ختان الإناث... لماذا تُبتر وتُشوّه أعضاء تناسليّة خلقها الله مكتملة؟

السبت 6 يوليو 201903:30 م

لطالما تساءلت بيني وبين نفسي، ما الذي يدفع الكثيرين للتمسّك بعاداتٍ وتقاليد مضرّة بهم، أو تمس إنسانيتهم، وكأن هناك سحراً استحوذ على عقولهم، فحرمهم ملكة التفكير المنطقي، أو وهماً سلب منهم رؤيتهم للصواب.

منذ عملي في المجال الحقوقي، تحديداً في مجال حقوق المرأة، وكنتُ على موعدٍ دائم لرصد ملف "ختان الإناث" في مصر، عن قرب.

القياسات الأخيرة لمنظّمة اليونيسيف أظهرت، أنه حتى وإن كانت الصومال وغينيا تتصدّران القائمة السوداء لتعدّي النسب في هاتين الدولتين الـ95%، إلا أن عدد النساء المتضرّرات في البلدين محدود بالمقارنة بمصر، التي تضمّ أكبر تجمّعٍ لنساءٍ وفتياتٍ أجريت لهن عمليات ختان، بواقع 27.2 مليون امرأة، وهو العدد الأكبر في العالم بأسره، أي أن مصر تحتل المركز الأوّل في معدّلات ختان الإناث العالميّة، حسب ما ذُكر أيضاً في مؤتمر "القومي للسكان" والذي أقيم في مارس 2019.

كما أن تسارع معدّلات ختان الإناث وانتشار المفاهيم الخاطئة، دفعا المنظمة لإعادة طباعة كتاب "ختان الإناث بين المغلوط علميّاً والملتبس فقهيّاً" بمشاركة نخبةٍ من كبار علماء الأزهر، بعد رصد ظهور أفكارٍ مغلوطةٍ علميّاً وملتبسةٍ فقهيّاً، تسمح بانتشار ممارسة عادة ختان الإناث وتضعف جهود محاربتها.

المسؤول عن الإثارة الجنسيّة هي "الغدّة النخاميّة" بالمخ، أما الختان فهو يؤثّر على الوصول لمرحلة "الإشباع الجنسي" والمتعة الزوجيّة لدى المرأة.

وعندما تلوح ملامح القرى في ذهني، بأحاديث نسوتها وطبائع رجالها، أتذكّر رواية "أصوات" للكاتب المصري "سليمان فياض"، التي تعرض قصّة سيّدة فرنسيّة تزوّجت شاباً مصريّاً من الصعيد، وفي زيارة لبلدته تتجلّى فيها كلّ معاني صدام الحضارات بين الشرق والغرب، تصرّ نساء القرية ويجبرنها على إجراء عملية الختان لها، في مشهد شديد البشاعة. وبعيداً عن قاعات المؤتمرات في فنادق الخمس نجوم، التي طالما تحدّث واجتمع فيها العديد من الجهات الحكوميّة، أو جهات المجتمع المدني المعنيّة بختان الإناث، تدور رحى الحكايات في جلسات النساء في القرى الريفيّة البعيدة، ذات الأزقّة الضيقة، عن "ختان الإناث"، باعتباره في أحيان كثيرة أمراً شديد القدسيّة، لا يجوز المساس به، أو زعزعة معتقداتهم عنه.

تأتي الرواية لتقول: يخشى الوعي المقموع المُحاط بالجهل من أن يستيقظ يوماً، لأنه ألِف حالة الركود والتأخُّر، ويرفُض أن يرى نفسه أو يراهُ الآخر بعيونٍ جديدة، ففي تلك العيون تهديد لتقاليده الراسخة التي يصونها حُرّاسُها الأتباع، ويُبرّرها بعض المسؤولين والوُعاظ.

وتنتهي الرواية، عندما يسأل الطبيب الذي يحاول انقاذ سيمون "السيّدة الفرنسيّة"، بعد اعتداء نسوة القرية عليها: قلْ لي، ما سبب الموت الحقيقي؟

كان الطبيب شارداً، فقال لي باضطراب، والدهشة مرتسمة على وجهه:

نعم.. آه.. موتنا.. أم موتها؟!

وفي قضية "ختان الإناث"، لطالما كانت النساء داعمات أو مشاركات في استمرارها بشكلٍ كبير، وخاصّةً "الجدّة"، في الصعيد والمناطق الريفيّة... ولا شك أن في الجحيم هناك مكان مخصّص للمرأة التي تقف ضدّ المرأة، وتساعد في ترسيخ العادات التي تعمل على احتقارها.

في جلسات التوعية المجتمعيّة التي كنا نعقدها، للتوعية بمخاطر "ختان الإناث"، كانت دائماً هناك عدة أساطير، أولها: الربط بين الختان كضمانة للعفّة، وحسن الخلق.

بالتأكيد الختان ليس ضمانة لحسن الخلق، فحسن الخلق منبعه التربية السليمة على الأخلاق القويمة.

أما الأسطورة الثانية، فكانت: أن الختان هو شيء واحد.

لكن، الحقيقة أن هناك أربعة أنواع للختان، كلّها تتضمّن بتراً وتشويهاً للأعضاء التناسليّة الأنثويّة.

النوع الأوّل: قطع البظر، وفيه يُستأصل البظر الحسّاس كليّاً أو جزئيّاً مع الجلد المحيط به.

النوع الثاني: الاستئصال، وفيه يُستأصل البظر كليّاً أو جزئيّاً، كما يُستأصل الشفران الصغيران (الشفتان الداخليتان المحيطتان بالمهبل).

النوع الثالث: الختان التخييطي، وفيه يُقطع ويُعاد ضبط موضع الشفرين الصغيرين والكبيرين (الشفتين الخارجيتين المحيطتين بالمهبل)، وهذا عادة ما يتضمّن عمليّة تخييط لا تترك سوى فتحة صغيرة.

ولا تترك هذه العملية ألماً وضِيقاً بالغَين فحسب، وإنما تترك الضحية عرضةً للعدوى المستمرّة.

ولا تترك ما تتضمّنه العملية من إغلاق للمهبل ومجرى البول سوى فتحة صغيرة جداً يمرّ من خلالها سائل الطمث وكذلك البول.

وأحياناً ما تكون الفتحة المتبقية بعد عملية التخييط بالغة الصغر بحيث لا يمكن معها ممارسة الجنس أو الولادة إلا بفتحة أخرى، ما يتسبّب غالباً بمضاعفات تضرّ بالأم والجنين معاً.

النوع الرابع: وهو يشمل كافة الإجراءات الضارّة الأخرى كوخْز وثقْب ونحْت وكشْط وكيّ البظر أو منطقة الأعضاء التناسليّة.

أما الأسطورة الثالثة، فهي: الختان يقلّل الإثارة الجنسيّة عند الفتاة.

وهذا بالتأكيد ليس صحيحاً، فالمسؤول عن الإثارة الجنسيّة هي "الغدّة النخاميّة" بالمخ، أما الختان فهو يؤثّر على الوصول لمرحلة "الإشباع الجنسي" والمتعة الزوجيّة لدى المرأة.

أما الأسطورة الرابعة: توجد حالات معينة، يجب أن يتمّ ختانها، بعد الكشف الطبي.

والحقيقة أنه لا توجد فتاة تحتاج إلى ختان، قد يبدو "البظر" ظاهراً لدى الفتيات في سن الثامنة أو التاسعة (وهو أكثر سنّ يتمّ فيه ختان الإناث). لكن، مع اقتراب ودخول الفتاة مرحلة البلوغ، تبدأ الشفرتان الصغيرتان والكبيرتان، بالاقتراب من بعضهما البعض، وبالتالي يأخذ "البظر" مكانه الطبيعي بالداخل.

أما الأسطورة الخامسة: فكانت الاعتقاد أنه لا ضرر في الختان، إذا تمّ على يد طبيب.

وقد كان هذا ناتجاً عن خطأ في الخطاب الإعلامي، الذي دفع الناس إلى تطبيب الختان، والقيام به عن طريق طبيب أو طبيبة بدلاً من القابلات و"حلّاقي الصحّة"، ظناً منهم أنهم بذلك يتفادون أضراره.

لكن ختان الإناث لا يُدرّس في كلية الطبّ، بمعنى أنه ليس هناك شيء يمكن دراسته اسمه "ختان الإناث"، وإنما هي اجتهادات في فعلٍ واحد، وهو بتر وتشويه الأعضاء التناسليّة الأنثويّة، التي خلقها الله مكتملة، وخلق لكلّ جزء منها وظيفته.

أما الأسطورة السادسة: أن ختان الإناث، لا يختلف كثيراً عن ختان الذكور.

لكن، الحقيقة أن الاختلاف شاسع بين الاثنين، فختان الذكور هو إجراء جراحي لإزالة الجلد الذي يغطي طرف القضيب، أو ما يسمّى "القلفة"، وهي قطعة زائدة عن العضو الذكري، أما "ختان الإناث"، فهو بتر لأجزاء من الأعضاء التناسليّة، وانتقاص من وظائفها.

أما الأسطورة السابعة: فهي أن ختان الإناث أمر ديني.

 النساء داعمات أو مشاركات باستمرار لـ"ختان الإناث" بشكلٍ كبير، وخاصّةً "الجدّة"، في الصعيد والمناطق الريفيّة... ولا شك أن في الجحيم هناك مكان مخصّص للمرأة التي تقف ضدّ المرأة، وتساعد في ترسيخ العادات التي تعمل على احتقارها

لا من دلالة دينيّة على أن ختان الإناث هو أمر ديني، أو واجب دينيّاً، وهو ليس منتشراً في الكثير من الدول الإسلاميّة، لكنه عادة إفريقيّة، انتقلت إلى مصر ومارسها المسلمون والمسيحيّون على حدّ سواء

ليس هناك أي دلالة دينيّة على أن ختان الإناث هو أمر ديني، أو واجب دينيّاً، وهو ليس منتشراً في الكثير من الدول الإسلاميّة، لكنه عادة إفريقيّة، انتقلت إلى مصر ومارسها المسلمون والمسيحيّون على حدّ سواء.

وقد جرّم القانون المصري "ختان الإناث"، وجعل عقوبته السجن مدّة لا تقل عن 5 سنوات ولا تتجاوز 7 سنوات، وذلك بعد أن كانت العقوبة في القانون قبل التعديل، الحبس مدّة لا تقلّ عن ثلاثة أشهر ولا تتجاوز سنتين، أو بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تتجاوز 5 آلاف جنيه.

وتضمّن التعديل الأخير: أن يعاقَب بالحبس مدّة لا تقلّ عن سنة ولا تتجاوز ثلاث سنوات كل من طلب ختان أنثى، وتمّ ختانها على النحو المنصوص عليه بالمادة 242 مكرّراً من القانون، وأن يعاقب من يقوم بختان الإناث، ويترتب على الختان عاهة مستديمة أو وفاة، بالسجن المشدّد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard