هنا ليبيا... حين يصير الموت وسيلة الخلاص الوحيدة

الأربعاء 3 يوليو 201907:07 م

تستقر شباشب الهجرة غير النظامية على الساحل الجنوبي للمتوسط، في أرض أفقية تُدعى ليبيا - تحكمها الأوليغارشية الجديدة وهي من تشرف على اختيار أسلوب الحياة المناسب للسكان فيها.

أنا هنا فتاة ليبية تربطني علاقة بـ"حبل القديد" السنوي الذي يُجسّد الوسيلة التقليدية الأمثل لحفظ الطعام وتشميس الألبسة وحزم الألواح والجرائد وطرائق الانتحار الكلاسيكية.

وهنا في طرابلس، حيث يعيش السكان المحليون وغير المحليين تحت وطأة المشاكل والضغوط المتراكمة يوماً تلو الآخر، تمّ هذا الأسبوع قصف أكثر من مئة إنسان عابر لهذه الأرض في مركز إيواء تاجوراء (شرقي المدينة)، وقد قتل فيه أكثر من أربعين مهاجراً كحصيلة أولية، كان عبورهم لأجل النجاة، نجاة للخلاص، خلاص لحياة أفضل.

كانت الرغبة جامحة للعبور نحو الشمال، هناك نحو أوروبا حيث حق الإنسان مضمون وحق الحياة مكفول وحتى برودة وسخونة الطقس فيها مقبولان. لكن الحرب لم تضع أوزارها بعد، وهنا الأوزار تتساءل هل من نهاية قريبة أو حتى بعيدة؟

مرّ على هذه الأرض عشرات الآلاف من المهاجرين، قاطعين صحراء كبرى ومناطق وقرى صغرى والعديد من نقاط الموت في المنتصف. كان القليل منهم يحلم بفرص الحياة القصوى والكثير ينتظر أبسط معاملة إنسانية قد تحلّ به بينما يشغل باله بعائلته وأصدقائه حيث ترك الفقر ليمدهم ببضعة دولارات قد تخفف عنهم وطأة جوعهم ومرضهم، لكنه لم يجد ذلك في أرض أجبرته الظروف على التوجه نحوها والموت فيها.

ليبيا الأرض القفراء التي يشتد غضب قبائلها فتصدح بصوت عالٍ أن للموت حفل استقبال فخماً تُقدّم فيه جميع وسائل الفناء الفاخرة، ملامح الضيوف دموية وهدايا هذا الحفل باهظة ولا حصر لعدد المدعوين

يتقاتل الليبيون في حرب أهلية رُعاتها غير ليبيين في مشهد ساخر مستمر وبشكل يومي، لكنه لا يُضحك الجميع. هنا تتصاعد الأدخنة من البيوت الآمنة قبل المعسكرات المدججة، ومن مراكز إيواء المهاجرين قبل المقار العسكرية، ويسيل دم المدنيين قبل المقاتلين الذين اختاروا قرار الموت قبل الحياة، وفضّلوا الترك والهجر والفقدان.

هنا قوة الحرب. حرب ترعاها فوضى الخطط واندفاع النفس وقوة المخدرات، حرب من دون نتائج معلومة أو حصر للخسارات، حرب لا جيوش فيها ولا نظام، وهي من دون مكاسب وأوسمة شرف أو انتصار.

يتخوف الكثير من أن سيناريو الأرض الواحدة على المحك، بينما يطالب ليبيون كثر بالتقسيم الجغرافي الأخير، فلم يعد هناك رابط ثقافي أو سياسي أو حتى عاطفي في ليبيا المشتتة وإرثها الضائع الذي لسبب من الأسباب قد يكون هو المساهم الأول في نهاية اللعنة النفطية الحالية.

لربما نهاية حقبة النفط قد تكون أمراً جيداً، ولكن ستظل الفوضى موجودة إذ ببساطة لا استقرار للصنادل أو لأحذية الكُسلا (الأحذية باهظة الثمن) هنا.

هنا أرض الشباشب والملابس الداخلية اللاخارجية، هنا السلاح المدجج بالسباب والشتائم هو اللغة الرسمية للبلاد. وعذراً، الانتقاد يطال القاطنين والصامتين والمقاتلين وحتى العظام الرميمة تحت التراب.

ليبيا الأرض القفراء التي يشتد غضب قبائلها فتصدح بصوت عالٍ أن للموت حفل استقبال فخماً تُقدّم فيه جميع وسائل الفناء الفاخرة، ملامح الضيوف دموية وهدايا هذا الحفل باهظة ولا حصر لعدد المدعوين إليه. لا يمكنك تخيّل الوضع المقيت الذي يتقابل فيه الأفراد لعقد قران الموت لا الحياة، لتُزف جثثهم إلى طريق اللاعودة وإلى قبور الجهل والقبلية السوداء.

أما النفط، الذي لا حول له ولا قوة، فإما سيُفني الجميع أو يُفنى بالجميع. ولا صوت للحق على هذه الأرض، الحق الذي يمكن أن ينقذ هشاشة الشباب من غبار المعارك ويستطيع أن يقود سراق المال العام إلى مقصلة القصاص.

أظن أن لا جدوى آنية أو آجلة، فسيناريو الموت حتمي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard