"النظام يريد السيطرة الكاملة على المجتمع"... عن أنشطة الجيش المصري الاقتصادية

الخميس 11 يوليو 201901:57 م

إيرادات الجيش المصري لا تخضع للضرائب، موارده الاقتصادية لا تمر عبر خزانة الدولة، أنشطته الاستثمارية لا تخضع لرقابة الأجهزة الرقابية أو القضائية، وعمّاله لا يتقاضون أجوراً تنافسية، فهم جنود، كما أن المشاريع تُسند إليه دون تنافس مع القطاع الخاص.

هكذا هو الحال مع القوات المسلحة المصرية التي تصل بعض تقديرات ما تسيطر عليه من الاقتصاد إلى 60%. وعادت في الأيام الماضية إلى الأذهان قضية نشاطاتها الاقتصادية، بعد الإعلان عن تأسيس شركة "دابسي" للنقل الذكي والتي ستنافس شركات "أوبر" و"كريم" و"سويفل".

الشركة التي تضم المتحدث العسكري السابق محمد سمير بين أعضاء مجلس إدارتها، كما تضم عاملين سابقين في مشروعات اقتصادية تابعة للجيش سارعت إلى إصدار بيان أشارت فيه إلى أنها ليست مملوكة من القوات المسلحة.

نفت "دابسي" علاقتها بالجيش، وقالت إن تعيين المتحدث العسكري السابق يأتي لكونه "خبيراً" في التنمية البشرية، ونسبت ما شاع عن علاقتها بالجيش إلى "أهل الشر"، وهو نفس المصطلح الذي يطلقه رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي على معارضيه.

رغم نفي الشركة علاقتها بالجيش، استمر الحديث عن النشاطات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، خاصة أن "مؤسسات سيادية" أخرى أسست شركات بشكل غير مباشر، عبر انتداب موظفين أو موظفين سابقين للعمل فيها، مثل جهاز المخابرات العامة الذي سيطر على شركات الإنتاج التلفزيوني والقنوات الفضائية والإذاعات وبعض الصحف الورقية والإلكترونية.

الاقتصاد العسكري

بدأ مصطلح "عسكرة الاقتصاد" بالظهور مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، إثر التوقيع على اتفاقية السلام مع إسرائيل، واتجاه الجيش إلى العمل في الأنشطة المدنية، وتأسيسه "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" عام 1979.

إيراداته لا تخضع للضرائب، موارده الاقتصادية لا تمر عبر خزانة الدولة، أنشطته الاستثمارية لا تخضع لرقابة الأجهزة الرقابية أو القضائية، وعمّاله لا يتقاضون أجوراً تنافسية، فهم جنود... تجدد الحديث عن "اقتصاد الجيش المصري"
عادت في الأيام الماضية إلى الأذهان قضية نشاطات القوات المسلحة المصرية الاقتصادية، بعد الإعلان عن تأسيس شركة "دابسي" للنقل الذكي والتي ستنافس شركات "أوبر" و"كريم"

تقدير قوة الاقتصاد العسكري في مصر أمر يقارب المستحيل. الفروق الكبيرة في التقديرات المنشورة تؤكد ذلك. عام 2014، ذهبت الصحافية أبيغال هوسلونر في تقرير لصحيفة الغارديان إلى أن الجيش يسيطر على ما بين 40% و60% من الاقتصاد القومي في مصر.

ولكن السيسي نفى التقديرات المرتفعة عام 2018، وقال: "أنا بتكلم في 2%، في 3%... لا 10 ولا 15 ولا 20 ولا 50. إحنا داخلين في قطاع زي المواد الغذائية بنسبة بسيطة جداً نضبط بيها السوق. ننزّل فراخ عشان نهدي السعر شوية. ننزل لحوم عشان نهدي السعر شوية".

في السابق، بقي عمل الجيش في المؤسسات الاقتصادية محصوراً في بعض الصناعات الغذائية والكهربائية، ولكن بعد ثورة 25 يناير 2011، وعودة الجيش إلى المشهد السياسي بقوة، توسعت سيطرته على القطاعات القديمة وبدأ بالعمل في قطاعات أخرى.

عام 2015، أسس الجيش شركات الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية، والوطنية للبطاريات، والوطنية للتبريدات والتوريدات، والوطنية للرخام والغرانيت. وعام 2016، أسس الشركة المصرية للرمال السوداء، والوطنية للزراعات المحمية، والوطنية لاكتشاف وتنمية البترول. وعام 2017، أسس الشركة الوطنية للمعارض والمؤتمرات الدولية، والوطنية لخدمات الاتصال، والوطنية للإنتاج الحيواني، وشركة شلاتين للثروة المعدنية، وقطاع أنشاص الزراعي، وقطاع الدلتا الإقليمي، كما استحوذ على 82% من رأسمال شركة صلب مصر.

لا يقتحم الجيش القطاعات الاقتصادية عبر جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وحده، بل عبر ذراع أخرى هي الهيئة الهندسية للقوات المسلحة. ولا توجد إحصاءات محددة تتعلق بمشروعات هذه الهيئة، لكن في العام 2017، وبحسب المتحدث العسكري الرسمي، أسندت الحكومة المدنية للجهاز العسكري 44 مشروعاً كبيراً، موزعة بين إنشاء طرق وجسور وبناء مدارس ومقار حكومية ووزارية ومنتجعات سياحية.

أما عام 2018، فقال المتحدث العسكري إنه تم إسناد 310 مشاريع للهيئة الهندسية بكلفة 195 مليار جنيه مصري، في قطاعات الثروة السمكية والمناطق الصناعية.

هيمنة أم تفكير عملي؟

بالعودة إلى ما قاله السيسي العام الماضي، قال: "أنا النهاردة عايز الكوبري ده بدل ما يقعد 4 سنين و5 سنين… يتعمل في 6 شهور وسنة". وفي مناسبة أخرى، قال إن "القوات المسلحة دي الدولة. والدولة دي من ضمن أجزائها القوات المسلحة. يا ريت القوات المسلحة كانت تمتلك 50% من اقتصاد مصر".

تعليق السيسي على تدخل المؤسسة العسكرية في اقتصاديات البنى التحتية يلخص رؤية نظامه للأمر برمته: نريد العمل السريع المتقن، دون إهدار الوقت على الإجراءات التقليدية وانتظار القطاع الخاص ليقدم عروضه. الجيش سيقوم بالمهمة، والجيش معروف بالانضباط في الوقت وجودة التنفيذ.

تعليق السيسي على تدخل المؤسسة العسكرية في اقتصاديات البنى التحتية يلخص رؤية نظامه للأمر برمته: نريد العمل السريع المتقن، دون إهدار الوقت على الإجراءات التقليدية وانتظار القطاع الخاص ليقدم عروضه. الجيش سيقوم بالمهمة، والجيش معروف بالانضباط في الوقت وجودة التنفيذ.

هذا الأمر يؤكده مصدر عسكري يعمل في أحد مشاريع الجيش في مدن قناة السويس. يقول لرصيف22 إن "المجلس العسكري تسلم البلد بعد مبارك ليجد أن الاقتصاد غارق في الفساد، خاصة في علاقة الدولة بالقطاع الخاص. وزاد الأمر سوءاً بسبب الإضرابات والاعتصامات الفئوية وتعطلت عجلة الإنتاج في الدولة. هنا كان أمامنا وضع يقول إن على القوات المسلحة التدخل والإنفاق من ميزانيتها الخاصة ودعم المشروعات والاستثمارات".

ويضيف المصدر: "أنت لا تستطيع إجبار القطاع الخاص على أن ينتهي من مشروع لشق طريق ضخم في فترة وجيزة، لكنك تستطيع ضمان أن القوات المسلحة ستنهيه في نصف المدة وبتكلفة أقل. باختصار البلد لا يملك رفاهية طرح المناقصات وانتظار العروض المختلفة. نريد العمل بأسرع وقت".

من جانب آخر، يرى الباحث في الاجتماع السياسي علي الرجّال أن تدخل الجيش في القطاعات الاقتصادية هو جزء أساسي من استراتيجية الدولة في "الاستحواذ الكامل". ويقول لرصيف22 إن "النظام يريد السيطرة الكاملة على المجتمع من خلال أداتين، الجيش المسيطر على إدارة الدولة واقتصادها، ووزارة الداخلية التي تعمل على ضبط المجتمع. هذه استراتيجية أساسية بالنسبة للنظام لا يقبل المناورة بها".

ويضيف: "هامش المناورة في هذه المعادلة يأتي في كيفية تنفيذها مع تحقيق توازن مع الأجنحة الاقتصادية الأخرى، هنا مثلاً نجد أنه لا يصطدم بالاستثمار الأجنبي، بل يسعى إلى مشاركته وأحياناً يتنازل عن استثمارات كبيرة لصالحه".

حل للأزمات أم توظيف لها؟

فرضت الشهور التي سبقت قرار تعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016 صعوبات جمّة على الاستيراد من الخارج، إذ فرض البنك المركزي قيوداً على صرف الدولار، وبالتالي توقف استيراد العديد من المنتجات، بداية من سلع الرفاهية وانتهاءً بالمحاليل والمعدات الطبية.

قبل شهرين من تعويم العملة المحلية اختفى حليب الأطفال المدعم من الأسواق، وهو ضروري في حالات طبية خاصة، الأمر الذي دفع مئات الأمهات إلى التظاهر عدة مرات مطالبات الحكومة بتوفيره في الصيدليات. بدأت تظهر حالات مرضية بسبب سوء التغذية، ثم أصدر وزير الصحة حينها بياناً قال فيه إن القوات المسلحة اشترت بالفعل 30 مليون عبوة من حليب الأطفال ووضعت عليه شعار القوات المسلحة استعداداً لطرحها في الأسواق.

في نفس الوقت، أصدر المتحدث العسكري بياناً قال فيه إن قرار القوات المسلحة باستيراد حليب الأطفال جاء رداً على "احتكار الشركات المستوردة لألبان الأطفال للمغالاة في أسعارها".

بعد أيام، عادت عبوات الحليب إلى الأسواق، إنما بعد قرار إداري برفع أسعار الحليب المدعم بنسبة 40%، ورفع أسعار الحليب غير المدعم بنسب تتراوح ما بين 15% إلى 30%.

يستنتج البعض من ذلك أن القوات المسلحة باتت تمثل القطاع العام الذي يتدخل لحماية الدولة من جشع القطاع الخاص، ولكن البعض الآخر لا يرى في ما يجري سوى تطويع للأزمات لتخدم أهداف المؤسسة العسكرية.

الرجّال يرى أن الأمر في المنتصف بين الرأيين. يقول لرصيف22 إن "القوات المسلحة تدير هذا التوازن بدأب ودقة"، ويضيف: "لنأخذ مثلاً أزمة حليب الأطفال، أو أزمة غياب أصناف دوائية مختلفة. دأبت القوات المسلحة على اقتحام الاستثمارات المتعلقة بهذه السلع، وفي نفس الوقت استطاعت توفيرها وإنهاء الأزمة كلياً... وبالتالي يلقى هذا التدخل قبولاً لدى شرائح واسعة باعتباره يعطي الأفضلية للدولة على حساب القطاع الخاص".

القبول الاجتماعي بالتدخل العسكري في الاقتصاد يمكن ملاحظته أمام منافذ البيع الثابتة والمتحركة التابعة للجيش، والتي تعرض منتجات غذائية أرخص من المنتجة محلياً من قبل شركات خاصة أو تلك المجمدة والمستوردة من الخارج.

لكن يبقى هذا كله محصوراً في دائرة اقتصادية مغلفة لا تخضع لحرية تداول المعلومات، ولا النقاش المجتمعي، ولا الرقابة التشريعية أو القضائية، وكذلك لا تتصل بالمنظومة الضريبية أبداً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard