فرصته ضئيلة في أن يكون منافساً قوياً له، لكن سيتسبب بضرر للحزب الحاكم لمصلحة المعارضة.

مع ذلك، وبينما يؤكد كرم سعيد أن باباجان استقر على حزب جديد اسمه "آمان" ويعمل حالياً على حشد أعضاء جدد له من داخل الحزب الحاكم، لفت إلى أن هناك تهويلاً في خطورة هذا الحزب على أردوغان على المدى القريب، فـ"الأخير لا تزال لديه شعبية على الرغم من أنها تآكلت كثيراً وفقدت عدداً كبيراً من قواعدها".

يُشار إلى أن أردوغان أكد أنه سأل باباجان إذا كان ينوي تأسيس حزب جديد، فأجاب الأخير أن هذه الفكرة ليست مطروحة الآن، "لكن هناك حراكاً نقوم به ونستشير بعض الأصدقاء"، في حين أضاف لدى الحديث عن حراك داود أوغلو وغول: "هناك الكثيرون ممن استقالوا من حزب العدالة والتنمية ونظموا حراكاً سياسياً جديداً، وكان مصيرهم الفشل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard