عن نائب في "حزب الله" وابنته وطليقها... قصة ظلم وانتقام فيها كل المفارقات

الاثنين 15 يوليو 201901:45 م

مفارقات عديدة اجتمعت في خبر مطاردة طليق ابنة النائب اللبناني نواف الموسوي لها وهي بصحبة ولديهما وشقيقتها على طريق سريع، وهي مطاردة وثقتها الأخيرة بفيديو أظهر حالة من الرعب عاشها من كانوا في السيارة.

كان الخبر ليمرّ عابراً أو بأقل حدة في بلد اعتاد هذا النوع من الإشكالات بعد الطلاق، لا سيما في السياق الشيعي الذي لا تزال المحاكم الشرعية تتحكم بأحواله الشخصية من زواج وطلاق وحضانة أولاد، بينما ترتفع الشكاوى من منسوب الإجحاف والتلاعب في أروقتها.

لكن خبر ما حصل مع غدير الموسوي وطليقها حسن المقداد لم يكن "عادياً" وفق هذا السياق. بعد عملية المطاردة الليلية تدخلت دورية أمن واصطحبت الجميع إلى المخفر. ما حصل لاحقاً في المركز الأمني، حوّل القضية إلى مادة سجال بمحاور مختلفة: الدولة وهيبتها، قضية الحضانة، زواج القاصرات، سلاح "حزب الله"، العشائر، القانون، أداء القوى الأمنية…

أب ومشرّع... ومحاكم جعفرية

بعد انتشار خبر مفاده أن الموسوي الأب اقتحم المخفر حيث يتواجد طليق ابنته وتهجم مع عدد من المسلحين عليه بدأ السجال، في وقت تمّ تسريب برقية موقعة باسم رئيس المخفر يذكر تهجم المقداد على طليقته وإهانتها ومن ثم تعرضه إثر ذلك لإطلاق نار أصابه في يده ولضرب مبرح.

هنا فُتح النقاش مع هاشتاغ "متضامن مع نواف الموسوي"، لتنتشر المطالبات بمحاسبة طليق ابنته ليكون عبرة لكل من يُمارس التهديد، وهنا كذلك حضر الكلام عن "الموسوي الأب" الذي دفعته عاطفته لتحطيم كل الحواجز بحيث أن كل أب إذا وضع نفسه مكانه يرى في ما فعله النائب أضعف الإيمان… والعاطفة.

ومن يعرف الموسوي شخصياً ومن تابع خبر قرار حزبه تجميد عضويته النيابية لمدة سنة كاملة (منذ أبريل الماضي) بسبب تصريحات سياسية لم يستغرب ردة فعله على ما جرى مع ابنته، وتحديداً أن غدير، كما أشار معلقون، ناجية من السرطان وقد تعلق والدها بها بشكل مضاعف خلال رحلة مرضها.

وإن كان الموسوي الأب تحوّل إلى بطل القصة هنا، فثمة من أكد على ضرورة التركيز على الضحيّة ومعاناتها بدءاً من العنف الكلامي والجسدي مروراً بالطلاق الصعب وصولاً إلى الحرمان من رؤية ولديها والصراع لأجل تحصيل هذا الحق لثلاثة أيام في الأسبوع مع تعنّت الطليق في تطبيقه في أحيان كثيرة.

ومعاناة غدير تشبه معاناة كثيرات مثلها عايشن صنوف الحرمان من أولادهن بسبب نفوذ الوالد وسلبطته وبسبب المؤسسات الدينية وقوانينها وتحديداً تلك الشيعية التي تُعدّ قوانينها لجهة الطلاق والحضانة الأكثر إجحافاً دون منازع.

وعلى ضوء هذا الإشكال، عاد التأكيد على المطالبات - المؤكدة على ما كانت حملات عديدة بدأته - برفع سن الحضانة من جهة، وبإخراج قانون الأحوال الشخصية من عباءة المؤسسات الدينية من جهة أخرى. (للمزيد حول هذه القضية يُمكن مراجعة تحقيق "أمومة مع وقف التنفيذ").

لكن النقاش لم يقف عند هذا الحد، فبعد تسريب برقية رئيس المخفر، أخذ الموضوع منحى آخر.

في مقابل المدافعين عما فعله بأي شكل كان، ثمة من اتهم الموسوي بـ"البلطجة" و"فائض القوة" انطلاقاً من أن ردة الفعل لم تكن أثناء المطاردة مثلاً (وهي قد تكون مبرّرة بعض الشيء) بل كانت بعدما تمت السيطرة على الموقف. والأهم كانت محاسبة الموسوي على صفته كمشرّع، وبالتالي كان الأجدى بأن يصبّ اهتمامه على تحسين القوانين التي تحمي المرأة المطلقة وعلى تعديل تلك الخاصة بالحضانة.

مع ذلك، كان الموسوي قد غيّر وجهة نظره من مسألة الحضانة والقوانين الشرعية، ، حسب متابعين لجلسات لجان نيابية شارك فيها وقالوا إنه كان الوحيد الذي أبدى شراسة لصالح تعديلات في قانون حماية المرأة من العنف، حتى المعنوي والكلامي منه، وكان يتحدث عن مظلومية ابنته وقصتها التي دفعته للاطلاع أكثر على قانون الأحوال الشخصية والمحاكم الجعفرية.

الدولة وهيبتها، قضية الحضانة، زواج القاصرات، سلاح حزب الله، القانون، أداء القوى الأمنية… مسائل عادت إلى دائرة النقاش مع انتشار خبر مطاردة طليق ابنة النائب اللبناني نواف الموسوي لها، ومن ثم انتقام النائب منه في مركز أمني
"عاطفة أب" أم "بلطجة"؟... انقسم المعلقون بين مدافع عن النائب نواف الموسوي الذي اعتدى على طليق ابنته وبين منتقد له باعتباره مشرعاً كان الأجدى به أن يحميها بقانون يُخرج الأحوال الشخصية من عباءة المحاكم الدينيّة

كان الموسوي الوحيد الذي وقّع على التعديلات، وهو موقف أتى على النقيض من مواقف زملائه في الحزب التي تماشت مع رفض المؤسسات الدينية القاطع للتعديلات، وكذلك كان الحال مع موقفه الداعم للزواج المدني الاختياري، حسب ما نُقل عنه.

ما حصل مع الموسوي من تبدّل في المقاربة واختلافه عن زملائه في حزب لم يرَ في خطابه مشكلة في زواج القاصرات أو ضرورة لتعديل الأحوال الشخصية، ينسحب كذلك على البيئة الشيعية نفسها التي خرجت منها قصص مظلومية عديدة، وجعلت الانقسام في مقاربة مسألتي الطلاق وسن الحضانة ومن ثم قانون الأحوال الشخصية عموماً شديد الوضوح.

ماذا عن الاعتداء على المخفر؟

مع ذلك، وإن غفر معلقون للموسوي الأب والمشرّع بما يخص هذه المسألة، فماذا عن الهجوم على مركز أمني؟ والهجوم لم يحصل لحظة وقوع الاعتداء على ابنته، بل بعدما بات الجميع في عهدة القوى الأمنية.

هنا عاد النقاش لينقسم بين من تفهّم الأمر نتيجة الخذلان الذي عاشه كثيرون مع طريقة تعامل القوى الأمنية المستخفة والمنحازة في مواقف كهذه، وبين من دان الهجوم بكل أشكاله رفضاً أن يكون له تفسير آخر سوى "البلطجة".

وهنا حضرت ديناميكية العلاقة بين القوى الأمنية (وتحديداً الدرك) والأحزاب المسيطرة على المناطق ذات النفوذ المعين، حيث لا يحضر الدرك لحل مشكلة معينة إلا بعد مشارفتها على الانتهاء، أو يلجأون إلى العناصر الحزبية لضبط الوضع ويتجنبون الدخول في مواجهة غير مضمونة النتائج لصالحهم.

وهذا النقاش يأخد بعداً آخر كذلك بما أن الطرفين المتخاصمين، الموسوي والمقداد، هما من العائلات المتنفذة سياسياً وعشائرياً، وبالتالي تترك العلاقة التاريخية بين "حزب الله" والعشائر، التي لم تكن على أحسن ما يُرام لوقت طويل، أثرها عليه، لا سيما وأنها الآن تداخلت لتصبح شديدة التعقيد والحساسية.

على الهامش، كان هناك إشارة لموضوع تسريب برقية قوى الأمن، وسط انتقادات عن تكرار ممارسات من هذا النوع في قضايا حساسة، ودعوات إلى ضبط موضوع تسريب البرقيات ومحاضر التحقيق التي تتسبّب بمزيد من المشكلات، وإلى محاسبة من يقوم بذلك. 

في كل الأحوال، قد تكون مفيدة الإشارة إلى تعليق أحد المشاركين في السجال حول أن كل مشكلة من هذا النوع يُصاحبها تعليقات أكبر منها، لجهة طرح حلول مستعصية أو شعارات كبيرة وكأنما الحل قد يكون سحرياً لمجرّد اكتمال عناصره -نظرياً - بدل الاستفادة مما جرى والبناء عليه في خطاب منطقي وفي طرح حلول قابلة للتنفيذ.

عدا ذلك، سينتظر اللبنانيون ما ستؤول إليه قصة الموسوي الأب كذلك، فحسب الأخبار العاجلة فقد تم استدعاؤه من قبل النيابة العامة للتحقيق بينما رفض الحضور داعياً لإبلاغه عبر مجلس النواب. هذه ستكون قصة أخرى تفتح النقاش مجدداً حول عمل القضاء واستقلاليته في بلد لم يعد يؤمن فيه كثر بفعالية الجهاز القضائي. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard