نساء يحملن السلاح، ورجال يصاحبون الماشية... حياة البدو في اليمن

الأربعاء 10 يوليو 201901:05 م

يعيشون حياتهم بلا مواعيد، ولا ضجيج الحداثة والصناعة في المدن، يتنقّلون في البوادي بحثاً عن الماء والكلأ، وكلّما ضاقت بهم بادية بحثوا عن غيرها، تصاحبهم الإبل والماعز في حياةٍ توارثوها عن آبائهم وأجدادهم منذ آلاف السنين، ويصرّون على مواصلة العيش في الصحراء التي يرون فيها معيشتهم ومصيرهم، إنهم البدو الرُحّل.

يُعرَف البدو في اليمن بأجسامهم السمراء المتكيّفة مع حرارة الشمس ورياح الصحاري الباردة، يعتمدون في أكلهم على اللحم والخبز وألبان الأغنام والإبل والسمن البلدي.

خيمة البدوي التي تصنع من القطن أو الصوف، وتقام على ركائز من الخشب، هي المنزل الذي يخلو فيها بزوجته ويستقبل فيها ضيفه، وأمامها يستمتع بعد غروب الشمس بأجواء البادية النقيّة، على وهج النار التي ما تزال مصدره الأساسي للضوء وطهي الطعام.

في الصحاري الشاسعة من محافظة المهرة شرقي اليمن، مروراً بصحراء الربع الخالي في محافظات حضرموت ومأرب والجوف وشبوة، يعيش مئات الآلاف من البدو الرحّل اليمنيين، وإلى جانب مآسي الصحراء القاحلة بسبب قلّة الأمطار خلال الأعوام الماضية، فاقمت الحرب من سوء أوضاعهم المعيشيّة، ووقفت عقبة أمام تحرّكاتهم وتنقّلاتهم بحثاً عن الماء والمرعى.

لا توجد إحصائيّة رسميّة بعدد البدو الرحّل، غير أن الناشط الاجتماعي اليمني زبين عطية، يقدّر أن عدد البدو الرحّل يقترب من 35% من إجمالي سكان البلاد.

على الرغم من عمل سالم العشلة اللقيطي، 50 عاماً، في السلك الأمني، إلا أن الصحراء هي موطنه ومسقط رأسه، ويسكن سالم هو وأبناؤه العشرة في الخيام بمديريّة مرخة، في محافظة شبوة جنوب شرقي البلاد.

حفاوة بالضيوف، وصداقة الحيوانات

الكرم هو أكثر ما يميّز أخلاقيّات البادية في اليمن، فخيام البدو مفتوحة على الدوام لكلّ غريب وصل إلى الديار، ويرحّب بكم أيّ شخصٍ موجود في المنزل، سواء كان رجلاً أم امرأة، فيما المنازل في المدينة تبقى مغلقة أبوابها على الدوام، يقول سالم متفاخراً ببدويّته في حديثه لرصيف22.

ويضيف: كذلك العلاقة بالحيوانات "الماشية"، فمن فرط معاشرتهم لها تنشأ ألفة ومحبّة، وتتشكّل لغة خاصّة بهم، في مناخ لا ماء فيه، ولا كهرباء، ولا صحّة، ولا تعليم، ولا مواصلات، حتى قوت المواشي نأتي به على "دينات" من أسواقٍ بعيدة، بعد أن ندرت الأمطار وقلّت المراعي.

يُطلق سالم تنهيدةً، متابعاً: "نعاني الكثير، لكن لا خيار لنا سوى العيش في بلدنا".

ويختم سالم اللقيطي حديثه، ونبرة الفخر والاعتزاز لا تفارق صوته: رغم الصعوبات التي نواجهها، إلا أنني ما زلت متمسّكاً بموروث أبي وجدّي، بدوي على الطبيعة، ومازالت البادية هي عشقي الأوّل.

ويلفت زبين عطية الذي ينتمي لمحافظة شبوة جنوب شرقي اليمن، النظر إلى أن الأدوات التي يستخدمونها للطهي أو لتناول الطعام مصنوعة من مواد من البيئة التي يعيشون فيها.

يقول عطية: الأواني التي نستخدمها في الطباخة والمأكل والمشرب مصنوعة يدوياً من الأحجار والخشب والجلود.

المطحن أو الرحى مصنوع من الأحجار، وهو وسيلة لطحن الحبوب وتدقيقها، كما أن هناك ما يسمّى المدقّ لطحن الأعشاب والبنّ، والمصنوع من عود الشجر، و"الضبية" التي يتم فيها حفظ الماء وتبريده، والزير الذي يُعدّ إناء للماء.

كما أن هناك أشياء كثيرة يصنعها البدو وتستخدم لأغراض متعدّدة، بحسب حديث زبين.


تحمل السلاح وترقص مع الرجال

في الوقت الذي يبقى الاختلاط بين النساء والرجال ممنوعاً في كلّ المناطق اليمنيّة، تسمح عادات وتقاليد البدو في بعض قبائل البادية بالاختلاط، بحسب ما صرّح به ابن البادية الصحفي اليمني والناشط الاجتماعي صالح مقلم لـرصيف22، كما أن للمرأة دوراً رياديّاً في الحياة اليوميّة في البادية، إلى جانب عملها في تربية الأطفال والاهتمام بشؤون الأسرة، حيث تقوم بالترحيب بالضيوف بغياب الرجال، وتقديم الماء والقهوة، وتقوم بذبح وسلخ الذبيحة للضيوف بمفردها.

أما في محافظة مأرب شرقي البلاد، فتذهب المرأة إلى أبعد من ذلك، حيث تحمل نساء البادية السلاح على أكتافهن لغرض الدفاع عن النفس، كما يقول مقلم.

"رغم الصعوبات التي نواجهها، إلا أنني ما زلت متمسّكاً بموروث أبي وجدّي، بدوي على الطبيعة، ومازالت البادية هي عشقي الأوّل"

يقضي البدو الرحّل لياليهم في أوساط الصحاري، بسهراتٍ شعريّةٍ وغنائيّة لفنّانين محليّين ومزملين بأصواتهم الأصليّة، كما اعتاد المجتمع البدوي إتباع طقوس معينةٍ خلال إقامة الإعراس والأعياد، والتي تضفي عليها طابعاً خاصاً، فمنها رقصات الشرح والمحاف والزوامل، بحسب سالم اللقيطي.

يشرح أكثر تلك الطقوس: تستمرّ حفلات الزواج في الكثير من الأحيان حتى الصباح، يأتون بمغنٍّ شعبي أو مزمل، وأوّل رقصة تسمى "محاف"، ويُنشد الشعراءُ أبيات القصيد فيغنّيها الفنان، وسط رقصاتٍ جماعيّة ينفّذها أبناء القبائل.

وتُعدّ رقصة "الشرح" من أبرز رقصات المناسبات للبدو الرحّل، وهي جزء من العادات والتقاليد التي يمارسونها، في مناسبات الزواج والأعياد.

ويشكّل البدو صفين متقابلين من الرجال والنساء، ويؤدّون أغاني وأهازيج من التراث، مع التصفيق باليدين وإمالة الجسم طلوعاً ونزولاً، اعتماداً على مفصل الركبتين، دون التحرّك أو التزحزح من المكان.

كما تتمّ خلال عادة "الشرح" الفرائحيّة جولات رقص بين الصفّين المتقابلين، يرقص أحد الرجال مع إحدى النساء بشكلٍ دائري، مع إيقاع الأغنية واللحن الذي يتمّ ترديده، بحسب سالم.


شحّ المياه والحروب

بعد أن قلّت مواشيهم وفاقمت قلّة هطول الأمطار من تنقلاتهم بحثاً عن العشب والماء، عمد المئات من سكان البوادي اليمنيّة، إلى بناء منازل حجريّة والتوقّف عن الترحال، يقول محسن علي أحد مشايخ بادية ظليمين، في محافظة شبوة.

يمتلك محسن علي، 48 عاماً، عشرين رأساً من الإبل، لكنه توقّف خلال السنوات الأخيرة عن التنقّل، وصار يكتفي بشراء الطعام للإبل والماعز من الأسواق القريبة من مدينة عتق بمحافظة شبوة أو مأرب، في حال نفذت المراعي من الأعشاب.

يقول محسن: "توقّفنا عن الترحال، لكن حياتنا بعاداتها وتقاليدها البدويّة لم تتغير، ما تغير أننا بنينا لنا منازل من البلوك والأحجار، بسبب الرياح الشديدة والشمس الحارقة، وقلّة الأمطار".

ويضيف: "لقد تضاءلت أعداد المواشي خلال السنوات الماضية بسبب القحط والأمراض التي أصابتها، ولم يعد هناك ما يكلّف عناء التنقّل في الصحاري بحثاً عن العشب والماء".

لم يكن البدو استثناء في الحرب، حيث أثّرت عليهم الحرب في فقدان أعداد متفاوتة من المواشي التي تعتبر مصدر رزقهم الرئيسي في المناطق التي تأثّرت بالحرب، حيث نفقت كثير من الأغنام والإبل نتيجة الألغام المزروعة، خصوصاً في محافظة الحديدة غرب البلاد، وكذلك شبوة جنوب شرقي البلاد، يقول صالح مقلم.

ولفت صالح إلى أن ارتفاع الأسعار فاقم من معاناتهم في شراء المواد الغذائيّة والمياه ونقلها الى البوادي.

ولكن يظلّ شحّ الماء هو الهمّ الأوّل والرئيس الذي يؤرّق مضاجع البدو، إذ تجدهم يتداولون موضوع عناء الماء وشحّه في أحاديثهم ومناسباتهم، ويقطعون المسافات الطويلة للبحث عن مصادر المياه، يؤكّد صالح مقلم.

فالماء بالنسبة للبدو هو الثروة القوميّة التي يستبسلون ويضحون من أجلها، حيث كثيراً ما تحصل الصراعات والحروب بين قبائل البادية من أجل السيطرة على مصادر الماء، مثل الآبار السطحيّة "المحفورة باليد" أو السدود، أو ما يسميه البدو "الكريف "، وهو مكان يتمّ حفره بمساحةٍ كبيرة لحفظ الماء في المناطق القريبة من الصحراء، لمدّة تصل من 6 أشهر إلى سنة .

وخلال الآونة الأخيرة، بسبب الاحتباس الحراري، والتغيرات المناخية التي أدت إلى شحّ الأمطار من بين مظاهر  أخرى، عمد البدو لشراء صهاريج، لنقل المياه إلى الصحراء وبأسعار مرتفعة، وصلت إلى 40 ألف ريال أي ما يعادل 80 دولاراً، بسبب ارتفاع أسعار المشتقّات النفطيّة، بحسب مقلم.

بالإضافة إلى ندرة المياه، التلوث الناجم عن عمل الشركات التي تعمل على استخراج النفط في وادي المسيلة بحضرموت ومحافظة شبوة، أدى إلى انتشار الكثير من الأمراض في أوساط البدو والرحل، ودفع الكثير منهم إلى التخلي عن نمط حياتهم البدوي، والاستقرار في قرى ومدن، للتمتع بخدمات الدولة، والبحث عن عمل.

يقول اللقيطي بوجود أكثر من ٥٠ شخصا أصيبوا بالسرطان بسبب مخلفات شركات النفط من غازات ، في حقل العقلة القريب من باديته.


عندما لا يكون لكم سوى طعام واحد، خبز ولبن، وزوج أو زوجة واحدة، ستتذوقون الطعام كلّه في خبزكم، وتنتشون بالجنس كلّه مع شركائكم، بلا حيرة أو تردّد أو مقارنات

البداوة: نُدرة، وحُرية

تناول أدباء ومفكّرون ومستشرقون حياة البدو في الدول العربية، وتأمّلوا تفاصيلها، مثل عبد الرحمن منيف في سلسلة روايات "مدن الملح"، وأعمال إبراهيم الكوني الروائيّة والقصصيّة، وأبرز محاولات اقتربت من روح تلك الحياة ما كتبه المستعرب الياباني نوبو أكي نوتوهارا، في "العرب، وجهة نظر يابانيّة"، حيث انتقد النظرة الغربيّة للبدو، حيث صوّرت السينما العالميّة حياتهم بشكلٍ سطحي، وكأنها تقتصر على العدوانيّة، يكتب: "ليست حياة البدو بالنسبة لي موضوعاً سياحيّاً ولا ترفاً.. لم أذهب إلى الصحراء بحثاً عن الغرابة، بل ذهبت باحثاً عن المعنى".

ويرى كذلك أن العالم المتحضّر غارق في ثقافة "الاستقرار" ومنغلق حيال الثقافات التي لا تشبهه، وينظر بعض المثقّفين العرب أيضاً إلى مجتمعات البدو تلك النظرة.

البدوي يعيش في الطبيعة عارياً بلا غطاء سوى شجاعته، ويسخر من أهل القرى والمدن الذين يختبؤون بين الأشجار وفي بيوتهم، حياة البدوي قاسية لذا هجرها معظم البشر إلى الاستقرار والراحة.

"البدوي قَبِل أن تظلمه الطبيعة، وحرّر نفسه من السلطة البشريّة"

وأحد أبرز الصفات التي تميّز البدوي عن أهل الحضارة المستقرّين، أن الأخير "سلّم نفسه للآخرين لحمايته، ورضي أن يعيش تحت حماية سلطة الشرطة وسلطة الدولة"، لذا يعاني من غبن السلطة والشرطة.

ولكن البدوي قَبِل أن تظلمه الطبيعة، وحرّر نفسه من السلطة البشريّة.

إحساس البدوي بالوقت مختلف، فهو يجلس طيلة النهار الشمسي الحارق، منتظراً الغروب وهبوب النسيم المنعش، يأكل سريعاً وبصمت. إذا ذهبتم إلى هناك في جولة "سفاري" مثلاً بوقتكم الميكانيكي، سيصيبكم الملل القاتل.

ولا يقدّر البدوي الملكيّة، فهو لا يملك سوى خيمته وحيواناته، ودائم التنقل، والجميع متشابه، لا زخرفة في الزي، أو المسكن، ويرى أن حياته مكتملة لا ينقصها شيء.

أيضا مما تعلّمه المستعرب الياباني من البدوي قيمة "الندرة"، عندما لا يكون لك سوى طعام واحد، خبز ولبن، وزوج أو زوجة واحدة، فأنت تتذّوق الطعام كلّه في خبزك، وتنتشي بالجنس كلّه مع شريكتك، بلا حيرة أو تردّد أو مقارنات.

أما نحن فنلهث خلف حاجاتنا الاستهلاكيّة، ما أفقدنا القدرة على رؤية "المعنى الحقيقي" و"الفعّال" للأشياء، يتساءل المستعرب الياباني: "لقد أحاط الإنسان نفسه بالوفرة أكثر مما هو ضروري، وأكثر مما ينبغي، ألا يعني ذلك أن الإنسان يبتعد عن فهم جوهر العلاقة مع الأشياء؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard