اغتيال الذوّاقـة أو أزمة صحن "مفرّكة بطاطا" في المتحف

الاثنين 22 يوليو 201909:26 م

تنصحك مجلة "فوغ" هذا الشهر بأن تزور في العطلة قصر طوكيو إن كنت في باريس، فالمعرض المُقام هناك بعنوان "أميرات وأمراء المدن" هو الأهم ولا يمكن تفويته، هذه الدعاية لا تقتصر على فوغ، بل نراها في محطات الميترو والشوارع والباصات، كلها تروّج للمعرض و"المغامرة" الفنيّة التي يقدّمها.

كمتابع ومهتم تبحثُ قبل الذهاب للمعرض، تقرأ قليلاً، تطلع على أسماء الفنانين، لا تغامر في شيء لا تعرفه، خصوصاً أن غواية الإعلانات وسياسات التسويق ليست دوماً صائبة.

تتأنق بالقدر المستطاع، فثيابك جزء من دورك الجدي كزائر لمعرض فني، زائر يدّعي احترام قوانين العرض واللافتات التي تمنع اللمس، كونها العائق الوحيد الذي يقف بينك وبين لمس كل ما هو موجود من أعمال، هي الخط الفاصل والواضح بين "الفني" و"اليومي"، بين "المحمي من التخريب" وبين "أغراض الحياة اليومية" التي يمكن استبدالها أيضاً، قبل الدخول تتزود بعدّة الاستكشاف، تشتري الكاتالوج لتتابع النصوص حول الأعمال الفنية، و"المفهوم" وراء كل واحد منها.

حوّل المعرض طابقين من قصر طوكيو إلى مدينة مُتخيلة تدمج خمس مدن، "طهران، داكا، لاووس، مكسيكو سيتي، ومانيلا"، المكان أقرب إلى حي صفيح كبير تتداخل فيه الأعمال التي تنتمي لمختلف الوسائط الفنية، نحت، فيديو آرت، عمل تجهيز، لوحات..، هذا المزيج مُتعمّد من قبل متعهدي المعرض لخلق الإحساس بـ"روح المدينة".

تتفاوت أعمال الخمسين فناناً في "قيمتها" مع الأخذ بعين الاعتبار كل مفاهيم "القيمة" التقليدية والمعاصرة، تلك الموجودة داخل العمل وخارجه، فلا أحكام مسبقة على ما هو "راقٍ" أو "مبتذل"، ما هو "تافه" أو "عميق". لكن، وأثناء التجول الذي تختلف سرعته، بين المرور السريع و"التأمل"، تجد نفسك أمام صورة فوتوغرافية لـ"صحن مفرّكة بطاطا"، تقف، تتأمل، تشتم الفن المعاصر، وتعود للتأمل وتبحث في الكاتالوج عن الفنان الذي أنجز الصورة فلا تجده، لتنتقل بعدها لغوغل.

اسم الصورة "كتف"، نسبة لمصدر اللحم المستخدم في "الطبخة"، وهي جزء من سلسلة صور للطعام أنجزها الفنان الدنماركي سايمون ديبرو مولر عام 2013، والذي قال إنه اختار تصوير هذه الأطعمة لـ"صعوبة جعلها جذابة في الصور"، بعكس أنواع الأطعمة الأخرى، خصوصاً أن مصوري الطعام يقومون عادة باستخدام نماذج غير حقيقية، أو إضافة مكونات غير طبيعية لتظهر الصورة أوضح والأكلة "أشهى" وأكثر جاذبية.

تُفعّلُ ما تَعلمّتَه من تاريخ الفن، فـصور الطعام جزء من تقليد طويل في رسم وتصوير الولائم، فالعشاء الأخير لدافنشي هي وليمة، ولبول سيزان عدد من اللوحات التي تصور الطعام، حتى آندي وارهول وعبوات البازلاء الخاصة ومشاركته في فيلم و هو يأكل برغر كينج، كلها أعمال فنية يحضر فيها الطعام كموضوعة رئيسية، والآن، وصل الأمر حد الإعلان الذي يخلق صوراً غير واقعية للطعام كما في إعلانات ماكدونالدز، لكن، "مفرّكة البطاطا" هذه تثير الحفيظة بل والغضب أحياناً، هل أصبح على المشاهد العادي، من يبحث عن الترفيه وتحسين ذوقه، أن يأخذ دروساً في تاريخ الفنّ ليدرك جماليات صورة صحن مفرّكة البطاطا، أو عليه أن يقارنها بصور بورنوغرافيا الطعام التي تغزو الانستغرام؟

الذوق المرتبط بهذه الصورة، يتحرك بين المتعة الجمالية التي يخلقها العمل الفني، وتلك المتعة الحسية، التي تتعلق بالتذوق نفسه والرغبة بالالتهام، خصوصاً أن الصورة "الشهيّة"، تختلف عن لوحات المعلمين الأوائل، تلك التي لا يمكن بيعها أو شراءها، هي تصور ما يمكن فعلاً الحصول عليه، لا ذاك السماوي أو الرومانسي، الذي يتجاوز فيه الطعام معناه نحو معان أخرى.

ليست المرّة الأولى التي يحدث فيها ما هو مشابه، فالأمثلة التي شهدها القرن العشرون مشهورة وأشد ثورية، مباول، خراء، دماء حيض، سوائل منويّة، صالات فارغة، كلها قُدِّمت كفن وانتقدت المؤسسة الفنية، وحركت النظريات النقدية والجمالية، وتحول علم الجمال إلى صراع للاستقلال عن سطوة المؤسسة والسياسة وسوق الفن، بل والفن نفسه الذي أعاد النظر إلى ذاته وتاريخه.

مدينة مُتخيلة تدمج خمس مدن، "طهران، داكا، لاووس، مكسيكو سيتي، ومانيلا"، المكان أقرب إلى حي صفيح كبير تتداخل فيه الأعمال التي تنتمي لمختلف الوسائط الفنية، نحت، فيديو آرت، عمل تجهيز، لوحات... هكذا يطلب منّا معرض "أميرات وأمراء المدن".

تلاشت مراسلات ودفاتر الذواقة، وعوضاً عن كتب "الشعرية-poetics " التي تصنف الجماليات وتؤسس لها، أصبح هناك معايير نشر رقمية، تتغير دوماً وتحدد ما ينشر وما لا ينشر، كيوتوب الذي حذف الفيلم النازي"انتصار الإرادة" لأنه يحوي خطاب كراهيّة، وفايسبوك الي حذف لوحة "أصل العالم" لأنه فاحشة

أثناء التجول  في معرض "أميرات وأمراء المدن" الذي تختلف سرعته، بين المرور السريع و"التأمل"، تجد نفسك أمام صورة فوتوغرافية لـ"صحن مفرّكة بطاطا"، تقف، تتأمل، تشتم الفن المعاصر، وتعود للتأمل وتبحث في الكاتالوج عن الفنان الذي أنجز الصورة فلا تجده، لتنتقل بعدها لغوغل

انتحار صاحبـ(ة) الذوق

السؤال هنا يتعلق بحنين نوستالجي مرتبط بالذواقـة الارستقراطي الذي اختفى حالياً، ذاك القادر على "تذوق" العمل الفني، وتصنيفه ضمن مجموعته الخاصة، التي لا تُعرض للعوام، ولا يشتريها للتهرب الضريبي، والتي لا تصنف كفن منحط أحرقه النازيون في حديقة متحف الأورانجري في باريس كما فعلوا مع بعض أعمال بيكاسو.

صاحبـ(ة) الذوق هو السلطة الفنية الأعلى، العارف بتاريخ الفن، الذي سيرمي صحن البطاطا بوجه المصور الدنماركي، هو الذي تحضر ملامح من شخصيته عند الكاردينال بورغيزي (1577-1633) صاحب الفيلا الشهيرة في روما، والذي اقتنى لوحة لطبق يحوي رأس يوحنّا المعمدان لكارافاجيو، وأيضاً نرى ملامحه في شخص بول مارماتون (1856-1932)، الجامع الشهير لفنون الحقبة النابليونية الاستعمارية أو الإمبراطورية الأولى.

يحوي الحس النوستالجي السابق تناقضاً هائلاً بين السعي لتحطيم المؤسسة الفنية ومعاييرها، وبين الاحتفاء بلاعبيها الذين يحددون ما هو "الفن"، لكننا هنا نناقش الذوق، ذاك الذي يُربّى ويُدلل ويتعلّم، في ذات الوقت هو لا منطقي، هو معرفة ندركها ولا نستطيع تحديدها، يحركها تلقي العمل الفني.

هو الذي ينمو لنصل حد الذواقة، في ذات الوقت هو إشكالي كونه قد ينقلب لذوق سيء، فالذوق الرفيع، هو مجموع الأذواق السيئة التي نختبرها سابقاً حسب تعبير الشاعر الفرنسي فاليري، الأهم أنه لاعقلاني، ومن الصعب تبريره بدقة، فواحدة من الذواقة أنفسهم، مدام دو سفين (1626-1696)، صاحبة الصالون الأدبي والذواقة الشهيرة، وقعت في أزمة تتحدث عنها في رسالة كتبتها عام 1671، إثر قراءتها لواحدة من روايات لا كالبرونيد، فـبالرغم من "أسلوبه الفظ"، و"كلماته البشعة"، وجدت نفسها "مأخوذة كفتاة صغيرة" وإن لم تجد حلاً لإعجابها هذا "فقد تشنق نفسها".

هذا التناقض الذي وقعت به مدام دو سفين، يحيلنا إلى التهديد الذي يواجهه الذوق الرفيع، هو دائماً في سعي للحفاظ على طهرانيته من "السيء" الصفة التي نتردد دوماً في قولها، خصوصاً الآن، في ظل تغير شكل الفن، لكن ما يمكن إدراكه أن لحظة التذوق لا منطقية، تبدأ لا عقلانيةً يتلوها حس جمالي لا يفسر، ليعود العقل بعدها، وكأنها لحظة يمكن الإشارة إليها دون قدرة على الإحاطة بها.

يبدو التذوق الفني الجيد كحاسة سادسة، تتفاوت شدتها لكنها حاضرة، قادر على تحديد نقطة الكمال في أي عمل فني، وتذوقها، تلك النقطة المشتركة بين الناقد والمتلقي والفنان، التي يسعى ثلاثتهم لالتقاطها أو حتى الإشارة إليها، ومقتل الذواقة، بدأ منذ لحظة تلاشي هذه النقطة المتخيلة، نقطة الرغبة التي تحدق بالثلاثة السابقين ليتجاوزوا أنفسهم ضمن العمل الفني، الأهم أن سبب تلاشي هذه النقطة، إدراكنا لموقع العمل الفني في العالم وضمن تاريخ الفن، وتفكك تاريخه السياسي، وكيفية اكتسابه لقيمته، كذلك الاستنساخ اللامتناهي والصور المتكررة والمتدفقة دوماً أمامنا، جعلت صحن مفرّكة البطاطا صدى لتاريخ الولائم في الفن التشكيلي، صدى تكرر حتى تحول شكلاً مبتذلاً، إطاراً نتجاهله لنبحث عما هو بعده، وهنا تكمن أهميته، هو جزء من تراكم السيء لتذوق الآخر، ذاك الذي نظنه "رفيعاً"، إن وجد.

نحيب أخير

تلاشت مراسلات ودفاتر الذواقة، وعوضاً عن كتب "الشعرية poetics " التي تصنف الجماليات وتؤسس لها، أصبح هناك معايير نشر رقمية، تتغير دوماً وتحدد ما ينشر وما لا ينشر، كيوتيوب الذي حذف الفيلم النازي" انتصار الإرادة" لأنه يحوي خطاب كراهية، وفايسبوك الذي حذف لوحة "أصل العالم" لأنها فاحشة.

استبدل الذواقة بملايين المتابعين، اللذين لا يبحثون عن نقطة الكمال، بل يضغطون إعجاب، ويشاركون ويفلترون صورهم ويضعون قلوباً على الأعمال الفنية التي يرونها، وحل مكان "هالة" العمل الفني وميض الإعلانات والـ"ads" التي تظهر إن رغبنا بذلك أو لا، والأهم، أن لا منطق الذوق، استُبدل بمجموعة من الخوارزميات المنطقية، التي "تنصحنا" و تدلنا على ما هو مناسب لنا، الاختلاف، أن رجل الذوق السيئ سابقاً كان يعرف كل أنواع الفن ويشير إليها دون تحديد الأجمل.

وإن أخطأ في اختياره فالباقي متاح أمامه، لكن لو أن السيدة دو سفين اختارت أن تشاهد الفيلم المقتبس عن الرواية التي كرهتها، لتحولت الشاشات حولها إلى نصائح وإعلانات لما "هو مشابه" و"ينصح به"، ودخلت في دوامة من خوارزميات الذوق التي ستؤثر على كل ما يظهر أمامها من توصيات، بل ستتغير نتائج البحث في حاسوبها، ذات الشيء هنا، لو لم أتصور في قصر طوكيو مرة بعد أن حضرت معرضاً عن العناكب، وحددت مكاني واسم المعرض، لما كانت نتيجة البحث الأولى عن المعرض هي مقالة فوغ، التي نصحتني بالمعرض والذهاب لمشاهدة صحن مفركة البطاطا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard