الجميع تحت النظر... العقوبات تلاحق مستخدمي فيسبوك في مصر

الخميس 11 يوليو 201907:16 م

بدأ المجلس الأعلى للإعلام في مصر بتوسيع دائرة رقابته لتتخطى المؤسسات الصحافية والقنوات الفضائية، وتصل إلى الصفحات الشخصية لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، تحت بند قانوني يُقر بمعاملة مَن لديه 5 آلاف متابع فأكثر مثل المؤسسات الصحافية.

تجلى هذا التوسع في الرقابة بقرار المجلس الأعلى للإعلام آخر شهر حزيران/ يونيو الماضي توقيع عقوبات على الصحافييْن أحمد درويش (تغريمه 10 آلاف جنيه، أي حوالي 560 دولاراً)، ووجيه الصقار (تغريمه 15 ألف جنيه، أي حوالي 890 دولاراً)، وإلزامهما بكتابة اعتذار على حسابيهما الشخصيين، وهي قرارات عاد المجلس لتجميدها وحفظ التحقيقات فيها بعد ضغط من نقابة الصحافيين ورابطة النقاد الرياضيين.

جاء القرار الصادر بحق درويش بناءً على شكوى قدمها اتحاد الكرة المصري، بسبب نشره معلومات عن شبهات فساد مالي فيه، وهي المعلومات التي ترددت بعد ذلك على نطاق واسع في صحف ومواقع عدة، بعد خروج مصر من بطولة كأس الأمم الإفريقية، واستقالة أعضاء اتحاد الكرة.

"النقد جزء من مهنتنا"

"النقد جزء من مهنتنا، من واجبنا أن تكون لدينا رؤية نقدية ورأي حر، وإلا سنتحول إلى آلات كاتبة، نحن نعيش في عالم مفتوح، لا حدود فيه للمعلومة ولا سقف لها، ومهما يحاول البعض تجميل صورة ما سيكشف غيره حقيقتها".

هكذا علق الصحافي في جريدة الفجر المصرية أحمد درويش لرصيف22، عقب توصيف المجلس الأعلى للإعلام لما كتبه بأنه "إثارة للبلبلة ونشر للشائعات"، بدعوى نشر معلومات مغلوطة عن نظام بيع تذاكر كأس الأمم الإفريقية.

وتسري لائحة الجزاءات والتدابير الصادرة عن المجلس الأعلى للإعلام على الصفحات الشخصية التي يزيد عدد متابعيها على 5 آلاف، والمواقع الإلكترونية، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية. وتشمل العقوبات الحجب أو منع النشر، وغرامات مالية تصل إلى 5 ملايين جنيه (حوالي 300 ألف دولار) لدى مخالفة الأعراف المكتوبة، أو النظام العام أو الآداب العامة، أو تكدير السلم العام، أو الإساءة إلى مؤسسات الدولة، أو الإضرار بمصالحها العامة، أو إهانة الرأي الآخر، أو نقل المعلومات من مواقع التواصل الاجتماعي دون التحقق من صحتها، أو استضافة شخصيات غير مؤهلة.

وأضاف درويش أن "القرار، رغم أنه يبدو وكأنه يتناول شكوى بعينها، لم يكن يستهدفني شخصياً، بل جاء مبرراً لاستهداف المتنفس الذي تبقى لنا للتعبير عن آرائنا في مواقع التواصل الاجتماعي".

القرار ضد الصحافي في جريدة الفجر لم يكن الأخير، بعدما لحقه قرار آخر بتغريم الصحافي في جريدة الأهرام الحكومية وجيه الصقار 15 ألف جنيه (حوالي 890 دولاراً)، بعد نشره على حسابه الشخصي على فيسبوك منشورات ينتقد فيها سياسات وزارة التعليم، وهو ما اعتبره نائب الوزير "سباً وقذفاً خارج إطار النقد"، على الرغم من أن عدد متابعي الصحافي على الموقع لا يصل إلى الحد المقرر في القانون.

القراران، وفقاً لعضو مجلس إدارة نقابة الصحافيين المصريين محمد سعد عبد الحفيظ، شابتهما مخالفات قانونية عدة، من بينها فرض عقوبة دون التحقيق مع المشكو، ودون استدعاء ممثل للنقابة، فضلاً عن تجاوز المجلس الأعلى صلاحياته القانونية في هذا الإطار، والتعدي على صلاحيات جهات أخرى.

وتنص المادة 18 من القانون 180 لسنة 2018، وهو قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى للإعلام، على أن يُساءل الصحافي أو الإعلامي تأديبياً أمام نقابته، إذا أخل بواجباته المنصوص عليها في هذا القانون أو في ميثاق الشرف المهني، وفقاً للأحكام المنصوص عليها في قانون النقابة، دون الإخلال بحق المؤسسات الصحافية والإعلامية في تطبيق اللوائح المنظمة للمساءلة التأديبية للعاملين فيها.

تخوّف من تأويل المنشورات

حالة الرقابة هذه لا تستهدف الصحافيين فقط. عاصم درويش، مسؤول إحدى الشركات المتخصصة في مجال التواصل الاجتماعي، بات أيضاً متخوفاً من تأويل منشوراته على صفحته الشخصية على أنها أخبار، خاصة أن عدد متابعيه يتعدى 5 آلاف، ما يضعه تحت طائلة القانون.

ويقول لرصيف22: "حسابات التواصل الاجتماعي وغيرها مفترض أن تكون مساحات خاصة بكل شخص، الآن أصبحت أكتب المنشورات ثم أحذفها، وأحياناً أعدلها وأعيد صياغتها، خوفاً من أن تكون ذريعة لمخالفة قانونية أو أن تصنفها جهة ما إثارة بلبلة ونشر شائعات".

"أصبحت أكتب المنشورات ثم أحذفها، وأحياناً أعدلها وأعيد صياغتها، خوفاً من أن تكون ذريعة لمخالفة قانونية أو أن تصنفها جهة ما إثارة بلبلة ونشر شائعات"... عن خوف المصريين من الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي
المجلس الأعلى للإعلام في مصر غرّم اثنين من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وألزمهما بكتابة اعتذار على حسابيهما الشخصيين، ثم عاد وجمّد العقوبة بعد تدخل نقابة الصحافيين... ما الذي يجري؟

المحامي في المفوضية المصرية للحقوق والحريات، والباحث في المرصد المصري للصحافة والإعلام، نور فهمي، يبيّن أن الرقابة على الصحافة والإعلام قبل تأسيس المجلس الأعلى للإعلام كانت أخف وطأة. لم يكن هناك حبس في قضايا النشر، أو إغلاق للصحف وحجب للمواقع بقوة القانون.

ويشير إلى أن القانون الحالي شمل اتهامات مطاطة، من بينها تكدير السلم العام ومخالفة النظام والآداب العامة، وقد تكون ذريعة لوضع الجميع تحت طائلة العقوبات.

ويلفت كذلك إلى أن القانون أضاف الغرامات المالية كعقوبات في قضايا النشر، وهذا ما بات وسيلة تهديد لكل الصحافيين، موضحاً: "ما يجب أن يحكم الصحافي في عمله هو التزامه بما ورد في ميثاق الشرف الصحافي، وليس أي قواعد أخرى".

ما يحدث، وفقاً لرؤية عضو مجلس إدارة نقابة الصحافيين المصريين محمد سعد عبد الحفيظ، هو جزء من سياق عام يستهدف حصار الصحافيين في كل المنافذ وقوننة الوسائل الرقابية السابقة، مذكراً بأن الدولة بدأت في حجب المواقع الإلكترونية قبل شهور طويلة من صدور القانون الذي يتيح الحجب كعقوبة جزائية.

ويضيف عبد الحفيظ: "على رأس الأدوات المستخدمة في هذا الإطار منح صلاحيات غير قانونية للمجلس الأعلى للإعلام، من خلال مواد مثيرة للجدل في قانون الصحافة والإعلام، مع تطبيق لائحة جزاءات تتناقض مع الدستور".

وأصدر المجلس الأعلى للإعلام عدداً من العقوبات ضد المؤسسات الصحافية، إذ غرّم صحيفة المصري اليوم 150 ألف جنيه (حوالي 9 آلاف دولار)، بسبب نشر مقال يشير إلى حشد الدولة للمواطنين في الانتخابات الرئاسية. كما أصدر قراراً بحجب صحيفة المشهد 6 أشهر وتغريمها 50 ألف جنيه (حوالي 3 آلاف دولار) بدعوى نشرها صوراً إباحية.

وفي حزيران/ يونيو الماضي، انسحبت جريدة التحرير من المشهد بإعلان الإغلاق بعد فشل محاولاتها في التواصل مع الجهات المعنية لرفع الحجب المفروض على موقعها الإلكتروني منذ أيار/ مايو الماضي.

وبحسب المرصد المصري للصحافة والإعلام، أصدر المجلس منذ آذار/ مارس الماضي 86 قراراً عقابياً على وسائل إعلام وعاملين في المجال الإعلامي، بينها 29 قراراً بإيقاف برامج ومذيعين، و18 إحالة للتحقيق الإداري، و10 غرامات مالية، و7 إنذارات و14 لفت نظر، و4 قرارات منع من الظهور، كما وصل عدد المواقع المحجوبة في البلاد إلى 513 موقعاً على الأقل.

وفي أيار/ مايو الماضي، أقام ضياء رشوان بصفته نقيباً للصحافيين دعوى أمام القضاء الإداري للطعن على لائحة الجزاءات والتدابير التي أصدرها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وأوضحت الدعوى أن اللائحة تضمنت جزاءات وعقوبات جائرة، ساعية لاغتصاب سلطة نقابة الصحافيين التي يمثلها نقيبها في التحقيق مع أعضائها وتأديبهم، كما شملت موادَّ تشكل اعتداء على حرية الفكر والرأي، والتعبير بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل النشر، إضافة إلى أنها تعطي المجلس سلطة فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام، أو مصادرتها، أو وقفها، أو إغلاقها، وتجيز توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية.

على الرغم من انتهاء قضيتي الصحافيين بحفظ الشكوى بشكل ودي، فإن القانون سيبقى تهديداً للأفراد، بغض النظر عن كونهم صحافيين. ويبقى المجلس الأعلى للإعلام حاضراً لتنفيذه في التلفزيون والجرائد والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard