2.8 مليون عاملة منزليّة في جحيم العالم العربي

الاثنين 8 يوليو 201905:47 م

من الأفلام الوثائقيّة الطويلة التي نالت استحساناً جماهيرياً ونقدياً، والمعروضة في مهرجان كرامة لسينما حقوق الإنسان بيروت 2019، فيلم بعنوان "خادمة في الجحيم"، و"الجحيم" المذكور في عنوان الفيلم يدلُّ على منطقتنا، أي على الشرق الأوسط، ويضمّ مجموعةً من البلدان هي لبنان، الأردن، السعوديّة، حيث تقدّر الأرقام وجود 2.8 مليون عاملة منزليّة أجنبيّة تعمل في هذه المنطقة.



كان مخرج الفيلم، الدنماركي سورين كلوفبورك، يعمل مراسلاً صحفيّاً، تكرّرت على مسامعه قضية العاملات الأجنبيّات في بلدان الشرق الأوسط، فبدأ بالبحث والاستقصاء، وعمل لمدّة 4 سنوات لتحقيق فيلمه هذا، حسبما أشار إلى ذلك في اللقاء الخاص معه حول الفيلم.

يبدأ الفيلم بالمادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويحظر الإسترقاق وتجارة الرقيق بكلّ صورها". لكن يكتب في البيان الخاص بفيلمه: "تعدّ المضايقات، سوء المعاملة، الاغتصاب، وأيام العمل لمدة 18 ساعة، حقيقة شائعة بالنسبة للمساعدات المنزليّات اللواتي سافرن إلى الشرق الأوسط لإيجاد عمل، وهنّ محاصرات في نظام الكفالة، وجوازات سفرهن مصادرة".

يحدّد المخرج في الفقرة السابقة المشكلات الأساسيّة التي تعاني منها العاملات المنزليّات في الشرق الأوسط، ويقدّم الفيلم النماذج التي تثبت دقّة توصيفه. مثلاً، تتابع الكاميرا في المطارات كيفيّة استلام أرباب العمل للعاملات القادمات حديثاً، تصوّر لحظة استيلاء صاحب العمل، الكفيل، على جواز سفر إحدى الواصلات للتوّ، ليحتفظ به.

يعرض علينا الفيلم أيضاً، مقاطع فيديو مصوّرة ومنشورة على اليوتيوب، لعاملات منازل في السعوديّة يستنجدن بسفاراتهن وبلدانهن لإنقاذهن، وهن في حالات من الألم والأسى.


في بيروت يعرّفنا الفيلم على حياة ماهر ضومط، ومهنته هي استجلاب العاملات المنزليّات من عدّة دولٍ في افريقيا، هو يعمل في هذا المجال منذ 12 عاماً، وقد ورث المهنة عن والدته التي مازالت تعمل معه، يقول ماهر ضومط عن هذه المهنة: "إنها تجري في عروقي"، وهو يعتقد ألا وجود لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، لكن عبارته التي يكرّرها في الدفاع عن مهنته: "عن طريق هذه المهنة أنا أساعد نفسي، وأساعد الآخرين"، بمعنى أنه يقدّم العون للعاملات المنزليّات لتحسين أوضاعهن المعيشيّة عبر توفير فرص العمل لهن.

يتوسّع اليوم عمل ماهر ضومط إلى الأردن، حيث هناك سوق مفتوح لاستجلاب العاملات من غينيا، نزور معه في الأردن مكتب "أوركيد" لاستجلاب العاملات المنزليّات، والذي يعود إلى إدارة "يوسف الهباهنة".

في الحديث الذي يجري بين وكيلي مكتب استجلاب العاملات اللبناني والأردني، تصنّف العاملات المنزليّات بحسب جنسيّاتهن "الكينيّة أفضل من الغانيّة، والفلبينيّة أفضل من الأثيوبيّة.. الخ)، هكذا يتمّ الحوار دون اهتمام بالخصوصيّة الشخصيّة لكلّ حالةٍ على حدة، إنه تأطير شعب بأكمله بصورةٍ نمطيّةٍ وعلى أساس مهاراته في العمل. نتابع معهما عملية استجلاب عاملات من المطار، "ريتا نياركو" و "بولينا آبينا".

تشرح ريتا سبب قدومها: "لدي طفلين، أريد أن أؤسّس لهما منزلاً جميلاً، وأريد أن أوفّر لهما درجةً أعلى من التعليم"، يعدها وكلاء المكاتب بتحقيق ذلك. منذ الدقائق الأولى للقاء الأول تنادي ريتا وكيل مكتبها بأبي، تقول: "يجب عليّ مناداتك بأبي"، فيجيبها: "أقدّر لك ذلك، شكراً لك، وأنت جميلة أيضاً".

لا يبدو أن ظروف العاملات المنزليّات في الشرق الأوسط في طور التحسّن، فمازال نظام الكفيل قائماً، ومازال سوء المعاملة للعاملة المنزليّة جزءاً من ثقافة التمييز في الشرق الأوسط، وجزءاً من انتهاكات حقوق الإنسان.

 "تعدّ المضايقات، سوء المعاملة، الاغتصاب، وأيام العمل لمدة 18 ساعة، حقيقة شائعة بالنسبة للمساعدات المنزليّات اللواتي سافرن إلى الشرق الأوسط لإيجاد عمل، وهنّ محاصرات في نظام الكفالة، وجوازات سفرهن مصادرة".

إذاً، شروط العمل القاسية التي تتعرّض لها العاملات المنزليات الأجنبيات تتمثّل في عدم دفع المستحقّات الماليّة لهن في الوقت المحدّد، ساعات عمل طويلة، هذا ما تروي عنه بياتريس كيسولو، كينيا، حيث أُجبرت على العمل لساعاتٍ طويلة، ولم يتمّ دفع أجرها في نهاية المطاف.

هناك حالات اعتداء بالضرب، واعتداء جنسي، تروي جيسيكا، كينيا، كيف تعرّضت للإعتداء الجنسي من قبل وكيلها لفترةٍ طويلة، ثم نجحت في الهرب بربط شراشف الأسرة والنزول عبرها من الطابق الثالث: "كان هذا خطراً، لكنني فضّلت الموت على الاستمرار في الحال الذي كنت فيه"، أما جوزفين ومبي، كينيا، فقد هربت من المنزل إثر دخول ربِّ عملها عليها في الحمام بينما هي تستحمّ عارية.


إثر حالات وفاة متكرّرة وفرار ما يقارب 10 آلاف عاملة منزليّة من السعوديّة، قرّرت كينيا حظر سفر مواطناتها للعمل في الشرق الأوسط، يشمل الحظر السعوديّة، الأردن، ولبنان.

أبرز الشخصيات في الفيلم هي السيناتورة الكينيّة إما مابورا، كانت مابورا عاملة منزليّة في الإمارات، وحين عادت إلى بلدها كينيا نجحت في الوصول إلى منصب السيناتورة، لتصبح عضوةً في البرلمان الكيني. ومنذ ذلك الوقت، كرّست وقتها للدفاع عن حقوق العاملات الكينيّات في الشرق الأوسط، لمعرفتها بقسوة شروط العمل هناك، تقول السيناتورة مابورا: "إنها شروط غير إنسانيّة، وأنا أؤيّد إبقاء الحظر على سفر الكينيّات إلى الشرق الأوسط حتى تتغيّر شروط العمل للأفضل"، لا تلبث السيناتورة أن تتلقّى اتصالاً يخبرها عن وصول فتاة هي ماري كيبواتا، من الأردن، وهي تعاني من حروقٍ بكامل جسدها من الدرجات الخطيرة.

يركّز الفيلم على متابعة حكاية ماري كيبواتا: إثر حادثة أثناء العمل، تعرّضت ماري للاحتراق بالغاز، كانت الحروق قوية ودخلت إلى المستشفى، وبعد 41 يوماً، أرسلها كفيلها بالطائرة إلى كينيا، لتفارق الحياة بعد يومين. لم تتلق عائلة ماري أيّ نوعٍ من التعويض، كما أن مكتب التشغيل لم يخبر عن كفيلها لمقاضاته. السيناتورة مابورا تابعت بجهدٍ اتصالاتها بالحكومة الكينيّة، بالمشغّلين في الأردن، وبالسلطات اللازمة دون أنت تنجح بتحصيل حقوق ماري المتوفاة بحروقها.

يمرّر الفيلم معلوماتٍ مكتوبةً على الشاشة للقراءة من قبيل (429) مليار دولار هي تحويلات العاملات الأجنبيات من الشرق الأوسط إلى بلدانهن الأصليّة، وهي مساهمة كبيرة في الناتج المحلي للدول المورّدة للعاملات، وذلك حسب تقرير الصندوق الدولي. وعلى إثر صفقة تبادل تجاري، ترفع حكومة كينيا الحظر عن سفر العاملات المنزليات إلى السعوديّة، الأردن، ولبنان. تقول السيناتورة مابورا: "للأسف، هذا محزن، إنه إتفاق يتمّ بين المسؤولين في الحكومات، دون استشارة العاملات اللواتي هن المتضرّرات الحقيقيّات من شروط العمل".

قتيلة كلّ أسبوع

يؤكّد مدير مكتب منظمة "هيومن رايتس ووتش" في بيروت نديم حوري: "أن عاملات المنازل الوافدات الى لبنان يلقين حتفهن بمعدّل أكثر من عاملة في الأسبوع الواحد، وهذا دليل واضح على أن الدولة اللبنانيّة لا تبذل ما يكفي من جهد لتخفيف الأوضاع الصعبة التي تعيشها أولئك النسوة".

ويعتبر نديم حوري: "أنه من واجب الحكومة وسفارات بلدان العاملات المتوفاة ومكاتب الاستخدام أن يوضّحوا كيفيّة مغادرة هذا العدد الكبير من العاملات في أكفان"، أما السيناتورة الكينيّة فإنها تضع اللوم على حكومات البلدان الأفريقيّة التي لا توفّر فرص العمل لتلك الفتيات في بلدانهن الأصل، وأن سوء إدارة الإقتصاد يؤدّي إلى هجرة المواطنات الكينيات للعمل في الخارج.

حتى تتحقّق شروط عمل أفضل، كتلك التي تناضل من أجلها السيناتورة إما مابورا، فلا يبدو أن ظروف العاملات المنزليّات في الشرق الأوسط في طور التحسّن، فمازال نظام الكفيل قائماً، ومازال سوء المعاملة للعاملة المنزليّة جزءاً من ثقافة التمييز في الشرق الأوسط، وجزءاً من انتهاكات حقوق الإنسان.

الفيلم نجح بإقناع العاملات المنزليّات بالحديث عن تجاربهن والإدلاء بشهادتهن مع إعطاء أسماءهن بالكامل، ونجح في إقناع مكاتب تشغيل واستقدام العاملات بإطلاعنا على طريقة العمل، وحتى طريقة تفكيرهم ورؤيتهم حيال العاملات، وتابع أيضاً نضال السيناتورة إما مابورا في كينيا.

جهد كبير مبذول من المخرج سورين كلوفبورك، الذي يتمتّع بخبرة أكثر من 20 عاماً في مجال الصحافة الاستقصائيّة وصناعة الأفلام الوثائقيّة، ويُعتبر من أبرع الصحفيين الإستقصائيين في الدنمارك، وقد حازت أفلامه الوثائقيّة على عدد من الجوائز، وذلك بما كشفته عن قضايا مثل تجارة الأعضاء البشريّة، الصناعة البديلة، القرصنة، وقضايا العنصريّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard