"أول ميثاق صريح بين رجل السياسة ورجل الدين"... قصة الوهابية منذ اللقاء المؤسس

السبت 20 يوليو 201904:06 م

كرس خطاب جزء كبير من الوسائل الإعلامية فكرة الارتباط بين الوهابية والفكر الوهابي وبين ما تمارسه بعض التيارات الجهادية من تطرف وإرهاب، ما ساهم في تصنيفها فرقة دينية متطرفة.

ولكن فيما يعتبر البعض هذه الحركة العباءة التي خرجت منها معظم الجماعات المتطرفة، يرى فيها البعض الآخر حركة إصلاحية دينية. ولعل الانقسام الحاد حولها يستدعي النظر في نشأتها وجذورها وانتماءاتها الفكرية والعقائدية وصولاً إلى أسباب انتشارها وتأثيرها على ما اصطُلح على تسميته لاحقاً بالإسلام السياسي.

من العيينة إلى الدرعية… اللقاء المؤسِّس

ربما لا نستطيع قراءة الوهابية خارج سيرة مؤسسها محمد بن عبد الوهاب، البدوي النجدي الذي سطر مذهباً شكّل أعتى الأصوليات الدينية في منتصف القرن الثامن عشر، وظلّ حاضراً وبقوة حتى الآن.

نشأ محمد بن عبد الوهاب (1703- 1791) في بلدة تُسمى العيينة في نجد، وتعلم دروسه الأولى فيها على يد رجال دين من الحنابلة، ثم سافر إلى المدينة ليُتم تعليمه ومن هناك طاف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، بحسب ما ذكر تلميذه المؤرخ والفقيه المعروف حسين بن أبي بكر بن غنام في كتابه "تاريخ نجد". 

بعد نهاية رحلته العلمية، عاد ابن عبد الوهاب إلى العيينة، وبدأ نشر دعوته القائمة على فكرة "التوحيد" (مبدأ توحيد الألوهية في العقيدة الإسلامية) للقضاء على كل مظاهر التبرك والتوسل بالنبي وآل البيت والأولياء الصالحين لدى المسلمين، وما يتصل بذلك من بناء الأضرحة والقباب والمساجد فوق قبورهم.

وبات أساس عمله، بحسب ما صرح ابن غنام، الحزم والشدة في العودة إلى العقيدة الإسلامية الطاهرة كما كانت في عهد النبي والسلف الصالح، ونبذ "الشرك" ومحاربته بكل الوسائل الحازمة. لذلك أفتى بهدم الأضرحة وكل ما كان يُقدَّس لاعتقاده بأن هذه الممارسات التي وصفها بالشرك اخترقت الجزيرة العربية نفسها، وعلى رأسها تقديس القبُور والأضرحة والأشجار والأحجار والتبرّك بها وذبح القرابين على أعتابها.

أثارت دعاوى وفتاوى ابن عبد الوهاب هذه حَنَق بعض القبائل، فهاجمه أبناؤها وطردوه من العيينة ليخرج منها إلى الدرعية، وكانت وقتذاك تحت حكم محمد بن سعود. هناك جرى التحالف بين ابن عبد الوهاب وابن سعود، وعقد الرجلان ميثاقاً سُمي بـ"ميثاق الدرعية".

روى ابن غنام في كتابه "تاريخ نجد" تفاصيل هذا الميثاق وكتب: "أراد ابن سعود أن يكون بينه وبين صاحب الدعوة عهد وميثاق، فقال له: 'يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشرط عليك شرطين اثنين: الأول: نحن إذا قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا، الثاني: إن لي على الدرعية قانوناً آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئاً'. أجاب الشيخ: 'أيها الأمير أما الأول فابسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثاني فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات، فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها'".

رأى حاكم الدرعية في التحالف مع ابن عبد الوهاب فرصة ذهبية لكي يوطد حكمه عن طريق استثمار هذا الفكر المتنامي، فيكون معيناً له على كسر كل من يقف أمام طموحاته، فبه تجتمع لديه مع قوة القبيلة القوة العقدية التي تستطيع أن تروض الآخر، أو تزيحه عن طريقها باستخدام ورقة الانحراف عن شرع الله، متمثلة بتنظير ابن عبد الوهاب لعقيدتي "الجهاد والتكفير".

يُضاف إلى ذلك تنصيب ابن عبد الوهاب ابن سعود وذريته من بعده للإمامة وخلافة المسلمين، إذ يذكر المؤرخ الوهابي عثمان بن عبد الله بن بشر في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" أن ابن عبد الوهاب قال لحليفه: "أرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك". 

ثم يذكر ابن بشر الحروب والغزوات التي خاضها الاثنان معاً فارضين الجهاد واستحلال رقاب كل من لم يعتنق الوهابية، فقد قاما بالتوسع في الجزيرة العربية، والهجوم على القبائل المجاورة وإرغامها على تبني العقيدة الوهابية، ومن هنا نجد أن بعض الدارسين اعتبروا ابن عبد الوهاب مؤسساً وحاكماً مشاركاً للدولة السعودية الأولى.

أثارت فتاوى محمد بن عبد الوهاب بهدم الأضرحة وتكفير مظاهر التبرك حنق بعض القبائل فطردوه من العيينة، وحطّ رحاله في الدرعية التي كانت تحت حكم محمد بن سعود وهناك عقد الشيخ والحاكم ميثاقاً أسس لتحالف أيديولوجي - سياسي
توالت الردود على الوهابية نقداً وتفنيداً ومنها كتاب مفتي مكة "فتنة الوهابية"… في المقابل رأى البعض في مؤسسها إصلاحياً مجدداً في الإسلام وصاحب البذرة الأولى للنهضة العربية الإسلامية وبدايات الوعي القومي

ويشير الباحث والمفكر التونسي حمادي الرديسي في كتابه "ميثاق نجد" إلى أن هذا الميثاق "يُعتبر أول ميثاق صريح بين رجل السياسة ورجل الدين"، وبحسب الرديسي سيبدو هذا الميثاق بمثابة اللبنة الأولى لتأسيس الوهابية كعقيدة وأيديولوجيا دينية، وتأسيس الدولة السعودية كأيديولوجيا سياسية من جهة أخرى، في ما يمكن أن يطلق عليه وصف "ميثاق القوة والأيديولوجيا الدينية/السياسية".

أدبيات التأسيس... ثنائية "التوحيد/التكفير"

سطر ابن عبد الوهاب في كتابه "التوحيد" أهم الأفكار والقضايا التي قامت عليها الوهابية، ويشير الدكتور أحمد أمين في كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث" إلى أن مسألة التوحيد من أهم المسائل التي شغلت فكره.

يقول أمين: "أهم مسألة شغلت ذهنه في درسه ورحلاته مسألة التوحيد التي هي عماد الإسلام، والتي تبلورت في 'لا إله إلا الله'، فلا أصنام ولا أوثان، ولا عبادة آباء وأجداد، ولا أحبار ولا نحو ذلك، ومن أجل هذا سمي هو وأتباعه أنفسهم بـ'الموحدين'، أما اسم الوهابية فهو اسم أطلقه عليهم خصومهم واستعمله الأوروبيون، ثم جرى على الألسن".

وأسس ابن عبد الوهاب عقيدة الجهاد وجعلها فرض عين، يحارب الناس بالسيف بدعوى إرجاع المسلمين إلى إيمانهم الأول، فجعل الجهاد "ذروة سنام الإسلام"، على حد قوله في كتابه "التوحيد"، وقال "إن الجنة تحت ظلال السيوف".

وبهذا التأسيس عبّرت الوهابية عن ذاتها بأقصى ما يمكن من العنف، بوصفها الضد الديني للإسلام السائد حينذاك، في نجد والحجاز، والذي رأت في أساليب ممارسته لشعائر الإسلام عودة إلى الكفر والشرك والجاهلية، ونقضاً للإسلام الأول، الإسلام الصحيح الطاهر في زمن الرسول والصحابة.

ويشرح الرديسي في "ميثاق نجد" أنه "منذ أن تموقعت الوهابية ضمن أهل السنة والجماعة، بادرت إلى تكفير الحاضنة الشعبية الأولى في نجد، وأعلنت الحرب على أهل القصيم".

ويضيف: "على خلفية طائفية واضحة ومعلنة، نشأت الأدبيات الأولى للوهابية في شكل خطب ومؤلفات خلعت عليها شكل الأيديولوجيا القائمة، على قائمة لا أول لها ولا آخر من الأوامر والنواهي تشتمل على كل مناحي الحياة، بما في ذلك طريقة استخدام الكلام، وموجهة ليس إلى أهل نجد فحسب، وإنما إلى المسلمين قاطبة"، مشيراً إلى أن الوهابية قامت على أربعة مبادئ هي: التوحيد، الفرائض، المحظورات والجهاد.

أما الجذور التراثية والمراجع الأساسية للفكر الوهابي، فقد تبلورت في استعادة الأدبيات العقدية والفقهية للفقيه الحنبلي ابن تيمية بدءاً من مسألة التوحيد التي سطرها وناقشها وأفرد لها ثلاثة مجلدات كبرى في مجموعة فتاويه المطبوعة، وخاصة "فقه الجهاد" الذي اعتبره ابن تيمية بمثابة عبادة أعظم من العبادات، فيقول في "مجموع فتاويه" إن الجهاد "أفضل من الحج والعمرة، ومن الصلاة التطوع والصوم التطوع، كما دل عليه الكتاب والسنة، حتى قال النبي(ص): رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد".

ويعزو الرديسي تبني ابن عبد الوهاب لأفكار وفتاوى ابن تيمية إلى أن الأخير حرّم الفلسفة، فالوهابية بحسب المفكر التونسي "لا تصمد أمام الفلسفة والتفلسف، ولكنها تنتعش حيث تغيب الفلسفة، ولأجل ذلك وجدت في فكر ابن تيمية، وهو الذي حرم الفلسفة، مهاداً لها، وبنية إبستمولوجية مناسبة".

أخوه تصدى له بـ"الصواعق الإلهية"

أثارت أفكار وآراء ابن عبد الوهاب الراديكالية سجالاً كبيراً منذ ولادة الدعوة، لا سيما وأن الوهابية نشأت منذ البدء معادية دينياً لكل الطوائف الإسلامية تقريباً، وكانت آليات التعاطي مع المختلف (سنياً كان أو شيعياً) تنهض على العنف، خاصّة بعدما أقر مؤسسها في كتابه "كشف الشبهات" بتكفير كل من لم يعتنق الوهابية.

ويوضح الدكتور أيمن الياسيني في كتابه "الدين والدولة في المملكة العربية السعودية" أن "علماء الوهابية أصدروا فتوى سنة 1925م طالبوا فيها ابن سعود بمنع شيعة الإحساء من أداء العبادات العلنية، وأن يأمرهم بقطع الدعاء لآل البيت، وإبطال الاحتفال بذكرى ولادة ووفاة النبي وعليّ، وأن يمنعهم من زيارة المناطق المقدسة لدى الشيعة".

ما سبق، علاوة على استحلال الرقاب وشن الحروب وممارسة العنف تحت مشروعية الجهاد، دفع ببعض معاصريه، على رأسهم أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي، للتصدي له.

وكتب أخوه رسالته الشهيرة "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية" التي تضمنت نقداً لاذعاً ومعارضة قوية للوهابية، لما تدعيه من تكفير الأمة بسبب زيارة قبور الأنبياء والأولياء.

ويقول فيها: "أتظنون أن هذه الأمور، التي تكفّرون فاعلها، إجماعاً؟ وتمضي قرون الأئمة من ثمانمائة عام، ومع هذا لم يُرْوَ عن عالم من علماء المسلمين أنها كفر! بل ما يظن هذا عاقل... أم تقولون: إن الحجة ما قامت إلا بكم، وإن قبلكم لم يعرف دين الإسلام! يا عباد الله، انتبهوا. إن مفهومكم: 'أن هذه الأفاعيل من الشرك الأكبر' مفهوم خطأ".

ثم توالت الردود على الوهابية نقداً وتفنيداً، فأصدر مفتي مكة الشيخ أحمد بن زيني دحلان (توفي سنة 1304 هـ)، كتابه "فتنة الوهابية"، وهاجم فيه الوهابيين مُبيّناً كيف كانوا يستحلّون الأموال. ويقول عنهم: "كثر شرهم وتزايد ضررهم واتسع ملكهم وقتلوا من الخلائق ما لا يحصون واستباحوا أموالهم وسبوا نساءهم وكان مؤسس مذهبهم الخبيث محمد بن عبد الوهاب وأصله من المشرق من بني تميم".

بعد استيلاء الوهابية على مكة ودخولها منتصرة عام 1803م، كما ذكر ابن غنام، أصبح الحج وأصبحت مكة تحت سيطرة الوهابيين، ما سمح لهم بنشر أفكارهم ومذهبهم بين جموع الحجاج.

في المقابل، رأى بعض الباحثين والمفكرين أن عقيدة التوحيد كما أرساها ابن عبد الوهاب تدعو إلى اقتفاء أثر النبي وأصحابه، فجعلوه من الإصلاحيين المجددين في الإسلام، واعتبروه صاحب البذرة الأولى للنهضة العربية الإسلامية وبدايات الوعي القومي.

عن هذا يقول الدكتور أحمد أمين، الذي أدرج ابن عبد الوهاب ضمن زعماء الإصلاح في الإسلام في كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث": "كانت دعوة ابن عبد الوهاب حرباً على كل ما ابتدع بعد الإسلام الأول من عادات وتقاليد، فلا اجتماع لقراءة مولد، ولا احتفاء بزيارة قبور، ولا خروج للنساء وراء الجنازة، ولا إقامة أذكار يغنى فيها ويرقص، ولا (محمل) يتبرك به ويتمسح...، كل هذا مخالف للإسلام الصحيح يجب أن يزال، ويجب أن نعود إلى الإسلام في بساطته الأولى، وطهارته ونقائه، ووحدانيته واتصال العبد بربه من غير واسطة ولا شريك".

تأثيرات على تيار "الإسلام السياسي"

بعد استيلاء الوهابية على مكة ودخولها منتصرة عام 1803م، كما ذكر ابن غنام، أصبح الحج وأصبحت مكة تحت سيطرة الوهابيين، ما سمح لهم بنشر أفكارهم ومذهبهم في جموع الحجاج.

ويسرد أمين أبرز الأعلام التي تأثرت بالوهابية ونشرت أفكارها وعقائدها في جموع بلدانها، إذ قام في الهند زعيم وهابي اسمه السيد أحمد، حجّ عام 1822، واعتنق في مكة المذهب الوهابي، وعاد إلى بلاده ونشر الدعوة في البنجاب وأنشأ فيها شبه دولة وهابية أخذ سلطانها يمتد حتى هدّد شمالي الهند، وأقام حرباً على البدع والخرافات، وهاجم الوعاظ ورجال الدين هناك.

وأطلق السيد أحمد الجهاد ضد من لم يعتنق مذهبه ويقبل دعوته، معلناً أن الهند دار حرب حتى لاقت الحكومة الإنكليزية متاعب كثيرة من أتباعه إلى أن استطاعت إخضاعهم.

وكذلك زار الإمام السنوسي مكة حاجاً، فسمع بالدعوة الوهابية واعتنقها، ثم عاد إلى الجزائر يبشر بها، ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب. وفي اليمن، ظهر أعلم علمائه وإمام أئمته الإمام الشوكاني، وسار على النهج نفسه.

وفي مصر، اعتُبر الشيخ محمد رشيد رضا، الذي يُعد من أبرز أعلام الفكر الإسلامي في أوائل القرن العشرين وصاحب مجلة "المنار"، مؤسساً للسلفية الوهابية.

ويرى الباحث المصري في حركات الإسلام السياسي حسام الحداد في مقالة بعنوان "رشيد رضا وتأسيس الأيديولوجيا الوهابية في مصر" أن المذهب الوهابي بدأ يشق طريقه داخل المجتمع المصري بدوافع سياسية أيديولوجية لدى ابن سعود لضمان تحالف مصر واستغلالها لبسط أطماعه.

يقول الحداد: "من الممكن أن يتفادى ابن سعود هذا الخطر المصري، بل أن يستغل مصر إلى جانبه إذا تحول التدين السني الصوفي المصري المعتدل إلى تدين سني وهابي متطرف. وليس ذلك مستحيلاً، فالمهم هو العثور على الشخصية المناسبة التي تقوم بخلق هذا التحول، وكان سهلاً العثور على هذه الشخصية، وهنا بدأ دور الشيخ رشيد رضا". وهكذا، جاء الشيخ رضا إلى مصر "يحمل بين جوانحه الفكر السلفي".

من جهته، يوضح ألبرت حوراني في كتابه "الفكر العربي في عصر النهضة" أن تأثيرات مكونات البيئة الدينية والفكرية التي انحدر منها رضا، وهي "بيئة شامية متمسكة بالمذهب الحنبلي، وهو المذهب الذي رجع إليه في ما بعد"، من أهم أسباب تبنيه للسلفية الوهابية، ومحاولة تأسيسها داخل المجتمع المصري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard