"نحن من خلقنا الرقص"... حوار مع الفنانة التونسية سندس بلحسن

الأحد 14 يوليو 201907:43 م

"مهنة الرقص لم تكن موجودة قبل 30 عاماً ونحن اللي خلقناها، كل صباح كنتِ تسألين نفسك: أنتِ راقصة ولا أم ولا على شو بتركضي، وصراع داخلي مع نفسك كفنانة عن ماذا بعد؟!".

تحكي الراقصة والكوريغرافية التونسية سندس بلحسن في حوارها مع رصيف22، عن الصعوبات التي عاشها جيلها من الرائدات في مجال الرقص المعاصر مقارنةً بالفرص المتاحة للجيل الحالي.

قابلت رصيف 22 بلحسن في العاصمة التونسية على هامش فعاليات أيام قرطاج الكوريغرافيّة في دورته الثانية (من 14 إلى 20 يونيو) والذي كرّم ثلاث راقصات من جيل الرائدات، قدّمن مسيرة طويلة وبصمة في تاريخ الرقص المعاصر في المنطقة العربية هن: ملاك السبعي، إيمان سماوي، وسندس بلحسن.

سندس بلحسن، 50 عاماً، هي فنانة راقصة ومصممة رقصات وممثلة، تراوحت مسيرتها بين الرقص والسينما. درست في المركز العالمي للرقص روزيلا هايتاور في الإستيطيقا وفلسفة الفن والرقص المعاصر/ جاز. انضمت إلى البالية الوطني التونسي كراقصة، وشغلت منصب المسؤولة عن التكوين في المركز الوطني لبرج البكوش.

قامت بأبحاثها الكوريغرافيّة صحبة ملاك السبعي وتحت نظرة باترسيا تريكي الفوتوغرافيّة. وقدّمن العديد من العروض منها: "بي تيسينو الجزء الثاني"، "منال وسوسن"، "سجن جرائم القلب". عادت "بلحسن" سنة 2017 إلى المسرح بعرض "في مواجهة البحر لتتحوّل الدموع إلى بريق ضحكات" من إخراج رضوان المؤدب، الذي عُرض ضمن مهرجان أفينيون في يوليو 2017.

وهي تقوم كذلك بتعليم الرقص للهواة بفضاء "التياترو"، وللمحترفين بالمركز الوطني لفنون السيرك، تقدم كذلك عدّة ورش فنية لرواد مدرسة الممثل في المسرح الوطني التونسي.

رصيف22: بداية متى بدأ شغفك بالرقص وقرارك باحترافه؟

علاقتي بالرقص بدأت في عمر الخامسة عشر عاماً، عندما قابلت الكوريغرافية "آنا ماري سلامي"، كوّنَت حينها مجموعة صغيرة للرقص في تونس، وأحضرَت مصممي رقصات أجانب، شاركت معهم في أول عرض عام 1985، ومن وقتها تعلّقت بهذا الفن وقدرة الجسد على التعبير والبوح بأفكارك وفلسفتك ومشاعرك بحرية، ونجحنا مع صديقاتي بالفرقة ومنهم: ملاك السبعي، ونجلاء سايجي، وسافرنا بالعرض في مهرجانات في العديد من الدول. أسرني هذا العالم وقلب حياتي رأساً على عقب، وأدركت وقتها أن الرقص هو طريقي ومشروعي الفني.

ونصحتني الصديقات بأهمية الدراسة والتكوين العلمي والفني بمدارس أكثر احترافية بالسفر للخارج، لأن مدارس الرقص لم تكن متاحة في تونس آنذاك، والتحقت بالمركز العالمي للرقص، روزيلا هايتاور في مدينة كان في فرنسا، ودرست الإستيطيقا وفلسفة الفن والرقص المعاصر/ جاز.

 كيف كان الطريق للاحتراف وماذا عن عائلتك قبل 30 عاماً.. هل كان الأمر سهلاً؟

لم أعِش صعوبات، بلا شك أن مسألة قبول المجتمع فكرة احتراف الفتيات الرقص كانت غريبة وجديدة، ولكن تقاسمت هذه التحديات مع صديقاتي الراقصات، فالأزمات تصبح أكثر سهولة عندما لا تواجهها بمفردك. أما عائلتي كانت أول من ساندني في مشواري، سمحوا لي بالسفر لباريس والدراسة، وكان عمري 16 عاماً، وهذا لم يكن سهلاً آنذاك أن تصبح ابنتهم راقصة، وأن تسافر وتسكن في منزل بمفردها، ولكن لم يعرقلوا مشواري أو رغبتي في دراسة هذا الفن.

لكن رغم مرور 30 عاماً، مازالت نظرة المجتمع تحمل تحفّظات تجاه ممارسة النساء/ الرجال للرقص، وهو ما لمسته من لقاءاتي مع شباب راقصين بالمهرجان؟

أظن أن الرقص المعاصر ساعد إلى حد كبير في تغيير نظرة المجتمع السلبية للرقص، فمثلاً في جيلي، كان الذكور لا يدخلون مجال الرقص أبداً، لكن الإقبال في يومنا هذا من الرجال أكثر من الفتيات، وسهّل الطريق رقص" الهيب هوب" حيث يدخل منه الشباب التونسي إلى الرقص المعاصر.

 ماذا يمثّل لكِ تكريم مهرجان قرطاج للكوريغرافيا؟

شرف كبير جداً، واختيار المهرجان تكريم ثلاث راقصات نساء من الجيل الأوّل هو تعبير عن وجه تونس الحقيقي، الذي يحترم الفن ويجعل نساءه في المقدمة، "نِحسّ روحي اليوم كأني زِينة وعزيزة"، مثل هؤلاء الراقصين الذين كانوا يمثلون تونس في السبعينيات، عندما كانوا يسيرون ويرقصون مع الرئيس "بورقيبة" في الاحتفالات الوطنية.

المهرجان كأنه يريد التأكيد ليس بالتكريم ولكن بوجوده بحد ذاته، أن ما قدّمناه كراقصات في هذا المجال منذ ثلاثين عاماً لم يذهب دون جدوى، وأن الصعوبات التي رافقتنا للعمل في مجال الرقص لنجعله فناً معترفاً به، نحصد نتائجها بعد سنوات طويلة بميلاد مهرجان قرطاج للرقص.


وفي رأيك.. ما دلالة تبني الدولة ممثلة في وزارة الثقافة التونسية لمهرجان الرقص؟

هو اعتراف تأخر 30 عاماً بأن الرقص مهنة وفن وليس وسيلة تسلية. تونس هي الدولة العربية الأولى التي أسّست لمجال الرقص المعاصر بالمنطقة، وانتظرنا كثيراً حتى يحظى بمهرجان كبير يليق بتاريخ هذا الفن، فالمسرح والسينما لديهم مهرجانات تجاوزت 55 عاماً، ولكن نشعر اليوم بثمار ما زرعناه طيلة هذه السنوات، ونحصد مهرجاناً دوليّاً الآن تحت رعاية الدولة التونسية.

وهل تراجع ممارسة الفتيات للرقص يعود لصعود التيارات الإسلامية المتشددة في تونس بعد الثورة؟

ليس له علاقة بصعود هذه التيارات، ولكن تظل المشكلة الكبيرة هو اختيار الرقص كمهنة لدى العائلات في تونس، حيث ترى الأسرة أن المهنة لا تحقق الاستقرار المادي والمعيشي لأبنائهم، حال رغبتهم في احتراف الرقص، ويقولوا دائماً "كيفاش تقدر تعيش به وِلدي أو بنتي اقتصادياً" ولكن الرفض ليس له علاقة بالنظرة السلبية للرقص، تونس لديها تاريخ طويل مع الرقص، أسست له الفرقة الوطنية للرقص الشعبي في الستينيات. ولكن تظل التحديات الاقتصادية التي يُعاني منها الفنان أو الفنانة، وخاصة الراقصين/ات المعاصرين/ات في كل بلادنا العربية.

رغم السنوات الطويلة للرقص المعاصر.. إلا أنه يُنظر إليه كفن نخبوي لا يحظى بجماهيرية في بلادنا العربية.. ما تعقيبك؟

تظل هذه النظرة صحيحة، ولكنها ليست مسؤولية فناني الرقص المعاصر، فعروض الرقص المعاصر ليست هي التي لا تقبل كل الجماهير أو تريد جمهوراً مثقفاً نخبوياً، بالعكس المشاهدون هم الذين يقولون لأنفسهم أنه فن غريب عليهم لا يعرفونه أو يفهمونه، رغم أن الرقص يعتمد على الإحساس عكس بقية الفنون، لكن إحساس المتفرج الداخلي هو من يقوده للتفاعل مع عرض رقص معاصر.

سندس بلحسن: "الإقبال في تونس هذه الأيام من الرجال على تعليم الرقص أكثر من الفتيات، وسهّل الطريق رقص" الهيب هوب"،  يدخل منه الشباب التونسي إلى الرقص المعاصر"

وتظل نظريتي أن الرقص المعاصر غير مشغول "إنك كمشاهد فهمت إيه، عايزين ننحي من دماغ الناس فكرة إنك لازمك تِفهم حاجة، وقت ما تحضر عرض رقص معاصر"، فالرقص المعاصر يُعطيك كمشاهد فضاءً واسعاً تستطيع من خلاله رؤية الأشياء بنظرة أخرى، ومن زاوية مختلفة، وهو ما يجب أن تكون عليه علاقتنا بالفنون بصفة عامة. المشاهد تعوّد على تلقي الفنون الكلاسيكية الواقعية التي تعطيه ما يفهم، ويلقنه الفنان مباشرة ما يرغب قوله.

المتفرج اليوم، لابد أن يقبل فكرة أنه يستطيع مشاهدة عرض فني معاصر ويخرج من القاعة لا يفهم شيء، وهذا ليس معناه إنه غير مثقف أو جاهل أو غير متذوق للفن، لابد أن نكسر هذه الصورة النمطية في نظرتنا للرقص المعاصر.

ما هو تقييمك للإنتاج العربي الحالي لشباب لراقصين المعاصرين؟

سأتحدث عن "تونس"، ومعجبة جداً بالشباب الراقصين، خاصة أنهم يتمتعون بعلاقة حرة مع الرقص أكثر من جيلنا، فنظراً لدراستنا في الخارج كان لدينا انتماء للرقص الشرقي، ولكن الجيل الصاعد تحرر من هذا الانتماء وإن حافظ عليه قليلاً، ولكنهم يتميزون عن جيلنا برغبتهم بنقل هويتنا التونسية الإفريقية للخارج.

الجيل الجديد لديه حرية أكثر وهويته أقوى، والجسد التونسي اليوم أصبح محور وقلب تصميم الكوريغرافي، نُعبّر من خلاله عن أفكارنا وفلسفتنا، لنرقص ونحلم، أما جيلنا فكان يُعاني من صراع داخلي بين ما هو موجود وبين الذي شاهدناه وتعلمناه بالخارج وما نريد أن نقدمه في بلادنا.

سندس بلحسن: "جيلنا كان يُعاني من صراع داخلي بين ما هو موجود وبين الذي شاهدناه وتعلمناه بالخارج، وما نريد أن نقدمه في بلادنا، الجيل الجديد هويته أقوى، ولديه حرية أكبر".

الراقص التونسي يستطيع حالياً، الذهاب لجمعية "حيوا الرقص" وغيرها من المساحات المختلفة ليدرس ويتدرب، ولكن جيلنا لم تتوفر لديه هذه الفرص، حتى الأساسيات لتعلم الرقص لم تكن مُتاحة، يقال بالتونسي "ثمة أرواحنا لرواحنا، مهنة الرقص لم تكن موجودة منذ 30 عاماً ونحن اللي خلقناها". كل صباح كنت تسألين نفسك "أنتِ راقصة ولا أم ولا على شو بتركضي، وصراع داخلي مع نفسك كفنان عن ماذا بعد؟!، بينما لدى الشباب الراقصين الآن اتصالات بكوريغرافيين أجانب وفرصة لإقامة عروضهم بالخارج".

 يظل استخدام الجسد الراقص كوسيلة للتعبير الفني يُواجه بتحفظات مجتمعاتنا العربية.. إلى أي مدى يعاني الراقصون في تونس من هذه النظرة؟

أظن نحن تجاوزنا هذه النظرة إلى حد كبير في تونس، وساهم في ذلك إقامة فعاليات الرقص المعاصر في الفضاءات العامة والساحات مع الجمهور، فمثلاً مهرجان "دريم سيتي" تأسس عام 2007، كان من أول مهرجانات الرقص المعاصر التي تُقام في شوارع المدينة. وأعادت عروض هذا المهرجان وجود الفنان للشارع ليرقص وسط الناس، ليستطيع أي فرد من الجمهور أن يحكي ويتناقش معه حول الرقص، ومن ثم كسرت هذه الفاعليات بالمدينة الجدار الصعب بين الجمهور والرقص المعاصر واستخدام الجسد في التعبير الفني.

لكِ أن تتخيلي طفل عمره 8 سنوات، يبدأ مشاهدة الرقص المعاصر في الشارع، وتكررت مشاهدته له سنه تلو الأخرى، من المؤكد أنه لن يتعامل مع هذا الفن عندما يكبر بنظرة سلبية أو غريبة عليه. فمهرجانات الشارع حررت المواطن من صعوبات الحصول على تذكرة والذهاب للمسرح لمشاهدة عرض رقص معاصر، ولكن نحن كفنانين ذهبنا إليه.

"الجسد الراقص هو جسد اجتماعي وسياسي "انطلاقاً من رؤية الدورة الثانية لأيام قرطاج الكريوغرافية.. إلى أي مدى كان تأثير ثورات الربيع العربي على الإنتاج الفني للرقص المعاصر؟

بلا شك تم تقديم الكثير من العروض الكوريغرافية حول الثورة التونسية، ولكنها تظل محاولات أولية، الثورة لمست هؤلاء الفنانين ولكنهم مازالوا لم يشعروا بها بشكل حقيقي ليعبروا عنها ويقدموها للمشاهد.

لو هناك تأثير إيجابي للثورة التونسية على مجال الرقص المعاصر ستكون الحرية المتاحة الآن في تأسيس جمعيات لتعليم وتدريب الرقص المعاصر، بعد أن كان ذلك ممنوعاً تماماً في زمن الرئيس "بن علي"، وتستطيع هذه الجمعيات الفنية الحصول على تمويل وتنظيم فاعليات فنية وإنتاج عروض كوريغرافية، وهذا كله يُثري حركة الرقص المعاصر ويخلق حراكاً فنياً ثقافياً حولها.

 الرقص الشعبي التونسي مادة ثرية يتم استغلالها كثيراً في الرقص الحديث، ولكن ألا يُقلقك أن التأطير للتراث الفني أحياناً يشوهه؟

المشكلة ليست في تأطيره، وما يقلقني حقاً هو أن العمل على الرقص التونسي الشعبي من خلال البحث والدراسة لم يأخذ حقه حتى الآن. الفرقة الوطنية للفنون الشعبية قدمت عروض عظيمة برشا، وبدأت في تأطير هذا التراث الفني منذ السبعينيات ولكن اليوم نحن نقف في ذات المستوى لم نتطور خطوة، لدينا تراث يضيع من بين أيدينا، والمتخصصون فيه يموتون واحداً تلو الآخر، وآخرهم الفنان "رضا العمروسي"، لذا نطالب بتبني وزارة الثقافة مشروع الأرشفة الألكترونية لهذه الرقصات التونسية الشعبية المتنوعة جداً، من حيث الخطوات والإيقاعات التي لا تحصى، فمثلاً الجنوب التونسي يضم ألف جنوب من حيث الايقاع والرقصة والخطوة، يجب تسجيل هذا التراث، لا يفيدني اليوم مشاهدة راقص بالفرقة الوطنية يقدم رقصات موجودة منذ 50 سنة دون تجديد؟!

ما هو مشروعك القادم؟

نُجهّز الآن لعرض مع الكوريغراف المغربي "رضوان مرزيقا"، ونخضع لتدريب مكثف، ومن المقرر المشاركة بالعرض في مهرجان دريم سيتي للرقص المعاصر أكتوبر 2019.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard