ماذا تعرفون عن "اللامنتمين" في صعيد وقرى مصر؟

الأربعاء 10 يوليو 201901:20 م

بعيدا عن القاهرة والإسكندريّة، حول محافظات الأقاليم المصريّة، يعيش شباب وشابّات في قرى وأقاليم لا تزال تحمل كثيراً من التقاليد والعادات المحافظة.

مؤخراً، فتحت الكتب والبرامج التليفزيونيّة والأسفار، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، نافذةً لهم ليصبحوا أكثر تحرّراً وانفتاحاً على العالم، يحملون معايير مختلفة عن الحياة تصطدم مع واقعهم.

يجدون أنفسهم أسرى للمكان الذي وجدوا أنفسهم فيه، يُكبّل حبّ العائلة والتزاماتهم نحوها أو رفضها أحياناً، أيديهم وأرجلهم عن الرحيل لمكانٍ آخر، ليصبحوا لا منتمين لمجتمعهم وغير متفاعلين معه.

منذ سنتين، في ليلةٍ صيفيّةٍ هادئة، كان أحمد عبد الله (25 عاماً)، يقرأ رواية شيفرة دافنشي لدان براون، منبهراً بالكأس المقدّسة وصراع السلطة في الدين المسيحي الذي لا يعرف عنه شيئاً، كانت تلك البداية لقراءاتٍ معمّقةٍ حول الأديان وتاريخها.

بمرور الوقت، تغيّرت نظرة أحمد إلى كلّ شيءٍ حوله، أصبح أكثر انفتاحاً نحو المختلفين عنه، رغم تربيته التقليديّة في قريةٍ تقع بالقرب من محافظة دمياط، يقول لرصيف22: "جعلتني القراءة أرى الأديان الأخرى بصورةٍ أكثر وضوحاً، أصبحت لا أقدّس التاريخ، ما وصلني قد يكون خاطئاً، أنظرُ للمختلفين عني دينيّاً أنهم مثلي، وصل إليهم دين ما في زمنٍ ما فقبلوه وأحبّوه، لم يختاروا شيئاً".

درس أحمد في كلية التربية، لكنه يعمل في التجارة مع عائلته، تغيير أفكاره يمنعه من التطرّق لمواضيع الأديان في الحديث مع من حوله، يضيف: "نشأتُ في أسرةٍ ريفيّةٍ وسطيّة، تتقبّل أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، لكن الدفاع عنهم دون تعالٍ ديني قد يُفهم منّي بشكلٍ خاطئ".
يُشير أحمد أنه اختلف مؤخّراً عن مجتمعه بنظرته للجنس أيضاً، يؤمن الآن بالمساواة في المتعة بين الرجل والمرأة، يضيف: "لم أعد أرى أن الجنس لا أخلاقيا، بسبب قراءاتي عن الثقافة الجنسيّة، حتى إمتاع الذات أصبحت أنظر له بصورةٍ طبيعيّة، دون تأنيب ضميرٍ ديني مثلما كنت سابقاً".

"أقبل المختلفين، وأستمتع بالجنس"

كعادة الآباء المصريّين، يخشى الريفيّون رحيل أبنائهم عنهم، لذا يوفّرون لهم منزل الزوجيّة ليعيشوا بقربهم مستقبلاً، وفي ظلِّ غلاء العقارات الحالي، وصعوبة العثور على سكنٍ بسعرٍ مناسب، يقبل الأبناء بذلك، ما يجعل سطوة الأهل والمجتمع باقية على الشباب، حتى بعد الزواج الذي بات يشبه الاستقلال الشكلي.

تعيش ميرنا صالح (27 عاماً)، مع زوجها في مركز الهياتم التابع للمحلة الكبرى، تفكيرها المنفتح هي وزوجها جلب لهما العديد من المشكلات، تقول لرصيف22: "هنا يعتبرني من حولي بحاجةٍ للهداية إلى صحيح الدين، يعتقدون أن ملابسي خارجة رغم أنني محجّبة، وعندما تطلب مني زوجة يخونها زوجها النصيحة، أشير عليها بتركه أو البحث عن عقاب صارم لما حدث، لكنها تعتبرني أريد تدمير حياتها بأفكاري المنفتحة".

درست ميرنا وزوجها الطبّ في المدينة، وغيّر الاستقلال هناك رؤيتهم لموروثات الماضي، لكنهم يعيشون الآن في منزل عائلته، يُقلقها تربية طفلها الصغير في مكان لا ينتمي له أهله.

تقول: "لا مجال هنا للخصوصية، نحاول الانتقال، وحتى ذلك الحين أتجنّب الاختلاط بمن حولي، لأربّي طفلي على أمورٍ بديهيّة بالنسبة لي، مثل المساواة بين الرجل والمرأة، وأهتمّ بخلق بيئةٍ مناسبةٍ له وتهيئته للعالم مثلما أراه أنا وزوجي".

"أعدّ نفسي للحرب"

الفتيات هنّ الحلقة الأضعف بطبيعة الحال، تُمارس عليهن سلطةٌ مضاعفة فهن يحملن شرف العائلة منذ الصغر، ولا يقبل منهن التحرّر الفكري، أو أيّ اختلاف عن المجتمع حولهن في أيّ منطقة، لكن يُضيّق البعد عن المدينة احتمال انطلاقهن، ويزيد ذلك كلّما انتقلنا جنوباً نحو محافظات الصعيد، تقابل الفتيات ذلك بالرضوخ أحياناً، والتحايل على الواقع أحياناً أخرى.

قبيل الفجر، تقرّب نور جبريل هاتفها نحو وجهها تحت غطاء السرير، السهر حتى هذا الوقت مع الهاتف قد يسبّب لها المشكلات مع عائلتها المحافظة، لكنها لا تستطيع التوقف عن مشاهدة المسلسل الشهير: تشريح جراى "grey's anatomy".

تسكن نور (24 عاماً)، في جرجا بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، هناك أُغلقت عنها كلّ النوافذ لرؤية العالم لأنها فتاة، تقول لرصيف22: "كان الاطلاع على العالم حلماً تحقّق بالإنترنت، تُدخلني المسلسلات التليفزيونيّة عالماً مليئاً بالاحترام المتبادل وقبول الآخر، يجعلني أتمنّى أن أعيش فيه".

تغيّر أولويات وأفكار نور في الحياة، دفعها للهروب من جحيم سيطرة العائلة اليومي، بالنوم والانعزال مع أصدقائها على وسائل التواصل الاجتماعي، تقول: "هنا يتضاعف القمع عليّ كفتاة، أيُّ نقاشٍ أخوضه مع أسرتي أتهم بالطيش والتسرّع والانحراف عما يريدوني عليه كفتاةٍ صعيديّةٍ محافظة، رغم شرعيّة مطالبي وبساطتها".

تريد نور الاستقرار في العاصمة والعمل، بعد أن أنهت دراسة الأدب الانجليزي، لكن رفض العائلة يلوح في الأفق، تضيف: "أهيّء نفسي لحربٍ قادمة قد تجلب أضراراً إضافيّة لوضعي الحالي، لكنني سأحاول رغم كلِّ شيء".

شاشة الهاتف المحمول بوابة العالم

قبل أربع سنوات، في إحدى المناسبات العائليّة، نظرت إسراء وهي تتظاهر بالابتسام حولها، متفاجئة تحدّث نفسها: ماذا أفعل هنا؟ من أنا؟

تحكي إسراء حسني (24 عاماً)، من بلطيم في محافظة كفر الشيخ، لرصيف22: "عرفت حينها أنني لا أنتمي لهذا المكان، تغيّرت ربما لأنني لم أقف عند الجزء الذي ربّاني عليه أهلي، قرّرت أن أعرف العالم بنفسي، أعالج مشكلاتي النفسيّة. سمحت لكلّ مكانٍ زرته أن يغيّر مني قليلاً، وضعت كلّ شيء على طاولة النقاش حتى الثوابت".

محاولات إسراء أن تكون نفسها، وتستقل جزئيا عن الأهل بالعمل لم تجد، فاختارت التكيّف مع الواقع عبر تسطيح العلاقات، والهروب من النقاشات، تقول لرصيف22: "أطأطئ رأسي للعاصفة، ما الفائدة من النقاش حول قبول مجتمع الميم مثلاً لأنهم لا يضرّون أحداً؟ أنا الآن أقبل كلّ من يختلف عني، على عكسهم أؤمن بحرية الاختيار، لكن قد يؤذيني الحديث فأسكت".

الرقابة الذاتيّة خلال التعامل اليومي، هي الأسوأ بحسب إسراء، "عدم تعظيم شعائر الله" تهمة جاهزة لمن يزلّ لسانه، ويشكّك في أيّ موروث، رغم وضوح تديّنه، تضيف إسراء: "قد تتحدّثين في موضوع ليجاوبك الآخر فجأة أنك "بقيتي زيّهم" لا أعرف على من تعود "هم" وأعتقد أن القائل لا يعرف أيضاً".

"لم أعد أرى الجنس لا أخلاقياً، أو يجلب عاراً، بسبب قراءاتي عن الثقافة الجنسيّة، حتى إمتاع الذات أصبحت أنظر له بصورةٍ طبيعيّة، دون تأنيب ضميرٍ ديني مثلما كنت سابقاً"

الحياة في فقاعةٍ معزولة تخفي الأفكار الجديدة غير المقبولة عن الأهل والمجتمع قد تصبح سجناً لا ملاذاً، وأثرها يتخطى الضيق، والضغط النفسي، تُعاني إسراء منذ سنتين من مرض الاكتئاب، سببه التأرجح بين عالمين، تقول: "لا شيء يجعلني أفضل لأنني أفعل ما لا أريد وفق المعايير التي فُرضت عليّ، لا أملك رأياً في غذائي ومظهري، أشعر بالجبن فلا أجاهر بآرائي، وبالضعف لأنني لا أعيش مثلما أرغب، رغم يقيني أن طلبي بسيط وليس عيباً ولن يؤذي أحداً، ينعكس كلّ ذلك على تركيزي وثقتي بنفسي".

لا تلتفت إسراء لمسمّيات تصنّف تفكيرها، تقول: "لا يهمني هل أصنّف ليبراليّة أو غيره، أريد فقط أن أكون حرّة في اختياراتي وما أفعل".
تتضح العلاقة بين المشكلات النفسيّة الناتجة عن ضغط العائلة والمجتمع من خلال الأبحاث النفسيّة في ملحق الصحّة العقليّة، الصادر عن مركز خدمات الصحّة العقليّة والمعهد الوطني للصحّة العقليّة في الولايات المتحدة، إذ تشير إلى أن دعم العائلات لأبنائها في حياتهم الشخصيّة، ووجود علاقة صحيّة مع الأشقاء يحمي من الإصابة بالأمراض العقليّة والنفسيّة.

بحسب نتائج المسح القومي للصحة النفسية عام ٢٠١٧، الصادر عن الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان التابعة لوزارة الصحة والسكان، أن ٢٥% من المصريين مصابون باضطرابات نفسية، و٤٣.٧% منها اضطرابات اكتئاب.

 "كان الاطلاع على العالم حلماً تحقّق بالإنترنت، تُدخلني المسلسلات التليفزيونيّة عالماً مليئاً بالاحترام المتبادل وقبول الآخر، يجعلني أتمنّى أن أعيش فيه"

تشير الدراسة أن انتشار الاضطرابات النفسية، يزيد في المناطق الريفية، مقارنة بالمدن، كما أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي أحد أبرز العوامل لحدوث الاضطرابات النفسية، والمنيا في صعيد مصر، هي الأعلى في نسبة المصابين.

"أحب الخيال والعوالم الموازية"

يتردّد أمير (29 عاماً)، من قريةٍ تابعة لمحافظة الشرقيّة في الحديث معنا، وافق بشرط إخفاء اسمه، فمصر "أوضة وصالة" مثلما يقول.

بالنسبة له الأمر سيّان حول من يعيش في المدينة والريف، كلاهما تنتجه المنظومة ليصبح قالباً جاهزاً، ثقافة "الشعب" والسائد هي المسيطرة، سكّان المدينة متشابهين مع سكان القرى، وتعساء بشكلٍ آخر أيضاً.

يشير أمير أن تمسّك الشباب بمكانهم رغم اختلافهم عنه، محاولة للتمسّك بطفولتهم، إذ تتناغم صفاتهم الشخصيّة مع الظروف هناك، يوضّح: "أنا أحبّ الخيال والعيش في عوالم موازية، استمتع بالألعاب والأنمي، في طفولتي مارست ما أحبّ رغم سخرية من حولي مني وصرامة والدي، لكني لم أُكسَر، ولم يمنعني هو من كلّ شيء، داومت في فعل ما أحبّ دون علمه، وتفاعلت مع ظروفي، وها أنا أعيش هنا".

لكن نظرة أمير الفلسفيّة للوضع يخالطها يأس، يُكمل: "أنا مضطرب مع اختلافي ومع مجتمعي، حتى الآن غير حازم نحو أي شيء، علاقتي بأهلي وحبّي سبب رئيسي في أن أكون هنا".

يحاول أمير التمسّك بذاته بشكلٍ صحّي عبر العيش في عالمه الخاص، المبني على حبّه للخيال والعلوم الإنسانيّة وتعبيره عنهما بالفنون البصريّة.

لكنه يشعر أيضا أن التمسّك بطبيعته كما يشعر بها غير صحّي أيضاً، لمشقّة تبعاته، ويعزو ذلك إلى أن من حوله لا يفكّرون بالطريقة ذاتها، "حربٌ أخرى" يعيشها لا يعرف متى تنتهي، يقول: "قد يتحقّق السلام الداخلي حين أُجبر الظروف حولي أن تكون مثلي، وأنجح في الوصول إلى حقّي في الحرية وممارسة ما يمثّلني كإنسان".

ناقش المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي، غوستاف لوبون، في كتابه سيكولوجية الجماهير سلوك المجموعات ويتتبع أسبابها، والعلاقة بين المجتمع وأفراده وما يؤمنون به، وأشار إلى أن تمسّك الجماهير بالموروثات والعادات والتقاليد يعود في الأساس لأنها تمثّل عواطف الماضي، وبالتالي تمثّل الهوية والانتماء للعرق، ما يدفع بعض الأفراد إلى التمسّك بها، أي بذاته بشكلٍ ما ليتمكن من العيش، ونرى كيف يجعل ذلك تناغم الأفراد المختلفين مع موروثات المجتمع التي يفخر بها الجماهير صعباً.

رغم ذلك الزمن كفيل بكلّ شيء،  بحسب رؤية لوبون، فالأفراد المختلفون  اليوم، سيساهم اختلافهم في صناعة الغد، وسينسجم المجتمع مع أفكارهم يوماً ما من خلال تحولّه، وقبوله للأفكار الجديدة، يقول لوبون: "الزمن يراكم البقايا العديدة جداً للعقائد والأفكار، وعلى أساسها تولد أفكار عصر ما، فهذه الأفكار لا تنبت بالصدفة أو عن طريق المغامرة، وإنما نجد جذورها تضرب عميقاً في ماضٍ طويل، وعندما تزهر يكون الزمن قد هيّأ مجالاً لتفتّحها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard