شهادات العذرية في مصر... الطبُّ في خدمة هوس غشاء البكارة

الاثنين 15 يوليو 201904:44 م

لا يزال الهوس بغشاء البكارة مستمرّاً في مصر، ولا تزال مفاهيم مثل العذريّة تفرض نفسها على الكثير من النساء، ولا يزال الكثيرون/ات يستخدمون غشاء البكارة كمُرادف للأخلاق والفضيلة، ويتحايلون لإثبات أوهامهم/ن عن أجسام النساء وجنسانياتهن. تلك الأوهام التي هي نتاج عقود وقرون من اعتبار جنسانيّات النساء خطراً على مجتمعاتهن، هي أيضاً نتاج قرون من محاولات السيطرة على تلك الأجسام، إمّا باسم الحماية، أو باسم الدين، أو باسم الدولة، أو باسم المجتمع. في هذا النصّ، أقدّم مثالاً على هوس البكارة، وكيف يُستخدم الطبّ لخدمة هذا الهوس، وجعله أمراً مشروعاً ومقبولاً اجتماعيّاً.

ما هي شهادات العذريّة؟

شهادات العذريّة هي تقارير طبية تُثبت أن المرأة عذراء أو لم يسبق لها ممارسة الجنس. يُعطي بعض أطباء النساء أو أطباء الجراحة هذه الشهادات للنساء وغالباً للعائلة، وتكون مختومة بختم عيادة الطبيب، وموقّعة منه شخصيّاً. ورغم كونها شهادة غير رسميّة، أو غير موثّقة بأي شكلٍ قانوني، فهي مُعترف بها اجتماعيّاً إلى حدٍّ كبير، نظراً للسلطة الاجتماعيّة التي يتمتّع بها الأطباء كمتخصصين. ويأتي الاسم "شهادة عذريّة" في صدد الربط الشائع بين العذريّة وغشاء البكارة. فالعذريّة هي عدم ممارسة الجنس سابقاً. أما غشاء البكارة، فهو مجموعة من الأنسجة الرقيقة التي تُغطّي جزئياً الفتحة الداخليّة للمهبل، لتسمح بمرور دم الحيض. وتتعدّد أنواع أغشية البكارة، وقد تولد النساء بدونها. أما أسباب تسمية هذا التقرير الطبي بـ"شهادة العذريّة"، فهو الخلط بين مفهوم العذريّة ومفهوم البكارة، واعتبار أغشية البكارة هي الدليل على أن المرأة عذراء، أي لم تُمارس الجنس قبلاً.

في الإطار الذي يُعتبر فيه غشاء البكارة دليلاً على العذرية، يُعتبر الجنس بالإيلاج هو الممارسة الجنسيّة الوحيدة

ويكون بعض هذه التقارير موثّقاً رسميّاً من قبل مؤسّسات حكوميّة، مثل مصلحة الطب الشرعي أو المستشفيات الحكوميّة المصريّة، التي عادة ما يتمّ الرجوع إليهم في حال كان فض غشاء البكارة ضروري طبيّاً، ويُطلب منهم إفادة رسميّة حول تلك الضرورة ليتمكّن الأطباء المُعالجون من التدخّل الجراحي في عياداتهم/ن الخاصّة. تقول (ل.ل)، وهي شابة مصرية مرّت بتلك التجربة، إن طبيبها المُعالج شخّص حالتها، بأنها تراكم لدم الحيض في الرحم نتيجة لعدم وجود ثقبٍ في غشاء البكارة يمرّ منه الدم، وأن الحلّ الوحيد هو إجراء ثقب في الغشاء عن طريق الجراحة. طلب الطبيب من الأب إذناً كتابيّاً بإجراء الجراحة، كما طلب منهم التوجّه إلى مصلحة الطبّ الشرعي للحصول على تقرير طبي يُفيد بأهمية تلك الجراحة لإنقاذ حياتها. في مصلحة الطبّ الشرعي والكائنة في منطقة "زينهم" بوسط القاهرة، طلب منها الأطباء الذهاب لمستشفى "قصر العيني"، بسبب الزحام في مصلحة الطب الشرعي. وهناك، تمّ توقيع الكشف الطبّي عليها من قبل طبيب مختص، والذي أجاز إجراء الجراحة. عادت (ل.ل) إلى طبيبها المختص ومعها التقرير الطبي المختوم بختم النسر والذي يُجيز التدخّل الجراحي رسميّاً.

وتكون تلك التقارير مُعترفاً بها رسميّاً في المحاكم المصريّة في وقائع الاغتصاب أو في القضايا المعروفة باسم "قضايا الآداب"، أي قضايا الجنس التجاري المُجرّم قانوناً. من هنا تتعدّد الأطراف التي قد تسعى للحصول على تلك التقارير الطبيّة، فأحياناً تطلبها العائلة، أو النساء أنفسهن، أو الشريك، أو أجهزة الدولة. وتكون التقارير نتيجة لما يُسمّى بفحص العذريّة، أو كشف العذريّة.

أسباب طلب شهادات العذرية من الأطباء

تسعى بعض النساء والعائلات للحصول على شهادات العذريّة والتي تكون في صورة تقرير طبي، إن كان هناك ضرورة طبية لفضِّ غشاء البكارة. يقول حسين جوهر، طبيب وأخصائي نساء وتوليد،  في حديث خاص لرصيف22، إن بعض التدخّلات الطبيّة تعتبر ضرورة لإنقاذ حياة النساء، مثل سرطان عنق الرحم، أو جراحات المنظار التي قد ينتج عنها فضّ أو قَطْع غشاء البكارة إن كان موجوداً.

ويستكمل الطبيب أن بعض أغشية البكارة مثل "غشاء البكارة المُصْمَت، أو غير المثقوب" تكون سميكة أو مغلقة ولا تسمح لدم الحيض بالخروج من الجسم، ما يترتب عليه مضاعفات طبيّة وصحيّة. يُصبح التدخّل الطبي والجراحي ضرورة لثقب أو فضّ غشاء البكارة، للسماح بمرور دم الحيض من فتحة المهبل للخارج. وبما أنها ضرورة طبيّة، تكون شهادات العذريّة خياراً متاحاً لإثبات أن فضّ غشاء البكارة جاء نتيجة لتدخّل طبي. وعادة ما يتمّ استخدام تلك التقارير/الشهادات بشكل غير رسمي أمام الزوج المحتمل، تجنّباً لأي اتهامات أخلاقيّة قد يوجّهها إلى الزوجة في ليلة الزفاف، أو بعد الزواج. كما يطلب بعض الأزواج الجُدد هذه الشهادات اعتقاداً منهم أنهم فشلوا في فضّ غشاء بكارة العروس ليلة الزفاف. وقد يأخذ الزوج زوجته طوعاً أو قسراً لتوقيع كشف العذريّة عليها بواسطة طبيب/ة، ليتأكّد من كونها عذراء، ويطلب شهادة بذلك. تأتي الممارسة الأخيرة في إطار جهل هؤلاء بأن غشاء البكارة ليس دليلاً على العذريّة، كما أن هناك أنواع من أغشية البكارة التي لا تتمزّق بالإيلاج، وقد لا يوجد غشاء بكارة من الأساس.

في تقرير أعدّته "منظمة الصحّة العالميّة" بالتعاون مع "هيئة الأمم المتحدة للمرأة"، وهيئة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" في أواخر عام 2018، قال المختصّون إن كشوف العذرية هي انتهاك جنسي لأجسام النساء. كما أنه لا يمكن لأي شخص، حتى لو كان طبيباً، التحقّق من أن امرأة قد مارست الجنس أو لا. ونادت تلك المنظمات العالميّة بالتوقّف فوراً عن هذه الفحوصات والتي وصفوها بأنها "غير طبيّة، وغير علميّة"، سواء مارسها أفراد العائلة، أو أفراد المجتمع، أو أطباء، أو عاملون بمؤسّسات الدولة.

ورغم أن هذا التقرير يُعتبر حديثاً نسبيّاً، إلا أن إدانة كشوف العذريّة في مصر وصلت ذروتها في عام 2011. حيث أدانت منظمات ومجموعات نسويّة وحقوقيّة مصريّة توقيع كشوف العذريّة بالإجبار على متظاهرات مصريات بعد القبض عليهن من قبل أفراد من الشرطة العسكريّة في مارس 2011، وتمّ رفع دعوى قضائيّة ضدّ: القائد العام للقوات المسلّحة، ووزير الدفاع، وآخرين يُعتقد تورّطهم في الأمر. كذلك، رفعت بعض المتظاهرات دعوات قضائيّة ضدّ هذه الممارسة باعتبارها انتهاكاً لحقهن في الخصوصيّة والسلامة الجسديّة والتعبير السلمي، منهن الناشطة سميرة إبراهيم. على خلفيّة تلك الدعوات القضائيّة أصدرت "محكمة القضاء الإداري" حُكمها بإدانة توقيع كشوف العذريّة على المتظاهرات، إلا أن القضاء العسكري أصدر حكماً ببراءة الضابط المتهم في الواقعة. كما استمرّت الأجهزة الأمنيّة في توقيع كشوف العذريّة على المتظاهرات والمقبوض عليهن من النساء، إضافة إلى بعض الممارسات الأخرى المُصنّفة كجرائم عنفٍ جنسي: مثل الفحص المهبلي والشرجي واختبار الحمل القسري، وفقاً لتقرير أعدّته "نظرة للدراسات النسويّة"، يناير 2014.

كذلك تلجأ بعض العائلات إلى توقيع كشف العذريّة قسراً على نساء العائلة، في حالة الشكّ بأنهن غير عذراوات، أو فُضّت أغشية بكاراتهن لأي سبب، سواء كان بممارسة الجنس، أو بالصدفة كالجنس الفردي، أو بالاغتصاب. وتكون الشهادة في هذه الحال إثباتاً أن فضّ البكارة جاء لسبب طبي كالسابق ذكره. وقد يُعدّ الشهادة طبيب صديق للعائلة، في شكل خدمةٍ غير مدفوعة الأجر. وتكون تلك الشهادات ملاذاً لبعض النساء. حيث يدفعن مقابلاً ماليّاً للأطباء ويحصلن على الشهادة. وقد يكون ملاذ غيرهن هو عمليات ترقيع غشاء البكارة. وتُعد الممارسات الأخيرة تحايلاً من النساء على محاولات تقييد حرياتهن الجنسيّة، وحقوقهن في أجسامهن.

شهادات العذريّة هي تقارير طبية تُثبت أن المرأة عذراء أو لم يسبق لها ممارسة الجنس. يُعطي بعض الأطباء هذه الشهادات للنساء وغالباً للعائلة، وتكون مختومة بختم عيادة الطبيب، وموقّعة منه شخصيّاً
يلجأ البعض إلى توقيع كشف العذريّة قسراً على نساء العائلة، في حالة الشكّ بأنهن غير عذراوات، أو فُضّت أغشية بكاراتهن، سواء كان بممارسة الجنس، أو بالجنس الفردي، أو بالاغتصاب. وتكون الشهادة إثباتاً أن فضّ البكارة جاء لسبب طبي

هوس البكارة والجنس بالإيلاج

في الإطار الذي يُعتبر فيه غشاء البكارة دليلاً على العذرية، يُعتبر الجنس بالإيلاج هو الممارسة الجنسيّة الوحيدة. الأمر الذي يغفل أن ممارسة الجنس تتعدّد وقد لا يكون الإيلاج من ضمنها، مثل الجنس الشرجي، الجنس الفموي، الجنس عبر وسائل الاتصال الحديثة كالهاتف والإنترنت، الجنس النصّي أو الكتابي sexting، والجنس الخارجي. وجميعها ممارسات لا تتضمّن الإيلاج في المهبل، ويمكن للنساء ممارستها، دون أن يكون هناك دليل على تلك الممارسة إلا في حالات قليلة من وقائع الاغتصاب.

يُضيف الطبيب حسين جوهر، أن الطبّ الشرعي لا يعتدّ بغشاء البكارة وحده للتدليل على حدوث واقعة اغتصاب من عدمه. فهناك دلالات أخرى تؤخذ في الحسبان أثناء توقيع الكشف الطبي، مثل الكدمات على الجسم، إن كان هناك مقاومة جسديّة، أو تهتّك جدار المهبل و/أو فتحة الشرج، بالإضافة إلى وجود حيوانات منوية أو شَعْرٍ من المُعتدين، والتي يمكن من خلالها إثبات الواقعة في غضون أيام قليلة. أما "منظّمة الصحّة العالميّة"، فتعتبر توقيع كشوف العذريّة على النساء اللواتي تعرّضن للاغتصاب كدليل يُعتدّ به في المحاكم من قبل الطب الشرعي، انتهاكاً جديداً لحقهن في السلامة الجسديّة والخصوصيّة، وقد ينتج عنه إعادة اختبار الألم والاستباحة الذي مرّت به تلك النساء جرّاء الاغتصاب. ويُشدّد التقرير أن توقيع الكشف الطبي يُمكن أن يتجنّب تلك الممارسة المعروفة بكشف العذريّة، ويعتمد على أدلّة أخرى يُمكن استخدامها في إثبات وقائع الاغتصاب، خاصّة أن تعريف الاغتصاب نفسه يتجاوز الإيلاج في المهبل عن طريق أعضاء ذكرية أو أدوات. وتعتبر النقطة الأخيرة محلّ نقد لقانون العقوبات المصري الذي ينُصّ على أن التعريف الوحيد للاغتصاب هو إيلاج قضيب في مهبل، وما عدا ذلك يعتبره القانون "هتك عرض"، وليس اغتصاباً، وتُخفّف العقوبة نتيجة لذلك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard