الرئيس السابق لـ"الأمر بالمعروف": لا داعي لإغلاق المحال وقت الصلاة

السبت 6 يوليو 201903:51 م

من عاش يوماً في السعودية يُدرك تماماً كيف يبدو الصراع مع الزمن للوصول إلى أيٍّ من المحالّ التجارية (بما في ذلك الصيدليات والمخابز) قبل أن تُغلق استعداداً للصلاة.

في تصريحٍ وُصف بـ "المُثير للجدل"، قال مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة السابق، والباحث الشرعي الدكتور أحمد بن قاسم الغامدي، في برنامج "إم بي سي في أسبوع" المُذاع على فضائية "إم بي سي" يوم 5 يوليو/ تموز الجاري، إن "صلاة الجماعة سنة" (ليست فرضاً)، وفقاً لما اتفق عليه عامة فقهاء المسلمين، ولذلك "لا ينبغي إلزام الناس بإغلاق المحالّ لأمر مندوب إليه، ولكن يحث الناس عليها لما في صلاة الجماعة من فضائل ودرجات"، بحسب قوله.

وقبله بأيامٍ قليلة، اعتبر عضو مجلس الشورى السعودي عيسى الغيث في مقالٍ نُشر يوم 1 يوليو أن "إغلاق المحالّ للصلاة يقتصر على صلاة الجمعة"، انطلاقاً من آية "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون"، مُضيفاً "أما بقية الصلوات، فهي محل خلاف محلي معاصر، والمسألة محل اجتهاد".

وأشار الغيث إلى أن في إلزام المحالّ بالإغلاق "ضرر على مصالح الناس". ورجّح الغامدي "سبب التشدد"، رداً على مُحاوره، إلى "عمق تأثير مدرسة أحادية الرأي التي لا تسمح بطرح الآراء المختلفة"، مضيفاً أن هناك من "تشرّب التشدد".

وأوضح الغامدي أن "قضية إغلاق المحالّ وقت الصلاة مسألة مرتبطة بوجوب صلاة الجماعة من عدمها، وهي مسألة مختلف فيها بين المجتهدين"، مشيراً إلى أن أقرب الأقوال ما رجّحه عامة الفقهاء والمحققين وهو أنها "سنة مؤكدة، وعلى هذا ينسحب الحكم على المحالّ ولا يكون لإغلاقها وجاهة شرعية".

وسخر بعض روّاد التواصل الاجتماعي من هذه الفتوى الحديثة، إذ قال أحدهم "والله من أول ابتدائي وأنتم تدرسونا على أنها واجب وش (ما) إللي تغيّر!؟"، وغرّد آخر على تويتر "قلناها مُنذ أيام المنتديات وكفرنا رغم سردنا للأدلة"، فيما اعتبر أحدهم صلاة الجماعة "ليست إلا كشف حضور لأهل الحي". 

أفتى الغامدي كذلك بقبول التهاني والورود الحمراء بعيد الحب الذي يُصادف 14 فبراير من كل عام 
"والله من أول ابتدائي وأنتم تدرسونا على أنها واجب وش (ما) إللي تغيّر!؟"...مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق يقول إن "صلاة الجماعة سنة" (ليس فرضاً)، ولذلك "لا ينبغي إلزام الناس بإغلاق المحالّ"

السعودية تُغيّر نهجها

تغيّر نهج السعودية مُنذ تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد، مُحللاً من خلال دعاة الدين ما كان مُحرماً.

ومن فتاوى عهده قول الغامدي إن قبول التهاني والورود الحمراء بعيد الحب الذي يُصادف 14 فبراير من كل عام "مباح"، بعدما كان الاحتفال مُقتصراً على عيدي الفطر والأضحى. 

وصرّح الغامدي بأنه "يجوز تهنئة اليهود والنصارى بأعيادهم الوطنية والاجتماعية بما فيها عيد الحب، وردّ السلام عليهم والتحية وتبادل الورود الحمراء وغيرها، بشرط أن لا تكون فيها دلالات عقدية تخالف الإسلام أو أحكامه". وجاءت الفتوى بعدما كانت السلطات تُمارس رقابة مكثفة على المتاجر والمحالّ التي تروّج لعيد الحب. 

في السياق ذاته، قبل أيام قليلة من انطلاق مهرجان الجاز في الرياض في مارس 2018، ضمن فعاليات هيئة الترفيه، أجاز المفتي العام للسعودية عبد العزيز آل شيخ سماع موسيقى وأغاني الجاز، مؤكداً بعد سنوات عديدة من التحريم، أن أدلة تحريم الموسيقى ضعيفة، وأن موسيقى الجاز "غير محرمة ولا تعتبر من مجالس اللهو والطرب لأنها بلغة أجنبية لا يفقهها المسلم العربي". 

من جهته، قال الغامدي في حوارٍ تلفزيوني إن "الموسيقى والفنون تهذب النفوس، وتعلي ذائقة الإنسان وأخلاقه". وكان قد أثار جدلاً بين مُتابعيه حينما عايدهم بأغنية لفيروز. 

من عاش يوماً في السعودية يُدرك تماماً كيف يبدو الصراع مع الزمن للوصول إلى أيٍ من المحالّ التجارية (بما في ذلك الصيدليات والمخابز) قبل أن تُغلق استعداداً للصلاة...والآن يقول الرئيس السابق لـ"الأمر بالمعروف": لا داعي لإغلاق المحال وقت الصلاة

اتباع بن سلمان

وبعدما قال بن سلمان إن "ارتداء العباءة ليس شرطاً للمرأة السعودية، وإن المهم هو الحشمة"، أكد الغامدي تصريح ولي العهد قائلاً إنه يتفق مع تعاليم الإسلام، وما يفتي به كبار العلماء، وإنه ليس فيه أي أمر يحتاج للتوضيح أكثر، مُضيفاً "اللون الأسود ليس هو اللون الوحيد المقر بالشريعة الإسلامية، بل جاء بفعل استغلال فتاوى معينة من قبل جماعة الصحوة، وتكريس مفهوم عباءة الرأس واللون الأسود، ليكون هو المتصدر بالحجاب للمرأة السعودية".

من حرام إلى حلال

في عام 1990، أصدرت هيئة كبار العلماء في السعودية فتوى تعتبر قيادة المرأة للسيارة "أمراً مخالفاً للشريعة الإسلامية"، إلا أن هذه الفتوى تغيّرت بعدما أمر ولي العهد محمد بن سلمان بالسماح بقيادة المرأة للسيارة مُنذ 23 يونيو 2018. 

في السابق، قال عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الله المنيع إن "منع المرأة من قيادة السيارة تكريم من الدولة لها، وحفاظ على عفتها وأنوثتها"، واعتبر رئيس هيئة كبار العلماء، عبد العزيز بن باز أنه "لا يجوز للمرأة أن تسوق السيارة في شوارع المدن ولا اختلاطها بالسائقين، لما في ذلك من كشف وجهها أو بعضه، وكشف شيء من ذراعيها غالباً، وذلك من عورتها، ولأن اختلاطها بالرجال الأجانب مظنة الفتن ومثار الفساد".

تغيّر الحال بعدما سُمح للمرأة بالقيادة، إذ رأت هيئة كبار العلماء في ما بعد أن "الحكم الشرعي في قيادة المرأة للسيارة من حيث الأصل الإباحة، وأن مرئيات من تحفظ عليه تنصب على اعتبارات تتعلق بسد الذرائع المحتملة التي لا تصل ليقين ولا غلبة ظن".

وتطول قائمة المُحرمات التي تحوّلت إلى ما يندرج تحت مُسمى "حلال" في السعودية، بما في ذلك منح تراخيص إنشاء دور سينما بالسعودية والسماح للأفلام العالمية بالتصوير على أراضيها، إلى جانب إقامة مهرجانات سينمائية وموسيقية. 

عائض القرني يعتذر

في مايو الماضي، اعتذر الشيخ عائض القرني باسم الصحوة للمجتمع السعودي خلال استضافته في برنامج "الليوان" على روتانا خليجيّة عن "الأخطاء أو التشديد التي خالفت الكتاب والسنة وسماحة الإسلام وضيقت على الناس"، قائلاً إنه مع الإسلام المعتدل المنفتح على العالم الذي نادى به محمد بن سلمان وإنه سيُسخر قلمه في خدمة مشروع ولي العهد في الاعتدال.

وأشار القرني، وهو أحد مؤسسي جماعة "الصحوة" التي ظهرت في السبعينيات من القرن الماضي، إلى أن "من الأخطاء التي وقع فيها الاهتمام بالمظهر أكثر من المخبر والوصاية على المجتمع وتقسيمه إلى ملتزمين وغير ملتزمين"، مُضيفاً أنه حرّم على الناس مظاهر الفرح من باب الالتزام القوي والشدة، وأنه اكتشف هذا "بعد ما كبرنا ونضجنا". 

إسلام معتدل

وقال الأمير محمد بن سلمان في مُقابلة سابقة حينما كان ولي ولي عهد المملكة إن مواجهة بلاده للإرهاب هي الأطول والأعنف منذ تأسيس المملكة، معبراً عن استهجانه "سوء الفهم العميق" من الأمريكيين وربطهم بين "الوهابية" والإرهاب.

وأضاف أن كلّه ثقة بقدرة المسؤولين والمشترعين الأمريكيين على التوصل إلى حل عقلاني حول قانون "غاستا" الذي يخوّل عائلات ضحايا الهجمات الإرهابية في أمريكا بمقاضاة السعودية ودورها المحتمل بهجمات الـ11 من سبتمبر 2001.

وبعد توليه منصب ولي العهد، في ظل ما تشهده المملكة من انفتاح، قال "نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه، الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان وعلى جميع التقاليد والشعوب"، مضيفاً "70% من الشعب السعودي أقل من 30 سنة، وبكل صراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفوراً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard