عشرة أشياء غيّرت برلين خلال السنوات العشر الأخيرة... وللعربِ دورٌ

الاثنين 8 يوليو 201907:33 م

التغيير هو سنة الحياة، ليس حياة الأشخاص فقط بل والمدن أيضاً. كلُّ المدن تتبدل معالمها وطرق الحياة فيها مع مرور الزمن، تماماً كما تتبدل ملامح الناس. إليكم عشرة أشياء تغيرت في برلين، عاصمة أكبر اقتصاد أوروبيّ منذ عام 2009 وحتى اليوم.

1. الحياة أصبحت أكثر غلاء

يمكننا أن نقول بثقة إن الأسعار زادت حوالي الثلث خلال السنوات العشر الأخيرة. ففي سنة 2009 مثلا كان دليل الطلاب الى الحياة في برلين ينصح: بإمكانك عيش حياة كريمة كطالب في المدينة بمبلغ 800 يورو في الشهر. هذه كانت المنحة الشهرية المخصصة لطلاب الدراسات العليا في برلين، أما اليوم فلا يمكن العيش بذات المستوى بدون 1200 يورو كحدّ أدنى. فلماذا هذا الارتفاع في الأسعار، وما الذي تغيّر؟

لذلك أسباب عديدة أهمّها أن برلين عادت لتحتلَّ مكانتها بين المدن الكبرى في أوروبا والعالم، بعد توحيد ألمانيا الشرقية والغربية. فبعد 20 عاماً من التقسيم كان لابدّ لعاصمة أكبر اقتصاد أوروبي أن تلتحق بركب العواصم الأوروبية الأخرى والمدن الألمانية الأغنى، كميونخ وفرانكفورت وهامبورغ من حيث المكانة والأسعار.

2. الإيجارات السكنية أصبحت مرتفعة جدّاً

بحسب جريدة Morgenpost مورغن بوست الألمانية، تحتل برلين المركز الأول عالمياً في ازدياد أسعار العقارات فيها، إن كان للشراء أو للإيجار. فبحسب صحيفة Welt (العالم) الألمانية، لذلك أسباب عديدة منها النموّ السكاني بفعل ازدياد الهجرة العالمية إلى برلين، بالإضافة إلى موجة النزوح السّوري إلى ألمانيا في 2015. هذا فضلاً عن عودة برلين لتبوّء مكانتها الدولية بعد توحيد ألمانيا.

3. الجنتريفيكيشن Gentrification المرتفع

Gentrification، أو التّحسين بالعربية، هي ظاهرة مرتبطة بقدوم الأغنياء والطبقات الاجتماعية الأعلى إلى المناطق الفقيرة، مما يحسّن المنطقة، ويحوّلها من منطقة فقيرة إلى منطقة أغنى. وهذا ما يؤدّي بدوره إلى ارتفاع الأسعار أكثر فأكثر.

وبسبب ظاهرة الجنتريفيكيشن Gentrification أصبح هناك أغنياء أكثر في برلين يقيمون بجانب فقراء، والهوّة بين الاثنين تتّسع أكثر فأكثر، لكن هذه مشكلة عالمية، ولا تقتصر على برلين فقط.

ارتفعت أسعار العقارات بسبب النموّ السكاني الذي حصل في برلين بفعل ازدياد الهجرة العالمية إلى برلين، بالإضافة إلى موجة النزوح السّوري إلى ألمانيا في 2015

4. ازدياد الدّخل وتقلّص البطالة

لطالما تغنّى البرلينيون بأن برلين مدينة "فقيرة لكن مثيرة". ما زالت برلين مثيرة، لكنّها لم تعد فقيرة أبداً. ففي حين كانت نسبة البطالة 14٪ في العام 2009، أصبحت في 2019 تقلّصت تلك النسبة إلى 7.5٪ فقط. وفي حين كان معدّل الأجور الوسطي 1500 يورو في الشهر، أصبح الآن 2500 يورو في الشهر.

5. ازدياد عدد السّكّان نصف مليون ومعظمهم من الأجانب

كبرت برلين في العقد الأخير وأصبحت مدينة كوزموبوليتية، وخزان القوة الأوروبي، وقد ازداد عدد سكانها حوالي نصف مليون في السّنوات العشر الأخيرة. وبرلين مدينة مليئة بالأجانب أيضاً، إذ بين كلّ أربعة برلينيين هناك واحد لا يحمل الجنسية الألمانية، ولهذا تعيش برلين غلاءً متنوعاً وتشهد تعدّداً ثقافياً كبيراً.

هذا وقد ازداد الطّلب على الوحدات السكنية في حين بقي العرض محدوداً جدّاً، وذلك ساهم برفع الأسعار إلى حدّ كبير؛ ولذلك تقوم حالياً مظاهرات واحتجاجات عديدة في الشوارع ضدّ الغلاء والجنتريفيكيشن ورفع إيجارات السكن، لدرجة أن الأحزاب اليسارية قد أدرجت ضمن برامجها مشروعَ قانونٍ لمصادرة الشقق السكنية المملوكة من كبار المستثمرين، إذ زاد عدد الشقق التي يمتلكونها من 300,000 وحدة سكنية، وفي هذه الحالة ما هو مطلوب من الدولة هو أن تؤجر الشّقق المصادرة بأسعار مخفّضة.

6. المناطق غير المرغوبة سابقاً أصبحت المفضّلة للسّكن

منطقة نويكولن NeuKölln المفضّلة لدى الوافدين العرب كانت سابقاً تعتبر خطِرة، إلا أن أسعارها أصبحت الآن خمسة أضعاف عمّا كانت عليه منذ عقد من الزمن، حيث يصل السعر إلى 5000 يورو للمتر المربع الواحد فيها.

ونويكولن، هي تاريخياً منطقة تسكنها الطبقة العمالية الألمانية الفقيرة بالإضافة إلى المهجّرين الأتراك والعرب، وقد جاء معظم العرب في ثمانينيات القرن الماضي إلى ألمانيا. أما اليوم فيتجاور فيها السكّان القدامى مع القادمين الجدد من الفنانين والهيبسترز Hipsters.

ويعرّف القاموس المديني الهيبسترز على أنهم مجموعة من الناس ذوي الثقافة البديلة، تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين عاد ةً،وهم يبتعدون عن أنماط الاستهلاك السائدة والموضة الرائجة ويقدرون التفكير المستقل، السياسات التقدّمية، الفنون والإبداع والاختلاف.

لطالما تغنّى البرلينيون بأن برلين مدينة "فقيرة لكن مثيرة". ما زالت برلين مثيرة، لكنّها لم تعد فقيرة أبداً

فأصبحت المنطقة تعجّ بالمطاعم والمقاهي ومعارض الفنون، يسكنها الفنانون والمفكّرون ويقصدها الطهاة الشباب النجوم الذين يفتتحون مطاعمهم التجريبية والطليعيّة أو "Avant Garde" فيها؛ فبينما كانت المنطقة تقتصر على بعض محلات "الدونر" التركي والفلافل والشاورما العربيين، أصبحت الآن زاخرة بكافة المأكولات العربية والحلويات والأطعمة التي قد تتمنّونها من المطابخ العالمية الكوزموبوليتية من كلّ العالم: التاباس الإسباني، النبيذ الفرنسي، والمأكولات الآسيوية على أنواعها من فيتنام إلى اليابان مروراً بكوريا.

7. المناطق الـ"كول" cool والأكثر شعبية سابقاً، تغيرت اليوم

في 2009، كان جميع الطلاب والفنانون والمثقفون القادمين إلى برلين يريدون السّكن إما في كرويزبيرغ Kreuzberg أو برنسلاوربيرغ Prenzlauerberg، وكانت الأسعار هناك مرتفعة نسبياً. منطقة النويكولن كانت تعتبر خطرة جدّاً، وباقي برلين الغربية مُمِلّة ومليئة بالمسنّين. أما اليوم فمنطقة النويكولن هي من أكثر المناطق طلباً.

إعادة اكتشاف برلين الغربية

منطقة Charlottenburg شارلوتنبورغ، بما أنها تمثل الغرب القديم كمنطقة غالية وبرجوازية، اليوم عادت إلى خارطة الأماكن المرغوبة، إذ هناك إعادة اكتشاف لبرلين الغربية، فأصبح شارع كانط شتراسيه Kantstrasse مؤخراً في قلب برلين الغربية "كول cool" ومرغوباً فيه، وبدأ الفنانون والهيبسترز بالتوافد إليه.

أما منطقة ًWedding فيدينغ، منطقة الطبقة الألمانية العاملة الفقيرة، المنسيّة في غرب المدينة فقد أصبحت

مرغوبة مجدّداً أيضاً، لأن الشقق السكنية فيها مازالت أسعارها مقبولة، وبعد أن بدأ الطلاب والفنانون وروّاد الثقافة البديلة الـ"اندرغراوند" Underground بالتواجد فيها، تبعهم الناس العاديون.

8. برلين أصبحت كوزموليتية ومتعدّدة الثقافات

أصبحت العاصمة أكثر انفتاحاً على الثقافات والعادات الأخرى، وأكثر تقبّلاً للآخر؛ مدينة عالمية بكلّ معنى الكلمة، فيها مقومات المدن الكبيرة كنيويورك وسان فرانسيسكو وباريس وهونغ كونغ، ولكن الحياة فيها مازالت أقلّ كلفة من تلك المدن، وهذا شيء جيد يقدّره سكان المدينة.

9. المناسبات والفعاليات الثقافية العربية قد ازدادت

كان وجود مدارس تعليم اللغة العربية يقتصر على المساجد فقط، إلا أن اليوم أصبحت مدارس عديدة متوفرة في كل أنحاء المدينة. الثقافة العربية حاضرة ليس من خلال حفلات زياد الرحباني وياسمين حمدان وحسب، بل وأيضاً من خلال سكان المدينة العرب من فنانين وموسيقيين من مختلف البلدان العربيّة، والذين يقومون بإنتاج محتوى ثقافي جديد.

في السابق كان الأكل العربي يقتصر على سندويشات الفلافل والشاورما فقط في الأكشاك الصغيرة، لكنه الآن قد نشأت عدة مطاعم عربية راقية وغالية الثمن، وتُقدّم كلّ المأكولات العربيّة التي تجدونها في العالم العربي

هناك مسرحيّات عربيّة، ومؤخراً مهرجان بكامله في الشّارع مخصّص للمطبخ الشرق أوسطي. هذه كلّها أمور لم تكن متوفرة منذ عشر سنوات. الأمثلة عديدة كمكتبة "بيناتنا" العربيّة، ومهرجان الفيلم العربي الذي يقام منذ عشر سنوات، بالإضافة الى الأمسيات الموسيقية التراثية والندوات الأدبية، كلّها فعاليات أسهمت بإثراء المشهد الثقافي العربي في المدينة.

10. الأكل العربي أصبح متوفراً بكثرة ومرغوباً لدى الألمان

من البوظة الشاميّة الدّق في مطعم "باب الحارة" في شارع زونن آلي Sonnenallee، إلى مطاعم المشاوي العربية عند "الرّضا" في تورم شتراسيه ُTurmstrasse، وحتى المعلبات السورية والبهارات والنبيذ والعرق اللبناني على أنواعه، يجد العربُ كلّ حاجاتهم في برلين، ولا حاجة لحمل هذه المأكولات من الوطن.

في السابق كان الأكل العربي يقتصر على سندويشات الفلافل والشاورما فقط في الأكشاك الصغيرة، لكنه الآن قد نشأت عدة مطاعم عربية راقية وغالية الثمن، وتُقدّم كلّ المأكولات العربيّة التي تجدونها في العالم العربي.

هل ما زالت برلين مثيرة كالسابق؟

إنه فعلاً أمر يتعلق بالذوق الخاص، وهو وجهة نظر شخصية في النهاية. لا شكّ بأنكم ستحبّونها إن كنتم تحبون المدن المشغولة والسريعة والمفتوحة على كلّ الثقافات العالمية. هي مدينة تعيش آلام النموّ والتوسع السريع، وهذه الآلام تترجم بارتفاع الأسعار، وعدم توافر الشّقق السكنية لتلبية الطلب المتزايد.

وهي أيضاً مدينة مليئة بالطاقة والحيويّة التي لا تمنحنا إياها إلا المدن الكبرى، حيث بإمكان كلّ شخص أن يجد حيّه الصغير الخاص الذي ينتمي إليه، والجماعة التي ينتمي إليها، وأن يكون هو نفسه أو هي نفسها، وأن يحقق كل شخص أحلامه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard