صورة للتاريخ... اسماعيل ياسين يعود في ثياب نسائية ليُسجل موقفاً ضرورياً

الأربعاء 10 يوليو 201901:13 م

تُسجل الصور موقفاً للتاريخ في بعض الأحيان. تبدو للوهلة الأولى مجرد لحظة للذكرى، لكن مضامينها المؤجلة تجعلها تحتمل رمزيات ومعاني ضرورية في زمننا الحالي.

ولأن لكل لحظة استثنائيتها، فإن الصور - لوظيفتها التوثيقية - تمثل قراءتها للفرد في حقبة محددة، وفي أحيان أخرى رؤيتها المخبأة للفرد المعاصر ووجوده. ولهذا تزداد أهمية الصورة في الغرب، كوجه بارز من وجوه الفنون المعاصرة التي تجسد رؤيتنا للعالم وفهمنا للتاريخ البشري وقيم مجتمعاته وإثنياته من خلال ما تبثه الصور نفسها وأبطالها من أزيائهم وأشكالهم وقسمات وجوههم وعمرانهم.

الصورة وقضايا الجندر

تشكل الصورة المتداولة منذ أيام عبر مواقع التواصل الاجتماعي للممثل المصري اسماعيل ياسين مرتدياً زي امرأة، مثالاً حيّاً لما تثيره الصورة من تساؤلات وردود فعل وما تحمله من رموز قد تتقاطع اليوم مع قضايا محورية تتعلق بالجندر وحقوق الإنسان، وعلى رأسها قضية العبور الجنسي والمثلية الجنسية، ونظرة المجتمع العربي لها، وانعكاسات هذه الصورة على فئات اجتماعية تعاني من الاضطهاد ومن خطاب يمارس عليها العنف.

حصدت الصورة كثيراً من الإعجاب، نظراً لمكانة ياسين في الذاكرة الجماعية ودوره في السينما الكوميدية، حتى أنها وضعت في إطار "تقديسي" بعض الشيء كونها لم تخرج عن وظيفتها كلحظة مؤرخة من بعض أدواره المسرحية، أو كما فهمها البعض مؤطراً إياها في عمل ياسين الذي تنوع بين المسرح والسينما.

إلا أن هذه الصورة لو تمت مقارنتها فعلياً بواحد من الذين يؤدون "الدراغ كوين" حالياً في عالمنا العربي، لكانت التعليقات مغايرة ومن نوع الترهيب والتهديد. وقد تُحاط حياة المؤدي نفسه بالخطر، وهذا ما نسمع به في بعض البلدان العربية، خصوصاً في مصر، بلد اسماعيل ياسين، التي تزداد فيها الانتهاكات بحق المثليين والمثليات والعابرين/ات جنسياً.

و"الدراغ كوين" (بالإنكليزية: Drag Queen) هم الرجال الذين يرتدون الملابس النسائية لتأدية أدوار في عروض ترفيه والدراما المسرحية، ولا تحديد جندرياً للمؤدين لكنها ظاهرة منتشرة في أوساط المثليين الرجال والعابرات جنسياً.

وقد يكون قبول صورة ممثل بزي امرأة، لا يتعدى كونه قبولاً صورياً يتناقض فعلياً مع نظرة هذا المجتمع أو بعضه الى "الدراغ كوين"، والنظرة السلبية إليهم كرجال يؤدون أدواراً نسائية على المسارح أو في البارات. وهي ظاهرة تعرف اليوم تمددها في المشهد الثقافي البيروتي، مع إطلالات ولو ضيقة، وفي مساحات مجتمع الميم اللبناني.

رجال بأزياء نساء

في الصورة التي انتشرت سريعاً على تويتر وفايسبوك وإنستغرام يرتدي ياسين زيّ امرأة في بداية ظهوره مسرحياً. لا تاريخ محدداً ولا دليل على ماهية الدور الذي كان يؤديه.

صورة تبدو عادية لممثل، تتجاوز شهرته مصر إلى كل العالم العربي، على هامش تأديته دوراً كان لزاماً أن تؤديه امرأة في حينه. لكن في ذاك الزمن قلما كانت النساء يظهرن على المسرح أو يقبلن العمل ممثلات، راضخات لقيم اجتماعية تنظر إلى المرأة العاملة في السينما (حينذاك) نظرة تقلل من كرامتها وحشمتها. لذا كانت الأدوار النسائية تناط بالرجال.

تشكل الصورة المتداولة منذ أيام للممثل المصري اسماعيل ياسين مرتدياً زي امرأة، مثالاً حيّاً لما تثيره الصورة من تساؤلات وما تحمله من رموز قد تتقاطع اليوم مع قضايا محورية تتعلق بالجندر وحقوق الإنسان
يبتسم ياسين وهو يمج من سيكارته، مستريحاً بين بروفات العرض مرتدياً فستاناً ومتزيناً بحلى نسائية... أدوار لضرورة التمثيل تجعلنا نفهم أيضاً، مدى تحرر الفنان نفسه من التصنيف الجنساني ومما قد يجول في أذهان الآخرين

وفي المسرح والسينما المصرية، نماذج كثيرة عن رجال أدوا أدواراً نسائية. وعلى رأسهم الممثل عبد المنعم ابراهيم في فيلم "سكر هانم"، وقبله في فيلم "لوكاندة المفاجآت"، وعلي الكسار في "الخالة الاميركية" عام 1920، وشكري سرحان في "مملكة النساء" عام 1955، وعادل إمام ظهر في أفلام عدة بأدوار نسائية كفيلم "احترس من الخط" وفيلم "شمس الزناتي" و"الشياطين والكورة"، و"أذكياء لكن أغبياء". وعلاء ولي الدين في دوره البارز كامرأة في فيلم "الناظر صلاح الدين". ومحمد هنيدي في فيلم "جاءنا البيان التالي" وثم في فيلم "خالة نوسة" وفي فيلم "يانا يا خالتي".

لكن قوة اسماعيل ياسين في أدواره النسائية تحيلنا الى مفهوم "الدراغ كوين"، وربما هو من أوائل المكرسين لهذا الفن عربياً ولو من باب المسرح الكوميدي، إذ أدى ادواراً مختلفة وليست هذه الصورة هي الدليل الوحيد على أدواره التي تنوعت في هذا الإطار.

ياسين والعبور الجنسي في "آنسة حنفي"

كان  ياسين أول من طرح مسألة العبور الجنسي في الفيلم الذي أدى فيه دور فيفي في "الآنسة حنفي"، حيث جاء تقديم هذه القضية بشكل غير ساخر، وذلك على خلاف العادة في السينما العربية التي تميل للنظر إلى العابرين/ات كمادة ساخرة، والتعرض بخطاب ذكوري لهذه القضية من باب الإضحاك.

وكانت مهمة هذا الفيلم الذي عُرض عام 1954 فارقة ومختلفة تماماً عما يُقدَم اليوم في هذا الإطار، للمثال في بعض برامج الكوميديا اللبنانية التي تسخر من العابرين والمثليين جنسياً وتكون الأدوار التي يقوم بأدائها الممثلون الذكور، تكريساً للغة ذكورية منتشرة في عالمنا العربي.

ومثال بارز على هذا، ما قدمه عادل كرم وعباس شاهين في برنامج "ما في متلو" لسنوات على شاشة "أم تي في" بدوري وجدي ومجدي، اللذين زادا من نسبة العنف اللفظي ضد فئات المثليين الذكور في لبنان.

وبالعودة الى الصورة، يبدو ياسين فتياً مفعماً بالبهجة وغير آبه بالعدسة. يبتسم وهو يمج من سيكارته، مستريحاً بين بروفات العرض ومتزيناً بحلى نسائية ومتجملاً بمكياج المرأة ومتغندراً بحذائها. أدوار لضرورة التمثيل تجعلنا نفهم أيضاً، مدى تحرر الفنان نفسه من التصنيف الجنساني وتفوقه بذلك على ما قد يتردد في أذهان الآخرين أو ما ستنقله عنه الصورة النمطية من تعليب هوياتي، أو أي اتهام بالمثلية (حيث المثلية تهمة اليوم في مجتمعاتنا العربية ويعاقب عليها القانون).

كان اسماعيل  ياسين أول من طرح مسألة العبور الجنسي في الفيلم الذي أدى فيه دور فيفي في "الآنسة حنفي"، حيث جاء تقديم هذه القضية بشكل غير ساخر، وذلك على خلاف العادة في السينما العربية 
وربما كنا قرأنا في صحافة اليوم عنواناً: اسماعيل ياسين في لباس امرأة: هل هو مثلي الجنس؟ على شاكلة أخبار كثيرة يتم تداولها على الشبكة العنكبوتية هدفها زيادة "النقر" لحصد قراءات على حساب فئة مهمشة اجتماعياً وتتعرض للانتهاك والقتل والتعذيب.

وهو ما يتهرب منه ممثلون كثر اليوم خوفاً من نظرة المجتمع إليهم، إذ يرفض كثيرون أداء أدوار مثلية أو لعب أدوار نسائية أو أدوار عابرين جنسياً خوفاً من الأحكام المسبقة التي تجعل الممثل في دائرة شكوك حول هويته وميوله الجنسية، إذا ما قارننا ردود الفعل العربية اليوم على مسائل مثل هذه، يعلو فيها رهاب المثلية.

وكأن أي دور لرجل غير مرتبط مباشرة بأشكال جنسانية محددة بالرجولية والذكورة، لا بد أن يُعد تعبيراً عن هويات أخرى "خبيئة" أو يدل على ميول جنسية تظهرها الأزياء التي خرج بها الممثل على المسرح أو في الشاشة الصغيرة. كأن التباساً يقع على الفور في التصنيف، كما اتُّهم مراراً ممثلون بالمثلية لمجرد أدائهم أدواراً نسائية.

اعتراف بحق الفرد

للوهلة الأولى، أحببت اسماعيل ياسين في هذه اللقطة وشعرت بأن هذه الصورة نموذج عن "دراغ كوين" سابق لأوانه في العالم العربي. ولأن الصورة تتجاوز دلالاتها الحسيّة، فإنها تمثل اعترافاً منسيّاً لحق الفرد في حريته الشخصية وتحرره من القيود، حتى رمزياً.

وإذا كان صاحب الصورة، داخل مشهدها وفي تلك اللقطة غير عابىء بأبعادها، فإنها تجعله في زمن لاحق يسجل موقفاً مفيداً، بل شديد الضرورة. وهذا ما فعلته صورة ياسين هذه، ولو متأخرة، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي كنوع من اعتراف بحق العابرين/ات جنسياً في رحلاتهم الشاقة. هي صورة للتاريخ.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard