مذيع مغربي يستخدم تعليقات كارهة للنساء... احتقار المرأة ليس نكتة بل جريمة

الثلاثاء 9 يوليو 201901:55 م

"مكانك هو المطبخ، شاهدي برامج طبخ، أو اذهبي لطبخ شيء ما، أما المنتخب فهو لا يحتاجك، ولا يهتمّ بوجودك أصلاً". هكذا أجاب مذيع رياضي مغربي مستمعةً علّقت بخصوص مباريات كأس أمم أفريقيا (الكان الأفريقي)، خلال البثِّ المباشر على الفيسبوك، قائلةً إنها لا تشجّع المنتخب الوطني المغربي ومتنبئةً له بالخسارة.

لم تكن مريم آية الحاج تعلم نهائياً أن تعليقها هذا سيفتح في وجهها أبواب العنصريّة والميزوجينيّة "كره واحتقار النساء" والتمييز الجنسي، من طرف المذيع وزملائه في الاستوديو، الذين اكتفوا بالقهقهة، كأن ما قاله عبارة عن نكتةٍ مضحكة، أو كأن الذكوريّة والتحيّز الجنسي أصبحا موضوعاً طريفاً لا بأس بالمزاح بشأنه.

المستفزّ أكثر هو أن المذيع المعني قام بتصرّفاتٍ لا مهنيّةٍ عديدة من قبل، دون أن يتدخّل أحد لمعاقبته وشدِّ لجام عنجهيّته المقيتة، كلّ متابعٍ لبرنامجه يعرف حملة التحريض على الكراهية التي شنّها على المدرب السابق لفريق الوداد، ويشهد على تحيّزه الواضح الذي لا يحاول من فرط وقاحته أن يخفيه لفريق الوداد على حساب فريق الرجاء البيضاوي، لدرجة أنه سمح لنفسه بنعتهم في أكثر من مناسبةٍ بالمتخاذلين والبكّائين، في حين أنه يفترض فيه بحكم مهنته أن يكون محايداً، دون الحديث عن هوايته المفضلة، بعد الصراخ المجّاني الدائم بمناسبةٍ أو بدونها، وهي قمع المتدخّلين غير المتفقين معه، وإحراجهم دائماً بأسلوبٍ أقلّ ما يمكن أن يُقال عنه أنه شعبوي.

السيد المذيع "المحترم" الذي يقول أن المرأة مكانها المطبخ، ويهين بطريقةٍ غير مباشرة كلّ النساء، والمغربيّات منهن خاصّة، نسي أو تناسى من فرط غروره أنه يشتغل في إذاعةٍ 30% من أسهمها ملك امرأةٍ سياسيّةٍ تُعتبر من أنجح النساء في المغرب، وأنه في الوقت الذي يُلقي فيه هو نكته الميزوجينيّة ويُضحك زملاؤه في البلاتوه بتمييزه الجنسي، هناك صحفية شابّة زميلة له، في نفس الإذاعة والقناة التلفزيونيّة عبر الإنترنت، تركت المطبخ وذهبت إلى مصر كي تقوم بتغطيةٍ مباشرةٍ لمباريات الكان، وأنه لديه عدّة زميلات أخريات يقمن بالتحليل الرياضي بأسلوبٍ مهنيٍّ محترم أحسن من أسلوبه المبتذل بمراحل.

الإذاعة، وفي محاولة منها لتدارك الوضع، أعلنت في اليوم التالي لانتشار فيديو تعليقات المذيع الميزوجينّة بإيقافه، وكذلك إيقاف مسيّري البرنامج لثلاثة أيام فقط، حيث "تصادف" توقيت الإيقاف عطلة نهاية الأسبوع في يومين منها، وبهذا تكون بدل معاقبته قد كافأته بيوم عطلةٍ آخر، علما أنها سبقت وطردت صحفيين لأسبابٍ لا تصل جديتها للخطأ الفادح الذي قام به.

تلويث آذان المستمعين، المساس بأخلاقيّات الإعلام والصحافة، تجاوز الحدود، الإشادة بالتمييز الجنسي والتشجيع على الميزوجينيّة عقوبتهم جميعاً هي ثلاثة أيام توقيف لا غير، واعتذارٌ واهٍ من طرف مذيع يتذرّع فيه بالوطنيّة والغيرة على المنتخب، كأن وطنيّته لم تكن لتكتمل أبداً دون تصريحاتٍ ذكوريّة تضرب في العمق مبدأ المناصفة الذي جاء به دستور 2011، وتكرّس الصورة النمطيّة عن جهل المرأة "بميادين الرجال"، وتهاجم للأسف، بصورةٍ صريحة، كلَّ تاءات التأنيث في هذا الوطن وخارجه.

القطيعة مع مثل هذه التصرّفات، ونبذ العنصريّة الجنسيّة يستلزمان إجراءات حازمة تُظهر بالملموس، أن المجتمع المغربي اليوم بجميع أطيافه، لم يعد يقبل هذه التجاوزات بحقِّ نصفه الآخر، فبعد الحملة التي شنها الحقوقيّون والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، وكمِّ الاتصالات المكثّفة التي تلقتها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا)، من طرف الجماهير المستنكرة لما قام به المذيع، يجب أن يكون الإجراء المُتخذ بحقّه مناسباً للتوجّه الحقوقي الجديد، خصوصاً وأن رئيسة الهاكا هي أيضاً امرأة "تركت المطبخ" وتسلّقت سلّم النجاح رغماً عن أنف ذكوريي المجتمع، أشباه المذيع المذكور، وأن الهيئة شاركت وأثبتت حضورها في منتديات وندوات عديدة بشأن المساواة وحقوق المرأة، ودافعت في أكثر من مناسبةٍ عن المرأة، رافضةً الصورة النمطيّة التي تسوّق لها في الإعلام والإشهار، بل سبق أن أوقفت بثَّ برنامج تحت اسم "دين ودنيا" بسبب المسِّ بكرامة المرأة.

المذيع الذي قال أن المرأة مكانها المطبخ، وأهان بطريقةٍ غير مباشرة كلّ النساء، نسي أو تناسى من فرط غروره أنه يشتغل في إذاعةٍ 30% من أسهمها ملك امرأةٍ سياسيّةٍ تُعتبر من أنجح النساء في المغرب

القطيعة مع مثل هذه التصرّفات، ونبذ العنصريّة الجنسيّة يستلزمان إجراءات حازمة تُظهر بالملموس، أن المجتمع المغربي اليوم بجميع أطيافه، لم يعد يقبل هذه التجاوزات بحقِّ نصفه الآخر

الضحية "مريم" التي تعرّضت لهذه العنصريّة يجب أن تدافع عن حقّها هي الأخرى، وتقوم برفع دعوة قضائيّة ضدّ المعني بالأمر، تُثبت بها الضرر النفسي الذي تعرّضت له، وتطالب بردِّ كرامتها واعتبارها.

فاليوم لم يعد التنديد بالمنشورات الفيسبوكيّة كافياً، ولم تعد الاعتذارات الباردة الجافّة التي يقدّمها كلّ من كشفت زلّات لسانه عن معدنه الحقيقي ذات معنى، إذا كنا نريد أن نصنع مجتمعاً يحترم حقوق مكوّناته يجب أن نُظهر صرامة في التعامل مع "كره واحتقار النساء"، ونثبت أننا لا نتسامح مع تجاوزٍ مماثل، خاصّة إذا كان المتجاوز يملك سلطةً تمكّنه من تمرير أفكاره وإيصالها إلى الجمهور، فتحقير المرأة والسخرية من قدراتها جريمة في حقّ المجتمع وليس نكتة مضحكة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard