"لعنة الله على هذا القانون ومن وضعه"... هل أصبح الخلع في مصر جنّةً للمرأة وجحيماً للرجل؟

الثلاثاء 2 يوليو 201908:59 م

حملت الألفية الجديدة إنفراجةً في أزمة المرأة العربية وسعيها الدؤوب للتحرر من الهيمنة الذكورية بعد تطبيق قانون الخلع بدءاً من العام 2000، لكن في حين أن هذا القانون اعتبرته بعض النساء "خشبة الخلاص" للهروب من جحيم العيش تحت سقفٍ واحدٍ مع أزواجهم، فإن وقع القانون كان متبايناً بالنسبة إلى الرجل: فهو من ناحيةٍ ينقذه من تكاليف الطلاق الخاصة بحقوق الزوجة، ومن ناحيةٍ أخرى قد يعرّضه لانتقاداتٍ خاصة وأن بعض المجتمعات الشرقية تنظر للرجل المخلوع بنظرةٍ دونيةٍ، تماماً كما تنظر في بعض الأحوال للمرأة المطلقة.

 


مفهوم الخلع

من المنظور الإجتماعي يمكن تعريف الخلع على أنه رغبة المرأة في الإنفصال عن زوجها لأسبابٍ تستحيل فيها استمرار الحياة بينهما مع تعويض الزوج عن هذا الانفصال من خلال التنازل عن مستحقاتها كالمؤخر والمهر وردّ جميع الهدايا التي قدمها لها الزوج في السابق.

ويُعرّف الخلع في مصر وفق المادة 20 من القانون رقم 1 لسنة 2000 بأنه:"دعوى ترفعها الزوجة ضدّ زوجها اذا بغضت الحياة معه ولم يكن هناك أملٌ في استمرار الحياة بينهما، وخشيت الزوجة بسبب هذا البغض الا تقيم حدود الله، وفي هذه الحالة تفتدي لنفسها بارجاع المهر للزوج والتنازل عن كافة حقوقها المالية الشرعية".

وقد أعطت الشريعة الإسلامية للرجل حقّ الطلاق، وفي مقابل ذلك فإنها جعلت الخلع حقاً للمرأة، فمن الناحية الشرعية عرف الخلع باتفاق الفقهاء :"أنه الافتداء إذا ما كرهت المرأة زوجَها وخافت ألا تُوفِّيه حقه أو خافت أن يبغضها فلا يوفِّيها حقها، فلها أن تفتدي منه ويُطلِّقها إن رضي هو"، وهو يستند إلى دلائل من القرآن الكريم:"الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ".(سورة البقرة).

ازدياد حالات الخلع في مصر

من خلال التقرير الخاص لعام 2018 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تبيّن أن حالات الطلاق في مصر تجاوزت مليون حالة، بواقع حالة واحدة كل دقيقتين ونصف أو أكثر.

ومن بين حالات الإنفصال إتّضح أن هناك 250 ألف حالة "خلع" خلال العام المنصرم، بزيادة 60% عن العام 2017 والذي بلغت فيه حالات الخلع 155 ألف حالة.

يمكن تعريف الخلع على أنه رغبة المرأة في الإنفصال عن زوجها لأسبابٍ تستحيل فيها استمرار الحياة بينهما مع تعويض الزوج عن هذا الانفصال من خلال التنازل عن مستحقاتها كالمؤخر والمهر

ولكن ما هي الأسباب التي تدفع المرأة للخلع؟ وما الفرق بينه وبين الطلاق؟

مما لا شك فيه أن أسباب الخلع تختلف من سيدةٍ لأخرى، وفقاً للظروف المحيطة.

قامت هيام السيّد (إسم مستعار) 28 سنة من القاهرة، بخلع زوجها بعد مرور 6 سنوات على زواجها منه، وعن هذه التجربة، تقول لرصيف 22:"كنّا صديقين في الجامعة، جمعتنا قصة حب وارتبطنا مباشرةً بعد التخرج، لكن طبائعه تغيّرت بعد انجاب الطفل الأول، فبدأ يتهرّب من مسؤولياته، ويهاتف نساء أخريات، فاشتعلت نار الغيرة  في قلبي، وبما أن ظروفه المادية لم تكن تسمح له بأن يمنحني حقوقي، قررت أن اختصر الطريق وألجأ إلى الخلع".

وعن تبعات هذا القرار، أوضحت "السيّد" أن الخلع أعطاها قوةً وثقةً في نفسها بعد الانفصال:"ينظر مجتمعنا للمرأة المطلقة أنها "معيوبة"، في حين يحترم المرأة التي تخلع زوجها بارادتها...على الأقل هذا يجعلها في نظر الناس ضحيةً لسلوكيات الزوج وليس العكس".

من جهتها، لم تتمكن"رباب.ع" من اكمال تعليمها الجامعي، فتزوجت من إبن عمها وهي في السابعة عشر من عمرها، واستقرّت معه في القاهرة حيث مكان عمله، غير أنها لم تستطع التكيّف مع أوضاع زوجها وسلوكه العنيف، بحيث أنه كان مدمناً على الكحول والسهر في الملاهي الليلية، هذا بالإضافة إلى إساءة معاملتها جنسياً.

وبسبب تصرفاته معها، رفضت "رباب" الانجاب من زوجها حتى ينصلح حاله، غير أن قرارها اثار غضب الشريك الذي بدأ يضربها ضربًا مبرحًا ويسبب لها جروحات واصابات بالغة في جسدها، وحينما سئمت من اصلاحه قررت أن تنفصل عنه، ولجأت للمحكمة برفع دعوى طلاق، غير أن القضية بقيت على حالها لمدة سنة دون اي جديد، فاضطرت بعدها اللجوء للخلع الذي أقرّ بانفصالها عن زوجها مقابل تنازلها عن كافة مستحقاتها ورد ثمن كل الهدايا التي قدمها لها زوجها بضعف سعرها، ومع هذا لم تتردد رباب في دفع كل ما طلبه الزوج مقابل استعادة حريتها.

يعتبر المحامي الحقوقي "أشرف مشرف"، أن الخلع رحمةٌ من الله بالمرأة في مجتمعاتنا العربية، موضحاً أن السبب الأول الذي يدفع الزوجة للتفكير في الخلع، هو طول مدّة التقاضي في حالات الطلاق، والتي تصل في بعض الحالات لبضع سنوات، في حين أن الخلع يسمح للزوجة باستعادة حريتها في غضون شهورٍ فقط.

وعن الفرق بين الخلع والطلاق، يشرح "مشرف" لرصيف 22 أن الخلع فتح باب رحمة للزوجة لم يكن موجودًا قبل العام 2000، حيث عانت النساء من ثغراتٍ في قانون الأحول الشخصية فيما يخص الطلاق، وهذا لسببين، أولهما صعوبة اثبات الضرر الواقع عليها من زوجها خاصةً إذا كان الضرر نفسي ومعنوي، والثاني أن عدد القضاة في مصر للفصل في هذه النوعية من القضايا كان أقلّ مما ينبغي، ولذلك كانت المرأة تظل معلّقة لسنواتٍ حتى تحصل على الطلاق، في حين أنه في الخلع لا تحتاج الزوجة لاثبات الضرر الواقع عليها، بل يكفي أن تعرب للقاضي عن رغبتها في الخلع لاستحالة الحياة بينها وبين زوجها.

الخلع فتح باب رحمة للزوجة لم يكن موجودًا قبل العام 2000، حيث عانت النساء من ثغراتٍ في قانون الأحول الشخصية فيما يخص الطلاق

أما بالنسبة إلى الاجراءات المطلوبة لرفع قضية خلع، يكشف المحامي "أشرف مشرف" أنها إجراءاتٌ بسيطة إذ لا تحتاج الزوجة سوى وثيقة الزواج وشهادات ميلاد الأطفال إن وجدت، بالإضافة الى طلب بانذار عرض لمقدم الصداق، بعدها تحدد المحكمة جلسةً شكليةً لإعلان الزوج، ولا يشترط فيها حضور الزوجة، وفي الجلسة الثانية يحضر الزوجان وتقرّ الزوجة بأنها تريد الطلاق خوفاً من ألا تقيم حدود الله، هذا وتؤجل المحكمة القضية مرتين، مرةً للصلح، ومرةً أخرى لتقديم رأي الخبير الاجتماعي والنيابة، وبعدها تحكم المحكمة بتطليق الزوجة، وهو حكمٌ نهائي ليس له استئناف، وتلتزم الزوجة بعده بالعدة كما هو الحال في الطلاق.

هل تطبيق الخلع حرام؟

تفرّق الإعلامية المثيرة للجدل وصاحبة مبادرة تعدد الزوجات "منى أبو شنب"، بين الخلع وبين تنفيذ قانون الخلع في مصر، فترى أن الخلع ليس حرامًا كمبدأ انساني يكفل للمرأة حقها في الانفصال عن زوجها في حالة الضرر، وذلك اقتداءاً بسنّة النبي محمد، حينما جاءته زوجة الصحابي ثابت بن قيس وطلبت الخلع قائلة للرسول، أنها لا تعيب على زوجها دينه ولا خلقه، ولكنها تخاف من الكفر في الإسلام، فأمرها الله برد حديقة زوجها عليه، وطلب منه تطليقها، لكن في المقابل تعتبر "أبو شنب" أن قانون الخلع وطريقة تطبيقه في مصر حرام شرعًا، لأنه طلاق بأمر القاضي دون رغبة الزوج.

ونظراً لكون تطبيق القانون الوضعي للخلع في مصر يلغي ولاية الزوج على زوجته نهائيًا، شددت "منى أبو شنب" على ضرورة أن تقدم الزوجة أسباب منطقية للانفصال، "مما يحقق حدّ أدنى من إستقرار الأسرة ويمنع التفكك الأسري"، على حدّ قولها.

هذا ويصنف فقهاء سنة في مصر القانون بالشريعة، الأحكام التي يرونها مستمدة من القرآن والسنة، والأحكام الوضعية، أو القانون الوضعي، وهي البنود التي يرون أنها تخالف ما يعتبرونه "صحيح الشرع".

بين الربح والخسارة

ترى الدكتورة "هالة منصور"، استاذة علم الاجتماع أن حسابات الخلع تختلف بين الرجال والنساء، فتوضح أن الرجل الشرقي يتعامل مع مسألة الخلع بمنطقين:"هناك من يعتبر الخلع مكسباً مادياً من الزوجة يجعله يخرج من التجربة رابحاً، وهناك من تتأثر حياته بالانفصال بخاصة إذا كانت لديه رغبة في استمرار حياته الزوجية".

وعن الأسباب الكامنة وراء زيادة حالات الخلع، تعتبر "منصور" أن هناك تغييرات جذرية طرأت على طبيعة الحياة الزوجية، منها اختلاف معايير الاختيار في الزواج، وأسس ادارة الحياة الزوجية، وطريقة التعامل مع الأولاد:"بات التركيز على تعليم الطفل، وأهملنا تعليمه أسس تكوين أسرة وطريقة التعامل مع الجنس الآخر، كما أن الزواج المبكر من أهم أسباب فشل العلاقة، وكذلك غلاء المعيشة الذي جعل المرأة تفضل الخلع مع عدم قدرة الزوج على منحها حقوقها المادية في حالة الطلاق".

ولكن ماذا عن موقف الرجال من مسألة الخلع؟

يروي "أشرف الجزار"، مهندس مصري تجربته مع الخلع، بالقول:"كانت زوجتي حب عمري، رسمنا حياتنا كبستانٍ جميلٍ في الجنّة، ولكن بعد الزواج اتّضح أنه لديّ مشكلة في الانجاب، فطلبت زوجتي الطلاق ورفضت أنا ذلك، ووعدتها بالسفر للخارج للعلاج مهما كلفني ذلك، لكنها طلبت أن تعود لبيت أهلها لبعض الوقت حتى ترتاح أعصابها، وبعدها فوجئت بها ترفع دعوى الخلع، وحصلت على ما تريد في غضون 5 شهور، وتركت لي ركام من ذكريات جميلة تحاصرني كالأشباح"، ويضيف "الجزار" بحسرةٍ:"لو لم يكن هناك خلع، ربما كان بوسعي اقناعها على العدول عن رأيها، لعنة الله على هذا القانون ومن وضعه".

وبدوره، عاش "طارق .ج" تجربة الخلع، والتي خلفت وراءها آثاراً نفسية يقصها لرصيف 22قائلاً:" الخلع خلّف لديّ 3 ضحايا، أولهم طفلي الذي لم يتمّ بعد عامه الرابع، فأصبحت محروماً من رؤيته إلا مرة كل شهر بحكم بُعد المسافة بيني وبين والدته، والضحية الثانية تتمثل بكبريائي الذي أراه ينكسر حينما ترفضني إمرأة أخرى أطلبها للزواج بمجرّد علمها بأني رجلٌ "مخلوع"، أما الضحية الثالثة فهي أسرتي التي لا تترك فرصة إلا وتعاتبني فيها على سوء اختياري لشريكة حياتي".

وأضاف الشاب المصري الذي يعمل في قطاع الاتصالات:"هذه الخناجر الثلاث غرزها الخلع في ظهري...لا أعلم حكم الشرع في هذا القانون الظالم، البعض يقرّه ويوافق عليه والبعض الآخر يرفضه، لكني سمعت من الإمام محمد متولي الشعراوي أن الخلع قانون وضعي يتنافى مع الشريعة، أما أنا وبعد التجربة المريرة التي عشتها فأراه قانون يتنافى مع الآدمية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard