أعمل أو لا أعمل، تلك هي القضية... من المسؤول عن البطالة في المغرب؟

الخميس 18 يوليو 201904:23 م

يعاني الشباب المغربي من البطالة، ويطالب العديد منهم الدولة بتوفير وظائف حكومية، أو على الأقل، بفرص عمل أكثر تلبية لطموحاتهم واختصاصاتهم الجامعية، ومن ناحية أخرى تتنصّل الدولة من تلك المطالب، ويروّج الإعلام المغربي بأن زمن الوظائف قد ولّى، وعلى الشباب أن يقتحموا المجال الخاص ويقدموا مبادراتهم.

ويظلّ التساؤل: هل مسؤولية بطالة الكثير من الشباب تقع على عاتقهم، لافتقارهم لفهم روح العصر الذي يعتمد على المبادرات والقطاع الخاص، أم على الحكومة التي عجزت عن توفير فرص عمل لائقة؟

اختار عادل أشماني الهواري (26 عاماً)،  حاصل على بكالوريا علوم فيزيائية، من الحسيمة شمال المغرب، الهجرة والاستقرار في تركيا للبحث عن فرص ونمط حياة أفضل، يحكي عن الأوضاع التي دفعته إلى ذلك لرصيف22: "هروباً من الظروف الاجتماعية التي تعانيها منطقة الريف، كانعدام فرص عمل وغياب أبسط ظروف المعيشة الكريمة، وانعدام فرص العمل، كان لابد من رؤية واضحة للمستقبل، والانعطاق من العطالة، ومن الإحباط الذي نعاني منه كجيل شاب في المغرب".

"ابتكروا ولا تقفوا"

الهواري مثل كثيرين في المغرب طمح أن يربط مستقبله بوظيفة مستقرة، سواء في القطاع العام أو الخاص، إلا أنهم في آخر المطاف عجزوا عن العثور على تلك الوظيفة لينضموا إلى صفوف العاطلين الذين يُقدّر عددهم، حسب آخر إحصاء صادر عن المندوبية السامية للتخطيط ما بين عامي 2016 و2017، بأكثر من مليون ونصف المليون شابة وشاب، أي أن واحداً من بين أربعة شباب، تتراوح أعمارهم بين 15و 26 عاماً، لا يعمل ولا يقوم بأي نشاط معين، و تعتبر هذه الفئة هي الأكثر تضرّراً من البطالة بمعدل 23.5%.

لم يشفع للهواري اجتهاده في التحصيل الدراسي بسوق العمل، حصل على دبلومات في البرمجة والمعلومات، وكذلك في التصميم الجرافيكي، يحكي الهواري: "على مدى السنة ونصف التي قضيتها في الغربة، أطلقت قناة على موقع اليوتيوب باسم "عادل في تركيا"، شاركت فيها تجربتي الشخصية في تركيا، وقدّمت فيها النصائح للمقبلين على الهجرة والاستقرار، وأيضاً للمقبلين عليها من أجل السياحة والترفيه. والحمد لله قناتي التي يتابعها 21 ألف مشترك، فتحت لي آفاقاً جيدة في الحياة، وحققت لي بعض الطموحات الشخصية التي يحلم بها أي شاب مغربي عاش نفس تجربتي مع البطالة، وأطمح من خلالها إلى تطوير حياتي من حسن إلى أحسن..".

يقول عادل عن تجربته كصانع محتوى على "يوتيوب" : "هدفي في القناة، التي غالبية متتبعيها من الشباب ليس من المغرب فحسب، وإنما من الجزائر وتونس، هو تقديم نموذج لشاب لم يتوفّق في إيجاد عمل في مجال دراسته، ووجد وسيلة كانت بمثابة فرصة يأمل بها أي شاب مغربي بصفة خاصة ومغاربي بصفة عامة، صحيح أن المدخول من القناة ليس مدخولاً كبيراً، في بعض الأحيان لا يصلني إلا 400 دولار، لكن رسالتي هي أنه لا يمكن أن يبقى كلّ شاب مكتوف الأيدي أمام هذه الآفة الاجتماعية، بل لابد له من ابتكار طريقة من الطرق لمواجهتها، خاصة إذا كان هناك عجز من قبل الدولة في إيجاد حلول جذرية للحدِّ منها".

يعلّق فؤاد بلمير، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع، في اتصال مع رصيف22، على نموذج عادل بالقول: "عادل يبيّن أن التعليم والبحث عن المعرفة ليسا بالضرورة من أجل الحصول على عمل، وبأن التعليم والمعرفة هما من أجل بناء إنسان ثقافي، فبالموازاة مع الذهاب إلى المدرسة والحصول على مستوى تعليمي عالي، يجب أن نبعد عنا فكرة أن الدولة يجب أن تبحث لنا عن عمل، فنحن اكتسبنا خبرات ومعرفة، وبالتالي كل ذلك سيجعلنا نفكر في حلول إذا لم نحصل على وظيفة في القطاع العمومي الذي لم يعد قادراً على ضمان العمل للجميع"

ويلفت بلمير النظر إلى تغيّر في المجتمع المغربي، من شباب معتمد على الدولة في التوظيف، إلى متبنٍّ للمبادرات الحرة، يقول: "نحن في زمن جديد مبني على المبادرة الحرّة في خلق فرص، انتهى ذلك الزمان "المعتمد على الوظائف التي توفّرها الحكومة"، نحن في مجتمع المعرفة، والتقنيات الجديدة للاتصال والاعلام، إذ بإمكاننا أن نكون مستعملين جيدين لهذه التقنيات الجديدة، وبالتالي يمكننا أن نحصل على مال، وتحقيق مدخول محترم".

"لا يمكن أن يبقى كلّ شاب مكتوف الأيدي أمام هذه الآفة الاجتماعية (البطالة)، بل لابد له من ابتكار طريقة من الطرق لمواجهتها" عادل الهواري شاب مغربي"يوتيوبر"

طرح تساؤل على موقع "كورا" للتواصل المعرفي، وأثار جدلا بين مؤيد ومعارض حول كون صناعة المحتوى على "يوتيوب" بديلاً حقيقاً عن الوظائف التقليدية. تنظر أبيغيل بيلي، حساب على "كورا" تعرّف نفسها بأنها مُصمِّمة جرافيك، إلى إبداع المحتوى على "يوتيوب" باعتباره وظيفة، وتقرّ بأنَّ العديدين لا يعتبرونها كذلك، وتبرر قناعتها بأنها تقدر "الكثير من المجهود والاستثمار الذي يذهب في إبداع محتوى للمشاهدين".

أما آفي كي، حساب آخر عرف نفسه بأنه دارس للحقوق، فيرى أن إبداع المحتوى على "يوتيوب" لا يعتبر "وظيفة حقيقية"، وبرر ذلك بأنه عمل مضطرب، وغير مستقر، يمكن أن تتوقف عن جني المال بعد مرور سنوات من إنشاء مقاطع فيديو.

في المهن الحقيقية، بحسب آفي، يتم احتساب سنوات الخبرة، ولكن إذا توقفت عن إنشاء محتوى في "يوتيوب" وتقدمت لوظيفة "حقيقية"، فستفاجأ بأنك ليست لديك تجربة حقيقية، أو تعليم.

دراسة جامعيّة، ومهن "غير مناسبة"

بعض الشباب الطَموح، من الذين أبلوا حسناً في الحياة الجامعية والأكاديمية وحملوا تطلعات انكسرت على صخرة الواقع، التحقوا بمهن يرونها غير ملائمة لطموحاتهم، ومؤهلاتهم.

لم تكن سناء ثابر  (29 عاما)، اسم مستعار، التي قضت سنوات داخل مدرجات الجامعة، حصلت خلالها على ماجستير في علم الاجتماع، محظوظة في الظفر بعمل يلبي طموحاتها، ويحقق لها مستوى عيش كريم، لتختار أن تكون "كسالة"، وهي المرأة التي تعمل على التنظيف والتدليك في حمام نسائي.

تقول سناء "لرصيف22": "عشتُ أياماً عصيبة وأنا في رحلة بحث طويلة ومتعبة نفسياً عن عمل ملائم لمؤهلاتي وتطلعاتي، لينتهي بي الأمر إلى العمل كمدلّكة".

تصف شعورها بمهنتها الجديدة بالوضع "المؤسف" و "المدمّر"، تقول: "بعد المجهودات والتضحيات ترى جميع أحلامك وطموحاتك تتلاشى شيئاً فشيئاً أمام عينيك، وتصبح بذلك في مرتبة أي شخص آخر غير حاصل حتى على شهادة الثانوية العامة".

"بعد التضحيات ترى جميع أحلامك تتلاشى"

عن مهنتها الحالية كمدلّكة، توضح سناء، أنها توفّر ما يعادل 200 درهم ما يعادل (18دولار) يومياً من عملها هذا، ما يوفّر لها 6 آلاف درهم (500 دولار) شهرياً وفي بعض المرّات أكثر، ويعادل 6 آلاف درهم في المغرب راتب موظف في الإدارة العموميّة.

تقول سناء أنه بهذا المدخول يمكنها أن تسدّ أغلب احتياجاتها، وقد أنقذها من "العطالة المدمّرة"، إلا أنها باعتبارها شابة مثقفة في مقتبل العمر، تطمح إلى منصب يجعلها تبرز مهاراتها في مجال دراستها، لتكون شخصية مهمة وفاعلة داخل المجتمع.

وبربط بليمر قلة فرص العمل في كثير من الوظائف التي تحتوي مؤهلات تخصصات جامعية عديدة بالوضع الاقتصادي في أوروبا، يقول: "من المعلوم أن المجتمع المغربي بلد منفتح، ويقع على بعد بضع كيلومترات من أوروبا، وله علاقات متميزة مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فهو يتأثر سريعاً بما يحصل على مستوى الاقتصاد الدولي، وجميع المتخصصين يجمعون على أن أزمة سنة 2008 التي مسّت اقتصاد العالم، كان للمغرب نصيب منها، وهذا ما لاحظناها منذ 7 سنوات، حيث عانى الاقتصاد المغربي من صعوبات، وبالتالي فمسألة العطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا تعود كما جاء في إحدى خطب الملك إلى أن مشروع التنمية الذي يتبنّاه المغرب لمدة سنوات لم يعد كافياً، ولم تعد له القدرة على احتواء حاملي تلك الشهادات في المجتمع المغربي".

"في أيّ عمل كان"

انتشار البطالة في صفوف الشباب، سواء ذوي المؤهلات الجامعية أو ما دونها دفع  بعضهم إلى إنشاء حركة "فاش ما كان" بمعنى (في أي عمل كان) عام 2018 ، التي رعتها "الرابطة المغربية  للمواطنة وحقوق الإنسان"، وتضم الحركة معظم الذين يطالبون بالعمل سواء في القطاع العمومي أو الخاص.

وتقدّم بعدها بأشهر نواب برلمانيون بمقترح قانون لتعويض هؤلاء من خلال تخصيص راتب شهري لهم. ويدور القانون المقترح حول إحداث تعويض لصالح حاملي الشهادات العليا من المغاربة، ويتعلّق بالحاصلين على شهادات عليا وخريجي الجامعات والمعاهد العليا ومؤسسات التكوين المهني، ودعا إلى تحديد قيمة التعويض بـ 1200 درهم (نحو 130 دولار) شهرياً، وذلك عن السنة الأولى، ومبلغ 600 درهم (نحو 65 دولار) في الستة أشهر التالية في حالة التجديد.

وبحسب مضمون المقترح، فإن بطالة خريجي الجامعات والمعاهد العليا ومؤسسات التكوين المهني الوطنية لها آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية تمتد إلى الآثار السياسية والأمنية.

مقترح لم يُطبَّق لنوَّاب برلمان في المغرب، طالب بمنح العاطلين "بدل بطالة"، وشدَّد على أنها ظاهرة لها آثار سلبية في نواحي سياسية وأمنية

حسن مجاهد (30سنة)، يسكن في الدار البيضاء، وحاصل على إجازة في الحقوق، واحد من أفواج الشباب العاطلين عن العمل الذي وجد نفسه بدون عمل مستقر، فتارة يعمل مع والده، وتارة أخرى يزاول أعمالاً موسمية، خلال مددٍ محدودة، لا تتجاوز الثلاثة أشهر.

يقول مجاهد لرصيف22: "لقد هُزمت في معركتي مع البطالة لأشهر، كنت أقضيها في البيت والتسكّع، وأنتصر فيها مؤقتاً عندما أشتغل، أو كما نقول نحن المغاربة البريكولاج".

ويرى مجاهد أن تزايد معدل البطالة يرجع إلى أن الجامعة تخرّج أعداداً هائلة من الطلبة، في وقت لا يستوعب فيه سوق العمل هذه الأفواج، ما يجعل هناك خللاً بين ما تنتجه الجامعة وما يوفّره سوق العمل، إذ ينتج عن تلك السياسات نسبة كبيرة من العاطلين، لأن مسألة التوجيه والتخصصات الموجودة غير ملائمة لسوق العمل، كثير من زملائه اختاروا بعض التخصّصات، وعندما انتهوا من الدراسة، وجدوا أنفسهم في مواجهة البطالة.

وتظل البطالة في المغرب سبباً رئيسياً للقلق الاجتماعي الذي ينمّي مشاعر الإحباط والاستياء، إذ شكّلت تظاهرات ما يعرف بـ"حركة المعطلين" جزءاً من المشهد الرئيسي في شوارع العاصمة الرباط لسنوات، حيث تصدّر  الشباب الحركات الاحتجاجية التي شهدتها مناطق مغربية مختلفة في الآونة الأخيرة المنددة بتدهور الأوضاع المعيشية.

في مقابل تلك الضغوط، تروج الدولة المغربية لمشروع صياغة "نموذج تنموي جديد" يتمكن من الاستجابة للحاجات الاجتماعية، ومواجهة البطالة، من خلال مناقشة قانون إطار يتضمن إجراءات لإصلاح منظومة التعليم، بهدف ملاءمتها أكثر مع شروط سوق العمل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard