كيف ننقذ أطفال ليبيا من شبح الموت المجاني فيها؟

الجمعة 12 يوليو 201912:47 م

ليبيا بلد ينجرّ سكانه نحو الإبادة، فوق مساحة بلد تَسَع صحراؤه الكبرى قبوراً لسكان نصف الكوكب تقريباً، فالجميع يشارك بتهوّرٍ غير محمود العواقب في حرب أهليّة، الجميع يعلم أنها حرب أهليّة، ما عدى الليبيّين للأسف، ومن عادة الحروب الأهليّة في إفريقيا تحديداً، استخدام الأطفال كمحاربين تارة وكدروع بشريّة تارة أخرى، لكن ولأن ليبيا ليست ككل العالم، كما وصفها هيرودوت عبر لعنة أنه من ليبيا يأتي الجديد، يموت أطفال ليبيا في هذه الحرب بوسائل أبشع من الحرب نفسها.

لا يمكن لشخص تخيّل قصص موت الأطفال في ليبيا خارج إطار أفلام الرعب الهوليوودية، فمن قصّة أبناء الشرشاري الثلاثة الذين ماتوا في قبو تحت الأرض، بعد اختطفتهم مجموعة مسلّحة عنوةً من بين أيدي والدتهم، وبقي الجميع يبحث عنهم لما يقارب العامين، قبل أن تكتشف الأم المفجوعة جثث أطفالها ميّتة بطريقة مرعبة، كونهم ماتوا جوعاً.

لا يمكن لشخص تخيّل قصص موت الأطفال في ليبيا خارج إطار أفلام الرعب الهوليوودية

أبناء الشرشاري ماتوا جوعاً بعد شهر من اختطافهم، بينما بقيت والدتهم تبحث عنهم لمدّة سنتين، القصّة المختصرة هنا أبشع من أن نزيد فيها حرفاً واحداً.

وفي الجنوب قبل أسبوع، ماتت "لجين"، تحديداً في مدينة الكفرة حيث ترتفع درجات الحرارة إلى أرقام خياليّة، فتفرّ الأفاعي والثعابين داخل المنازل بحثاً عن الظل، ليلدغ عقرب يد الفتاة، ويسرع بها والدها المكلوم بوفاة زوجته وابنه بعد سقوط جدار بيته فوقهما، ليكتشف أن المستشفى القابع في منتصف الصحراء لا يمتلك مصلاً مضاداً لسم العقرب، وتموت لجين.

وهذه قصّة أخرى مختصرها أن بلداً تصرف فيه الحكومات المتلاحقة مليارات الدولارات لدفع مرتبات أعضاء ميليشيات غير نظامية تعيث في البلد فساداً، يسكن فيها مواطن في بيت آيل للسقوط ليفقد نصف عائلته، وبعد أسابيع يؤدي الفساد الطبي والسرقة المنظمة للمال العام إلى وفاة ابنته الوحيدة، في بلد العقارب هي الكائنات الوحيدة التي تستطيع النجاة من الموت على ما يبدو.

موت الأطفال بسبب لدغات العقارب في الجنوب الليبي قصة متكرّرة، لم تثر انتباه أحدٍ رغم أن عدد المصابين بلدغات العقارب في مدينة أوباري في يوم واحد فقط مثلاً، قد سجل سنة 2017 رقماً قياسياً بعدد 40 حالة.

ولا يزال الجميع يحاول الفرار من الموت، لكن في ليبيا يفر الأطفال منه إليه

وفي العاصمة طرابلس، حيث الموت أيضاً لا يترك الأطفال، وفي نفس الشهر تقريباً، يسقط بيت في منتصف المدينة تماماً، ويموت طفلان لا يتجاوز أعمارهما 10 و15 سنة، بسبب إهمال بلدية المدينة التي تعلم منذ أكثر من عشر سنوات، أن كل المباني في المنطقة التي بناها الطليان في عصر بالبو قبل ستين عاماً، آيلة للسقوط، لكن وفي اختصار للقصة أيضاً، لم يفتح أحد ملف هذه المنازل المتهالكة، ليقرأ أن العائلات التي تسكنها يجب أن تترك المكان، حتى لا يموت لأحد.

في تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف، ذكر أن 40% من أطفال ليبيا تعرّضوا لانتهاكات عنيفة منذ 2011، منهم 217 ألف طفل في طرابلس وبنغازي وحدهما، ويحتاج هؤلاء لدعم نفسي واجتماعي، لكن الشيء الأخطر هو مشاركة كثير من الأطفال في الحروب كأعضاء في الميليشيات المسلّحة، طمعاً في مرتبات يمنحها قادة الميليشيات والتي تنال أموالها من خزينة الدولة نفسها، لشراء ذمم أطفال بمائة ومائتي دولار فقط، لقتل أطفالٍ على الجانب الآخر من الحرب الليبية الأهلية.

موت الأطفال بسبب لدغات العقارب في الجنوب الليبي قصة متكرّرة، لم تثر انتباه أحدٍ رغم أن عدد المصابين بلدغات العقارب في مدينة أوباري في يوم واحد فقط مثلاً وصل إلى 40 حالة عام 2017 
الأطفال في ليبيا هدف للمجرمين، الميليشيات، القذائف الطائشة والمجتمع المهمل أيضاً... ما يحدث في ليبيا هو إجرام يمكن توقعه بسبب فوضى الحرب الأهليّة

ففي قصّة أخرى، جندّت منظمة مجتمع "مدني" تنشط في طرابلس، الطفل عبد المنعم ضويلة البالغ من العمر 16 سنة وقت تنفيذه لعملية انتحاريّة في سرت، ونجحت المنظمة غير الربحيّة في ظاهرها في تجنيد أكثر من 15 طفلاً آخر، ليتوجهوا للقتال إلى جانب تنظيم جيش الدولة الإسلامية "داعش"، بينما لا يزال إلى اليوم أعضاء المنظمة يوزعون مناشيرهم التحريضيّة ضد قيم الحياة نفسها، في جامعة طرابلس وبين الشباب المراهق في الثانويات والمدارس الإعدادية.

الأطفال في ليبيا هدف للمجرمين، الميليشيات، القذائف الطائشة والمجتمع المهمل أيضاً، وهذه قصّة يستحيل اختصارها في مقال واحد، لكن ما يمكن قوله هنا هو إن ما يحدث في ليبيا إجرام يمكن توقعه بسبب فوضى الحرب الأهليّة، لكن أن يتم الزج بالأطفال بهذا الشكل السخيف في معمعة الموت المجاني، يدفع المرء أحياناً للتفكير في طريقة لإخراج أطفال ليبيا جميعهم منها، لإنقاذهم من شبح الموت المجاني هناك، وهذه قصّة أخرى حدثت فعلاً عندما قام والد طفل ليبي مريض قبل سنوات، بركوب البحر في قارب لا يسع أكثر من شخصين متجهاً نحو أوروبا، بحثاً عن حياة أخرى لم يجدها في ليبيا لطفله.

ولا يزال الجميع يحاول الفرار من الموت، لكن في ليبيا يفر الأطفال منه إليه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard