"ملح" مجاهدي "الثورة" والحراك الشعبي... "الكسكسي" في الجزائر

الأحد 7 يوليو 201905:29 م

حين نعود إلى الصور والفيديوهات التي ترصد تفاصيل الجمعات الثلاث الأولى للحراك الشعبي، الذي انطلق يوم 22 شباط/ فبراير الفائت، سنلاحظ بسهولة توجّساً مشتركاً بين الجزائريّين من بعضهم، بالنظر إلى أن الحراك فاجأ الجميع، بعد عشرين سنة من غياب المسيرات الشعبيّة الشاملة عن الشارع. وهو التوجّس الذي اختفى في الجمعات اللاحقة، حيث تكرّست مظاهر الحميميّة والتقارب ومشاركة اللحظة.

وجاءت أطباق الكسكسي مجسدة لتلك المظاهر العاطفية والسلوكية.

شرعت الأسر في توزيع أطباق الكسكسي بالشوارع، خلال المسيرات الشعبيّة، حتى الشباب الذين يأنفون من تناوله في المنزل أكلوه في المسيرة.

حصل ذلك في مدينة برج بوعريريج، التي باتت تعرف بعاصمة الحراك، حيث سمعت أثناء مشاركتي شابّاً يقول إنّه يضطرّ إلى أن يأكل في المطعم، حين تطهو أمّه الكسكسي في البيت، لكنّه أكل من الكسكسي، الذي أحضره العمّ مبروك إلى المشاركين في المسيرة.

سألته عن سبب ذلك، فقال إنَّ الكسكسي في المسيرة بات يعني روح الجماعة، "وأنا أصلاً خرجت باسم هذه الروح لأطالب بالتغيير، والأكل هنا يجلب البركة".

لا يتخلّف العمّ مبروك (72 عاماً) عن إحضار قصعةٍ كبيرةٍ من الكسكسي، ويضعها في بقعةٍ بارزةٍ ليأكل منها المشاركون في المسيرة. ولأن جمعات الحراك طالت، فهو ينوّع في الكسكسي.

يقول إنه يمكننا أن نعرف وضعه المالي، في تلك الجمعة، من خلال طبيعة الكسكسي الذي يحضره للمتظاهرين، "إذا كنت مرتاحاً ماليّاً، فسيكون بلحم الخروف أو البقر أو الدجاج، وإذا كنت متعباً ماليّاً، فسيكون باللبن".

سألته: لماذا الكسكسي بالذات وليس طبقاً آخر، فقال إنه سهل الإعداد، ولا يتطلّب تفاصيل كثيرة، "ولأن الكميّة كبيرة، بحكم أن الأفواه كثيرة في المسيرة، فإن الكسكسي يأتي في طليعة الأطباق الصالحة للمناسبة".

يضيف مبروك، مذكّراً بعادات بلده: "في العادة يأكل منه القادمون من خارج المدينة، أي من يحتاج إلى طعام، في يوم الجمعة، الذّي تكون فيه المطاعم مغلقة، وهم بهذا ضيوفنا ولا بدّ أن نكرمهم بما أكرم به أجدادنا ضيوفهم".

ويختم حديثه قائلاً: "لقد كان الكسكسي طعام مجاهدي ثورة التحرير وها هو يلعب الدور نفسه خلال الحراك، الذي يعدّ ثورة ثانية".

عدم الانتباه إلى وجود متظاهرين قادمين من مناطق بعيدة وحاجتهم إلى طعام، دفع بعض روّاد موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك في البدايات إلى أن ينتقدوا ظاهرة إخراج صحون الكسكسي في المسيرات، من منطلق كونها تمثّل، حسبهم، إلى جانب الرقص والغناء، تمييعاً للمسيرات المطلبيّة.

يقول المسرحي، ماسينيسا قبايلي، لرصيف22 إنه كان متحفّظاً على الظاهرة في البداية، "ثمّ وقفت ميدانيّاً على أبعادها الرمزية، فصرت متفاعلاً معها".

يشرح أكثر: "إنّها ظاهرة تمثّل الإيثار الشعبي، الذي يعدّ إسمنت الحراك. تأمّل الأيدي وهي تمتدّ إلى الصحن، فستلاحظ أنها تتجنّب قطع اللحم، ليأكلها آخرون. يحدث هذا في مسيرةٍ خرجت لتزيح عصابةً ميزتها أنها تأخذ من الآخرين لتعطي لنفسها ومقرّبيها".

"ملح" العلاقات الإنسانية

جاء في حكاية شعبية شائعة في الجزائر أن جماعةً من اللصوص اقتحموا بيتاً، فوجدوا فيه من الأغراض الثمينة ما أسال لعابهم، ثمّ عثروا على صحن كسكسيّ، فأوغلوا فيه أكلاً.

هناك أمرهم زعيمهم بأن يعيدوا المسروقات إلى أماكنها، بحجّة أنهم أكلوا "ملح" البيت، وليس من النبل أن يُسرَق بيتاً أُكل ملحُه.

يُمثّل الكسكسي "الملح" في الخيال الشعبي، رابطة قوية بين شخصين أو أكثر تناولوه معا، مما يقتضي الوفاء له والبعد عن خيانته.

ورغم زهد قطاعٍ واسعٍ من الشّباب الجزائري فيه، في ظلّ التّحوّلات الغذائيّة، التي اختبرها الناس خلال العقدين الأخرين، وبقيت بلا دراسات حقيقيّة من طرف المنظومات المعنيّة برصد التحوّلات في السلوك والتفكير والأذواق وردود الأفعال، إلّا أنّ الكسكسي بقي محتفظاً بكونه الطبق الأوّل في أنحاء البلاد، خاصّةً خلال استقبال الضيوف، والمناسبات العائليّة، والاحتفالات الدينيّة.

تختلف أسماء الكسكسي من منطقة إلى أخرى، فهو الكسكس والكسكسي وسَكْسُو وأَسَكْسُو، و"البربوشة" من البربشة التّي هي عمليّة تكوير الحبيبات، و"المسفوف" إذا كان رقيقاً بلا مرق، كما يُسمّى "النّعمة" في الشرق، و"الطعام" في مدن الوسط، كنايةً عن كونه الطبق المهيمن في يوميّات السكّان، فهو كل الطعام في نظرهم.

"لقد كان الكسكسي طعام مجاهدي ثورة التحرير وها هو يلعب الدور نفسه خلال الحراك، الذي يعدّ ثورة ثانية"

لم يقتصر تنوّع الكسكسي على الأسماء فقط، بل تعدّى إلى طرق إعداده ومكوّناته أيضاً، فهو يُعدّ أساساً من القمح أو الشعير المطحونين، وثمّة من يستعمل دقيق الذرة والبلوط، في شكل حبيباتٍ صغيرةٍ تُطهى بالبخار، في إناء مثقوب يسمّى "الكسكاس"، ويُدهن بزيت الزيتون أو الزبدة، وقد يسقّى بالمرق، الذي يتضمّن الخضر واللحم، وقد يأكل بدونهما، أو بالزبيب أو السكر، أو بالحليب أو اللبن، كما أنّ هناك مناطق ساحليّة تستعمله بالأسماك، خاصّة الأخطبوط.

"السياسة فرَّقتنا، والكسكسي جمّعَنا"

رغم أن باحثين ورحّالة كثيرين تطرّقوا إلى أصل الكسكسي ذي الروح الأمازيغيّة، منهم المؤرخ والصحفي الفرنسي، شارل أندري جوليان، في كتابه "تاريخ شمال أفريقيا"، إلّا أن شعوب المغرب العربي والأمازيغي الكبير تجاذبت ملكيّة "سلطان الأطباق". خاصّة تونس والجزائر والمغرب، وهو ما دفعها مطلع العام الجاري إلى أن تقدّم ملفّاً مشتركاً لمنظّمة "اليونسكو"، بقصد إدراجه ضمن التراث الإنساني، بكلّ ما يترتّب على ذلك من فوائد تصبّ في حفظه والتسويق له في القارّات الخمس.

في سياق هذه الروح المغاربيّة المشتركة، التي يمثلها الكسكسي يقول الشاعر المغربي عادل لطفي لـرصيف22، إن سنواتٍ كثيرة مرّت من غير أن يجتمع المغاربيّون على مشروعٍ واحد، رغم أنهم مشغولون باتحاد دول المغرب العربي منذ عام 1989، في ظلّ تضارب المصالح السياسيّة، "وها هو الكسكسي يفعلها. إنّه لا يجمع أفراد الأسرة الواحدة فقط، بل يستطيع أن يجمع دولاً تشترك فيه أيضاً"، يضيف: "ثمّة أكلات تمثل فعلاً المخيال المشترك، وكلّما حضرت غلّبت المشترك على المختلف فيه".

ورغم وجود شركات خاصّة متخصّصة في إنتاج وتصدير الكسكسي، بعضها يصدّر لأكثر من عشرين دولة في العالم، إلا أن وزير التجارة بالنيابة عبد المجيد تبون اعترف في مارس 2017، بأن "مصالحه" اكتشفت أن الجزائر تستورده، الأمر الذي وصفه بـ"التبهديلة" أي البهدلة، من زاوية غرابة استيراد مادّة موطنها الأصل هو الجزائر.

يقول الإعلامي والناشط فاروق بن شريف لـرصيف22 إن هذا السلوك الحكومي هو ثمرة لفوضى التصدير لتبرير إهدار المال العام، "فقد استوردوا كلّ شيء ولم يبق لهم إلا الكسكسي". يسأل: "لماذا لا نملك برنامجاً يُدخل الكسكسي ضمن قائمة الإغراءات السياحيّة، مثلما هي البيتزا في إيطاليا؟ لماذا لا نملك مهرجانات دوليّة في الكسكسي؟ لماذا لا تشرف وزارة الصناعات التقليديّة على دورات تكوينيّة للفتيات تهدف إلى تمكينهنّ من إحسان إعداد الكسكسي".

يُسمّى "النّعمة" في شرق الجزائر، و"الطعام" في مدن الوسط، كنايةً عن كونه الطبق المهيمن في يوميّات الناس، فهو كل الطعام في نظرهم

في السؤال الأخير للإعلامي الجزائري إشارة إلى تراجع إعداد الكسكسي في البيوت، بسبب زهد الجيل الجديد من الفتيات في ذلك، فبقي مرتبطاً بكبيرات السنّ.

تقول "الخالة "أمّ الخير (61 عاماً) متذكرة الأيام الخوالي: "كانت الفتاة التي لا تحضّر الكسكسي لأسرتها وضيوفها بنفسها لا تعدّ جديرة بأن تُخطب، هكذا كان الناس ينظرون إليها". ثمّ تتدارك بالقول: "أما اليوم فلم يعد ذلك مدرجاً ضمن شروط الجدارة بالزواج".

وترجع محدّثة رصيف22 هذا التحوّل إلى جملةٍ من المعطيات منها: انضمام الكسكسي إلى قائمة السلع المتوفّرة في المحال التجاريّة، إذ يمكن شراؤه جاهزاً، وإلى قائمة الأطباق المتوفّرة في المطاعم، "وقد كنا نعتبر تناول الكسكسي في المطعم عيباً، كما أن الشاب الجديد بات ميّالاً إلى الأطباق العصريّة".

يحكى من ضمن الحكايات الشعبية المنتشرة حول الكسكسي أنَّ شيخًا طرأ ضيفاً على بيت. فوضعوا له أصنافاً من المأكولات عرف بعضها ولم يعرف البعض، ولم يكن الكسكسي أو الكسكاس منها (سمّي كذلك نسبةً إلى الإناء، الذّي يتمّ إعداده فيه). فلمّا أكل وشبع قال لربّ البيت: "لماذا لم تجعل لبيتك أساساتٍ، فهو سيسقط قريباً؟". ردّ صاحب البيت: "إذا كان هناك بيت في القرية يملك أساساتٍ قويّة فهو بيتي". قال الضّيف: "دار بلا كسكاس دار بلا أساس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard