رواية "صدى الأرواح"... حبكة بوليسيّة تدمج الحكاية مع الفلسفة وعلم النفس

الثلاثاء 9 يوليو 201902:37 م

قليلة هي الروايات العربيّة التي تتّخذ من علم النفس والفلسفة أساساً لتنسج حولهما أحداثها، وضمن هذه الروايات القليلة يمكن إدراج رواية "صدى الأرواح" للكاتب السوري "عبد الخالق كلاليب"، التي تبدأ مع الطبيب النفسي "عادل شكري"، والذي يعثر في قبو البيت الذي سكن فيه حديثاً، على مجموعة أوراقٍ فيها تدوينات لمن كان يقطن في هذا المنزل قبله، وسرعان ما تنقلب حياته رأساً على عقب.

"كانت لحظة فارقة في حياتي عندما عثرت على تلك الحقيبة الجلد القديمة والمهترئة. كانت انعطافة حادّة ومفاجئة في طريق حياةٍ كانت تعاني أصلاً من وحشةٍ باردة. سأدرك فيما بعد أن تلك الدفاتر القديمة في تلك الحقيبة ستغيّر نمط حياتي. تلك الحياة التي تحفل كما غيرها من الحيوات بالمنعطفات التي قد تكون غير متوقّعة وخطيرة أحياناً".

يكتشف الطبيب أن الرجل الذي دوّن هذه الأوراق واسمه "حامد إبراهيم" قُتل قبل 22 عاماً، واتُهم صديقه "سعيد" بقتله، لكن ما كتبه القتيل في دفاتره يؤكّد أن الأخير كان صديقه المقرّب وكانت علاقتهما جيّدة، وهذا ما يجعل الطبيب يشكّ في الفاعل، فيتصل بابن عمه الذي كان هو محامي الدفاع عن "سعيد"، ويستنجد به لكشف ملابسات القضية القديمة.

هكذا، تسير الرواية في حبكةٍ بوليسيّة وفي إطارٍ من الغموض الذي يتضمّن كثيراً من النقاشات والتدوينات الفلسفيّة والنفسيّة، سواء تلك التي كتبها "حامد" في تدويناته، أو تلك التي يُجريها الطبيب "عادل" مع الآخرين أو مع نفسه، وهو يبحث وراء جريمة القتل، كما يتضمّن السرد كثيراً من الحديث عن الموسيقا والمقطوعات الموسيقيّة الكلاسيكيّة التي كان "حامد" يستمع إليها دائماً ويعلّق على بعضها في كتابته.

قليلة هي الروايات العربية التي تتخذ من علم النفس والحبكة البوليسية أساساً لتنسج حولهما أحداثها، وضمن هذه الروايات القليلة يمكن إدراج رواية "صدى الأرواح" للكاتب السوري "عبد الخالق كلاليب"

من هو الشخص الطبيعي ومن هو المجنون؟ وما المقياس الذي يتوجب اتباعه للحكم على ذلك؟ أسئلة تطرحها رواية صدى الارواح

غير أن الحكاية الأبرز التي يوردها في تلك التدوينات هي قصّة حبه، التي تشكّل محور حياته، والتي تتمرّد على مقاييس المجتمع، إذ يُعجب بزميلةٍ له في الجامعة، لكن عائلتها ترفض زواجهما بسبب اختلاف المستوى المعيشي لكلّ منهما، ونعرف من خلال ما كتبه أنهما كانا يخططان للهرب معاً قبل مقتله.

"ابتكرتُ تعريفاً للفلسفة خاصّاً بي. الفلسفة هي فنّ تغيير الآراء. حسناً أعيد قراءة هذه العبارة وأجد أنني أستحقّ أن أكون متفرّداً. أن يكون لك رأي خاص ومميز وصائب فوق ذلك فهذا يعني أنك إنسان متفرّد، ودليلي على ذلك، عدا التعريفات الفلسفيّة المبتكرة طبعاً، هو أن أمل أحبتني أنا. أمل كائن ملائكي رقيق لا مثيل له، وأن تحبّني أنا وحدي يعني أنني أنا وحدي فقط من يستحقّ هذا، وبالنتيجة المنطقيّة فأنا فقط كائن متفرّد".


تسير الرواية بشكلٍ تصاعدي في الفصول التي يبحث فيها "عادل" عن ملابسات القضية، وإن كان هذا التصاعد مطعّم بالذكريات التي تؤرق الطبيب عن حياته الماضية، وعن زوجته التي تركته. وتجدر الإشارة إلى أن هناك الكثير من التقاطعات بين الشخصيّتين، فكلاهما كان وحيداً يعاني من خيبة حب، وكلاهما كان لديه دفترٌ انشغل به عن حياته، الطبيب لديه تدوينات "حامد"، وهذا الأخير لديه (أو ربما يتوهّم أن لديه) كتاب الأسرار الذي يحاول فكَّ طلاسمه.

وربما هذا التشابه بينهما واحدٌ من الأسباب التي جعلت الطبيب يحاول معرفة الحقيقة، وفي سعيه لها أخذ يقابل الأشخاص الذين كانوا شاهدين على تلك الفترة، من طبيب المشفى الذي كان مشرفاً على المريض، إلى الفتاة التي أحبّها، ثم الرجل الذي تزوّجت به بعد مقتل "حامد"، مروراً بأخيها الذي كان الرافض الأكبر لعلاقتها تلك، كما يقابل شقيقة صديقه "سعيد" الذي اتُهم بقتله، وأخيراً الممرّضة التي مات "سعيد" بين يديها. وكلّ من هؤلاء يُضيء له جوانب معيّنة من القضية.

أما الجملة التي ستعطي بحثه ذاك انعطافاً مهماً، هو الجملة الأخيرة التي قالها "سعيد" وهو يموت، إذ تخبره الممرّضة بعد مرور كلّ تلك السنوات أنه كان يتمتم بجملةٍ غير مفهومة.

"بدا على وجهها أنها تُجهد نفسها كي تتذكّر، همهمت: كانت كلماته غريبة وبلا معنى، ولم أفهم سوى كلمات متقطّعة، يديّ، قال بين يدّي. ثم سكتت. مرّت لحظات ثقيلة من الصمت. أحسست بأن الزمن قد استطال وامتدَّ إلى سنوات ولكن لم أقل شيئاً فلم أكن أريد الضغط على وداد عساها تسترجع اللحظات الهاربة عبر الزمن بهدوء. تكلّمت أخيراً ببطء: جبغيلي.. مات بين يديّ.. تغيستان الغدّاغ".

أمام هذه الجملة يدرك "الطبيب عادل" كلّ شيء، إذ إن هذه الجملة سيصبح لها معنى نتيجة ما قرأه في تدوينات "حامد"، وعندئذ يدرك من هو القاتل الحقيقي. فمن سيكون؟ وما الذي سيفعله الطبيب بعد اكتشاف حقيقة تأخّرت 22 سنة؟

هذا ما تجيب عنه هذه الرواية في صفحاتها الأخيرة، بعد أن قدّمت لنا مجموعةً كبيرةً من الشخصيّات التي يجمع بينها الحزن والفقد، وطرحت أسئلةً كثيرة من بينها: من هو الشخص الطبيعي ومن هو المجنون؟ وما المقياس الذي يتوجّب اتباعه للحكم على ذلك؟

عبد الخالق كلاليب: كاتب وطبيب سوري، من مواليد حمص 1962. له ثلاث روايات، رواية لليافعين بعنوان "المدينة المفقودة"، ورواية تاريخيّة بعنوان "طواحين النار"، وأخيراً "صدى الأرواح".

صدى الأرواح لعبد الخالق كلاليب/ (الناشر: دار التنوير/ بيروت – القاهرة – تونس، عدد الصفحات: 285، الطبعة الأولى: 2018. يمكن شراء الرواية من

موقع النيل والفرات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard