قرّرت السّفر إلى محافظة "كردستان" الإيرانية لمعرفة كلمات أغنية

الاثنين 8 يوليو 201903:00 م

نصحته أمّه حين كان في الخامسة أن يقرأ للكتّاب بلغتهم. وُلد شَهرام ناظِري في العام 1949، في حارة "برزِه دماغ" التابعة لمدينة كِرمانشاه الكردية، غرب إيران، وفي زقاق "يختشال"، وتعني الثلاجة. ولندرة الثلاجة، وامتلاك جدّه لها أُطلق عليه "أبا اليختشالي". يكتب القصائد الغنائية، بل وكما يقول هو: منذ طفولتي ارتكبتُ الشَّعر.

وقد تكون قصيدته "شِيْدا شُدَم" التي استوحاها من مولانا جلال الدين الرّومي، وغنّاها في 2007، دلالة على شاعر متكتّم يخفي نصّه كما يفعل الصوفي. ترك الشاعر الإيراني "هوشنك إبتهاج" المعروف ب "ه. ألف. سايِه"، أثراً كبيراً عليه، بينما المزج الذي أحدثه الروائي "رضا قاسمي" بين مولانا وحافظ كان واضحاً في ألبوم "ناظري" (كُلِ صَد بَرك: زهرة الألف ورقة).

المرّة الأولى التي سمعتُه فيها بعد أن حلّ الليل قلتُ لنفسي: هذا جنون، جنون مركّب. بعد أكثر من عشر سنوات وأنا مكتفٍ بألبوم الجنون، اقتنيتُ ألبوم "اشتياقِ دل" (اشتياق القلب)، الذي صدر عام 2012. عليّ الاعتراف أني، كما حال بقية الألبومات المقرصنة، حمّلته مجاناً. مع تصاعد موسيقى "واران وارانه" أوقفتُ السيارة. إنها كلمات كردية. نسيت أن أذكر الطقس الذي وُلد عبر السنوات للاختلاء بشَهرام ناظري.

أوقفتُ السيارة فأحسستُ بتوقف كلّ شيء حولي، وإذا بملائكة تتدلّى بين أيديها علامات إنذار. لم أفهم ولا كلمة من أغنية ناظري، ولم أفهم لماذا كنتُ أبكي. في نفس اللّحظة قرّرت الاتّجاه نحو محافظة "كردستان" إيران لمعرفة ما تقوله كلمات "واران وارانه"

بعد تحميل الألبوم، نحدّد طريقاً يناسب الحدث مسافةَ؛ مثلاً الطريق المتجهة من الأهواز إلى مدينة عبّادان تبلغ 100 كيلو متر، والطريق المتجهة للشوش هي 106 كيلو متر. أو عليك أن تختار طريقاً جبلية كطريق باغْمَلك 126 كيلو متر، وتشتدّ خطورته شتاءً. تتجهّز بالماء والشاي، وأحياناً القهوة، ومع انفتاح الطريق تفتح المذياع، وتنظّم الصوت لسماع تفاصيل حركة موسيقية.

أوقفتُ السيارة فأحسستُ بتوقف كلّ شيء حولي، وإذا بملائكة تتدلّى بين أيديها علامات إنذار. لم أفهم ولا كلمة من أغنية ناظري، ولم أفهم لماذا كنتُ أبكي. لم تعد هذه الطريق مناسبة، ولا ما شابهها. في نفس اللّحظة قرّرت الاتّجاه نحو محافظة "كردستان" إيران لمعرفة ما تقوله كلمات "واران وارانه". تفصلني عن المدينة 536 كيلو متر، أي 10 ساعات من السّير المتواصل. الخطة هي الوصول إلى كردستان، وبعد ذلك سأفكّر كيف أسأل عن معنى الكلمات.

في الطريق وبعد أن وصلتّ مدينة "أَنديمِشْك"، لاحت لي لافتة مدينة "إيلام"، وهي منطقة يسكنها الأكراد، ولي فيها صديقٌ قديم. اتّجهت نحو إيلام؛ 332 كيلو متر و6 ساعات.

في الصباح الباكر وصلت إيلام، فتغيّر كلُّ شيء؛ انخفضت حرارة الجوّ، والنباتات بدت مختلفة، والسماء أشدّ قرباً؛ وديان خضراء، وجبال وعرة، وبحيرات صغيرة. لقد عبرت السلسلة الجبلية التي تقول هنا ينتهي كلُّ ما يتعلّق بالبحر. بحثتُ عن قرية صديقي. تقع قريته فوق الجبل في مكان لا يعبره أحد، وحذرني الجميع من ولوج منطقتهم الجبلية، فقطّاع الطرق فيها لا يرحمون. ولكنني بتّ كردياً الآن بعد ستّ ساعات من الاستماع إلى "وارانه".

صعدتُ الجبل بسيارتي محاطاً بالريبة والتوجس، وأشجار البلوط والجوز واللّوز وخليّات نحل. فكلمة قطّاع الطرق بات الآن لها معنى متناقض. وصلتُ لقرية في أقصى الجبل. سألتُ عن صديقي، فأجابني الرّجلُ العجوز بكردية لم أفهمها. اتّجه نحونا طفلٌ وهو يركض، فهم عني وفهمت عنه. وأخيراً استجاب الرجل العجوز، وقال: "تقصد حامد العربي". انصدمتُ؛ إذاً، هو بالنسبة لهم عربي، وأنا ما زلت أراه كردياً.

أشار لنهاية الطريق الجبلية، وقال: قبل أن تصل لنهاية الجبل، ويُقطع عليك الطريق، تجد منزلهم على اليسار. كان الطفل يترجم، وهو يقضم الجوز. أكملتُ طريقي، ووصلت حيث البيت في وادٍ. ترجّلتُ من السيارة، فرحّب بي كلبٌ شرس. اضطررتُ للتراجع أمامه. خرجت امرأة عجوز من منزل الوادي، قلت لها: "سلام يُمّا". ما الذي دعاني لأقول لها يمّا؟ قالت: "هلا يمّا"، وَدَعتني للدخول.

جلسنا في باحة البيت تحت سنديانة أو هكذا بانت لي. شجرة كبيرة، عمرها لا يقلّ عن العجوز التي استقبلتني. كانت تتحدث الكردية ولا أفهم منها أيّ كلمة. أمام بيتهم بستان في نهايته نهر تكاد لا ترى الماء فيه. قلتُ لها أنا صديقُ حامِد. فأخذتْ بالبكاء، ثمّ وضعتْ وشاحَها العربيّ (الشَّيلة) على فمِها، وناحت: "واران وارانه". كنتُ أرافقها بالبكاء. تجمهر الناس حولنا، فقطعتْ نواحَها، وأشارت نحوي قائلة: حامد. في صوتها فقدٌ وحنينٌ ولوعة.

عرفتُ أنّ حامداً مات منذ ثلاث سنوات، وهذه المرأة جدّته التي لم تره منذ عشر سنوات. تذكّرت التَّمرَ والسمكَ في صندوق السيارة. فجنوبنا مشبعٌ بالتّمر والسمك. أخرجتُهما، وتولّت العجوز توزيع التمر، دون أن تلمس السمكَ الذي اخترتُه بحرياً ونهرياً.

جمعتُ خشب البلوط، وأشعلتُ النار. شويت السمك، وحين انتهيتُ لم يمدّ أحدٌ يده نحو السمك، بينما أحضروا هم لحمَ الضأن مشوياً. بين مَن حضرَ كان رجل عجوز أعتقد أنّ اسمَه كان "داوداً"؛ طويل القامة قد يبلغ طوله مترين، ويدُه قوية كادت تهشم أصابعي، فحين مددتُ يدي له، تلقّف أصابعي، وفاتني توقيتُ تعديل وضعية يدي. قال: "كيف تأكلون هذه الزّفرةَ بكلّ هذا الشوك؟ أين الكلب؟" أخبَروه بمكان الكلب لأنّ الرجل العجوز فاقد للبصر. رمى رأسَ السمكة للكلب. تشمّمه الكلب، ثمّ تركه. قال: "هل ترى أنه حتى كلابنا لا تأكلها!"

لم أحصل على غايتي بعد. قطعتُ الطريق لأفهم كلّ مفردة من "وارانه". أفهمتُهم بالإشارة وبتكرار "وارانه" أنني أريد معناها. نهضتْ فتاةٌ لم أنتبه لها من قبل. كان صوتها هو ترجماني منذ وصولي، لكنها أخفتْ نفسها عنّي. هل هي جميلة؟ كانت تشرح الكلمات كلمةً كلمةً، ولم أعد أفهم ما تقوله. كان جمالها لا يُحتمل ولا يفهم. حلّ الليل والجوّ الربيعي باتت برودته الآن مثل مسامير تُغرز تحت الجلد، وثيابي الصيفية لا تقاوِم الوخز الجبلي.

قرّرت الرحيل، فناحت جدّةُ حامد. قالت: "في نفس هذه الساعة تركَني حامد يا يمّا." وكرّرت "الوارانه" أو سمفونية المطر. تقول فيها: "إنه المطر. إنه المطر يا عزيزي! كان وعدك أن تاتي في الربيع، وها هو الخريف قد حلّ. لقد بلّلني المطر. أنا لن أضحك، حزناً عليك، أعدك بذلك يا عزيزي!

قرّرت الرحيل، فناحت جدّةُ حامد. قالت: "في نفس هذه الساعة تركَني حامد يا يمّا." وكرّرت "الوارانه" أو سمفونية المطر. تقول فيها: "إنه المطر. إنه المطر يا عزيزي! كان وعدك أن تاتي في الربيع، وها هو الخريف قد حلّ. لقد بلّلني المطر. أنا لن أضحك، حزناً عليك، أعدك بذلك يا عزيزي! ولن أنزع عني ثياب الحداد". أريد الهروب من وخز البرد ووخز كلماتٍ تعِد الغائبَ، ووخز ذكريات صديقي القديم حامد. عدتُ وحيداً قاطعاً 332 كيلو متراً تتكرّر فيه أغنية "وارانه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard