فنٌّ وسحرٌ وسرقة...وجوهٌ متناقضة لحياة الغجر في مصر

الجمعة 12 يوليو 201903:38 م

لو لم يكن مجتمع الغجر منجماً للحكايات الشعبيّة لما شغل بال الأدباء والشعراء والقصّاصين، ولما أسال الكثير من الحبر طوال العقود الماضية، ولو لم يكن هذا المجتمع ثرياً بالغرائب والعجائب والفنّ لما تناوله الأديب الفرنسي "فيكتور هوغو" في روايته التاريخية أحدب نوتردام، وما عبّر عنه المؤلف والعازف الفرنسي الشهير "جورج بيزيه" في "أوبرا كارمن"، وما مجّده الروائي الروسي مكسيم غوركي في رائعته الأدبية "الغجر يصعدون للسماء" والتي تحولت إلى فيلمٍ يحاكي هذا العالم الساحر.

إن الغجر هم مجموعة من البشر يعشقون العيش بحرية بعيداً عن قيود المجتمع ومقصلة القانون، وعليه فإنه من الصعب تصنيفهم كجماعاتٍ سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو عقائديّة أو حتى جماعاتٍ تحلم بوطنٍ تعيش في كنفه.

لطالما اهتمّ المؤرخون والروائيون والباحثون وعلماء الأنثروبولوجيا وصنّاع السينما والدراما بحكايات الغجر وتقاليدهم ونمط حياتهم، نظراً لما تتمتع به هذه المجموعة من موروثٍ ثقافي واجتماعي وفني عظيم.

من هم الغجر، من أين جاؤوا وأين استقرّوا؟ ما هي عاداتهم وطقوسهم؟ هل يعيشون بمفردهم بسبب اضطهاد المجتمع لهم أم رغبةً منهم في العزلة؟ ما هي ثقافتهم ومصدر رزقهم؟ ولماذا شغلوا العالم بقصصهم؟

الصور النمطية والانتشار

عندما نسمع كلمة غجر أول ما يتبادر إلى الأذهان الصورة التقليديّة الراسخة عن تلك المجموعات الموسيقيّة الراقصة، أو هؤلاء القوم الذي يرتحلون من بلدٍ إلى آخر بحثاً عن لقمة عيشهم في الموالد الشعبية، لكن الاستمتاع بأشعارهم وقصصهم وموسيقاهم المميزة، لم يبدد عنهم الصورة النمطية التي تلاحقهم: أشخاصٌ همجيون، فوضويون، خارجون عن القانون لكونهم يعيشون على السرقة والترحال، ويكسبون قوت يومهم من السحر والشعوذة وقراءة الطالع، وغيرها من الصور السلبية التي ساهمت في تعزيزها الدراما والسينما العربية.

من أين أتى الغجر؟ تعتبر الكاتبة الأميركية "ايزابيل فونسيكا" بأن وطنهم يكمن في أيّ مكانٍ في العالم: "كل مكان يمكن أن يكون وطناً لهم".

هناك عدة روايات مرتبطة بأصل الغجر وانتشارهم في العالم، ويرجّح البعض أن تكون هذه الجماعات قد زحفت من الهند إلى شتّى بقاع الأرض، كما يذكر المؤرخ والباحث "جمال حيدر" في كتابه "الغجر ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب"، وذلك بعدما تعرّضت مناطق الغجر في جبال هندكوش وعلى سفح جبل بامبر، للغزو الممنهج والاضطهاد الدامي في مطلع القرن الثامن عشر.

بشكلٍ عام، ينقسم الغجر إلى قسمين أساسيين: "الدومر" الذي يعيش معظمهم في سوريا والأردن ولبنان وفلسطين ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والعراق وإيران والهند وتركيا وأفغانستان القوقاز وروسيا وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا، و"الرومن" الذين يتركّزون في أوروبا الشرقية، وفي حين أن ديانات الغجر في أوروبا وأميركا وأفريقيا هي المسيحية، فإن ديانتهم في آسيا هي الهندوسية وفي المنطقة العربية والبوسنة والهرسك هي الإسلام، بمعنى آخر فإن ديانة الغجر تختلف بحسب المجتمعات التي استقرّوا بها.

هاجر الغجر من الهند قاصدين مناطق متنوعة في قارات العالم الست، بعضهم فرّ إلى أوروبا ووسط آسيا، وبعضهم الآخر قصد إفريقيا والمنطقة العربية، وتقاسموا تفاصيل الحياة مع الكثير من الشعوب، أثروا فيها وتأثروا بها، وفي حين نجح البعض منهم في عملية الاندماج، فضّل البعض الآخر العزلة عن المجتمع، خاصة بعد سلسلة الأحداث الأليمة التي تعرض لها الغجر خلال السنوات الماضية، فالمجموعة التي عاشت في ألمانيا تعرّضت لانتهاكاتٍ من النازيين على يد "هتلر"، والذي قيل أنه قتل أكثر من 220 ألف غجري حرقاً في أفرانٍ شبيهة بمحرقة "الهولوكست".


صور مأخوذة من محمد السعيد

عادات وتقاليد

يعيش الشاب الغجري "أشرف نوري" في منزلٍ لا يشبه بيوت الغجر، كان قد أقامه على أطراف حيّ العمرانية في الجيزة، يؤكد أن الإعلام يحاول تشويه سمعة الغجر باستمرار: "نحن بشر عاديون ولسنا كائناتٍ فضائية هبطت على هذه الأرض، مصر فيها العديد من الأعراق والأديان والثقافات، فيها المسلم والمسيحي واليهودي وحتى البهائي، هذه البلاد تحترم معابد اليهود وكنائس الأقباط وجوامع المسلمين وترحب بجميع الأفكار، مصر احتضنت الروم والفرس والمماليك والعثمانيين والانجليز والفرنسيين، لكنها رفضت الغجر، رغم أننا مجتمع مسالم لا نريد سوى العيش بسلامٍ اجتماعي، لا نسبّب أزمات ولا ندخل في أي صراعاتٍ ونعتبر أنفسنا ضيوفاً في هذه البلاد".

وعن حياة الغجر ومشاكلهم في مصر، يقول "نوري" لرصيف22: "نعاني بعض المشاكل في العزلة، لكن هذا ليس اختيارنا، وإنما واقع فرضته علينا الظروف والمجتمع الذي يضطهدنا، نتزوج من بعضنا ونمنع الزواج من خارج الغجر لأننا مرفوضين من المجتمع، لا نشارك في الحياة السياسية لأننا مهمّشين، أما أولادنا فيخبئون أصلهم الغجري عن زملائهم في المدرسة خوفاً من التنمّر، ناهيك أن 98% من الغجر يعيشون في خيمٍ من القماش، يتنقلون فيها على أطراف القرى والمدن، ولا يهتمون بالتعليم ولا بالثقافة ولا بالفن الذي يمارسه هذا المجتمع، إذ لنا تعليمنا وثقافتنا وفننا الخاص والذي يلهث وراءه الجميع".

بالنسبة إلى مراسم الزواج عند الغجر فهي مختلفة وغريبة ومليئة بالطرائف، فالزواج قد يتم بين شابٍ وفتاة لم يبلغا بعد الرابعة عشر من العمر، إذ ليس هناك سنّ قانوني للزواج، بل يُفضل الغجر الزواج المبكر.

ومن شروط الزواج أن تحصل الفتاة على مهرٍ يكون عبارة عن قطعٍ ذهبيةٍ تعادل ما تتمتع به من مواهب، مثل الغناء والرقص وفن الحكاية وكشف الطالع والحرف اليدوية التي تجيدها، بالإضافة إلى الأعمال المنزلية، وينتهي حفل الزفاف بعد آذان الفجر، أما الزوج فلا يقترب من زوجته إلا بعد ليلة العُرس بأربعين يوماً، حتى لا يُصاب العروسان بمكروهٍ بحسب معتقداتهم عن اللعنة.

على أطراف مركز فاقوس في محافظة الشرقية في دلتا مصر، تواصلنا مع "نيرمين"، وهي فتاة غجرية سُميت بهذا الإسم تيمناً بالفنانة "نيرمين الفقي"، بحيث أنها ولدت في العام نفسه من عرض مسلسل "الليل وآخره" للفنان يحيى الفخراني، والذي جسّدت فيه الممثلة "الفقي" دور الراقصة "حسنات" التي يشبه أسلوب حياتها الغجر لكونها تترحّل بين الموالد والأفراح.


صور مأخوذة من محمد السعيد


وبالعودة إلى الشابة "نيرمين" فقد تزوجت العام الماضي من شابٍ غجري مثلها، وتكشف لرصيف22 عن بعض العادات الغريبة للغجر ونمط حياتهم: "المرأة الغجرية تحترف الفنّ أو السرقة أو تجيد أعمال الحرف اليدوية، لو احترفت السرقة تسمّى "قصاصة"، ولو أتقنت الرقص والغناء تسمى "ربابة"، ولو أجادت الحرف اليدوية وصناعة الزخارف تسمى "خزانة".

وتؤكد "نيرمين" أن المرأة الغجرية تلتزم بالعادات والتقاليد التي أقرّها الغجر، فلا مجال للحديث عن الزنا والخداع والغدر، أما السرقة فقد فرضتها طبيعة الحياة والترحال الدائم وليست مستباحة دائماً، إذ أوضحت أن السرقة عند الغجر لها قواعد صارمة، بحيث لا يمكن للرجل أن يسرق، على اعتبار أن هذا "العمل" من اختصاص المرأة لحين بلوغها سن الثلاثين، "ولهذا يفضّل الغجر إنجاب البنات أكثر من الصبيان"، على حدّ قولها.

وتشير "نيرمين" إلى أن قانون السرقة يخضع لحكم أسياد الغجر في القبيلة، فإذا سرقت المرأةُ غجريةً مثلها أو سرقت فقيراً أو عاجزاً، أو سرقت وهي ليست بحاجة للمال، تُعاقب بمعرفة كبار القبيلة، شارحةً ذلك بالقول: "في عُرْفِنا السرقة حلال لأن الكون كله ملك لله، وبالتالي لنا في هذا الكون مثل ما للجميع، ونعتبر كغجر السرقة تطبيقاً لمفهوم العدالة الاجتماعية".

وللغجر عادات اجتماعية غريبة من بينها أن يمرّ جسد الشخص المتوفى على حيوانٍ تم ذبحه لإطعام الأهالي، وبعدها يُدفن الميّت في رمال الصحراء، وفي الزواج يتعيّن على العريس أن يحلق شعره قبل التقدم لعروسته، هذا ولا يمكن رفض أي عريس تقدم لفتاة ما دام غجرياً، أما في النزاعات وعند الاحتكام لكبار القبيلة فإن الفائز يكون الطرف الأكثر ثراءً وليس صاحب الحق.

في عُرْفِنا السرقة حلال لأن الكون كله ملك لله، وبالتالي لنا في هذا الكون مثل ما للجميع، ونعتبر كغجر السرقة تطبيقاً لمفهوم العدالة الاجتماعية

البؤساء في مصر

لطالما تناولت السينما والدراما حياة الغجر وشوّهت سمعتهم وعزّزت من الأحكام المسبقة عليهم.

وعن هذا الموضوع، يصف "الشيخ غالب"، زعيم الغجر في مصر حالهم بالقول: "إنهم البؤساء على هذه الأرض"، مشيراً إلى أن الأعمال الفنية والأدبية التي تناولت حياتهم كانت قاسية وخادعة ولم تعكس الصورة الحقيقة للغجر، شارحاً ذلك بالقول :"الزنا غير مقبول إذ أن المرأة الغجرية التي تزني يتم قتلها، ويكون لقاتلها مكافأة وزن 1 كغم من الذهب الخالص، وفي حال تمكنت من الفرار فإن سفك دمها يكون حلالاً لكل غجري، أما تلك التي تقع في حب شخصٍ غير غجري يتم حبسها وعزلها لمدة 40 يوماً وتدق في كعبيها المسامير للعودة إلى صوابها".

ويكشف "غالب" أن قبائل الغجر في مصر ليست على تواصلٍ دائم مع بعضها البعض ولا يمكن تحديد أعدادها في مصر، فكل قبيلة لها شيخ كبير يفصل في نزاعاتها البسيطة عن طريق ما يسمى "مجلس المغارمة"، أما الاتهامات التي يوجهها الغجري لغجريٍ آخر وتتعلق بمسائل حياتية فيتم الفصل فيها من خلال "البشعة"، وهي طاسة معدن يتم تسخينها جداً ووضعها على لسان المتهم، فإذا تعرّض لسانه للجرح تثبت عليه التهمة، وإذا خرج لسانه سليماً تنفى التهمة عنه.

وعن القول السائد بأنهم قومٌ ملعونون لأنهم أبناء قابيل ابن آدم، صاحب أول جريمة قتل في تاريخ البشرية، يجيب الشيخ غالب: "هل لديك ما يثبت اننا أبناء قابيل الملعون بينما أنتم أبناء هابيل المجني عليه؟ وهل تذكرون اسم جدكم العاشر حتى تصدق روايات يؤلفها أصحاب عقولٍ مريضة عن نسب يمتد عشرات الآلآف من السنين؟

بالرغم من كل الكتابات التي حاولت تشويه صورة الغجر إلا أن الكاتب والروائي "أنيس منصور" قد أنصفهم من خلال مجموعة مقالاتٍ جمعها في كتابٍ واحد تحت عنوان "نحن أولاد الغجر"، يكشف من خلاله الكاتب كيف عايش هذه المجتمعات الغجرية لبعض الوقت، بعدما طردته والدته من المنزل وهو صغير في السن، فوجد مجتمع الغجر أكثر حريةً من المجتمعات الأخرى، وهو برأيه ما انعكس على ذوقهم الفني في الغناء والموسيقى والشعر وقص الحكايات الشعبية: "هناك نوعان من التشرّد، أن يجد الإنسان نفسه مشرداً بلا مأوى ولا سكن ولا أهل ولا احترام من أحد أو لأحد، ومن يختار أن يعيش مشرّداً حرّاً، فالمشردون أكثر حريةً، فلا بيت ولا سكن ولا أهل ولا جدران ولا سقف، وعددهم في الدنيا مائة مليون، ولو أضفنا إليهم الذين يعيشون كأنهم مشردون لصار عددهم ألف مليون".


صور مأخوذة من محمد السعيد

هناك نوعان من التشرّد، أن يجد الإنسان نفسه مشرداً بلا مأوى ولا سكن ولا أهل ولا احترام من أحد أو لأحد، ومن يختار أن يعيش مشرّداً حرّاً

هذا ويقول "منصور" أن السرقة ارتبطت بحياة الغجر منذ قديم الأزل وعندما سُئل الغجر لماذا يسرقون كان جوابهم: إننا كنا عند صلب المسيح فسرق جدنا الأكبر أحد المسامير التى كان يجب أن تُدَقّ في جسد المسيح، فخففنا عنه الألم، فقال لنا: افعلوا في دنياكم ما شئتم فقد عفوت عنكم، ومن يومها ونحن نسرق، فلا عقوبة لنا يوم القيامة، وهذا ما اعتبره الغجريون صك عفو وغفران إلى يوم القيامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard