استفزازات يومية واشتباكات وضحايا... ماذا يحدث في قرية العيسوية في القدس؟

الاثنين 1 يوليو 201905:22 م

اقتحامات دورية للبلدة ولبيوتها، اعتقالات متكررة لا تستثني المسنين والأطفال والنساء، مصادرة للأراضي، قنابل صوتية تستفز المواطنين، تغريم للمحال التجارية، هدم منازل، مخالفات مرورية بسبب وبدون سبب... هذا جزء مما يتعرض له الفلسطينيون في بلدة العيسوية، شمال شرق القدس المحتلة بشكل شبه يومي منذ سنوات على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

معاناة السكان هناك لا تقتصر على الممارسات السابقة فقط، فقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة عن مخطط تهويدي جديد للبلدة، يهدف إلى تحويل 450 دونماً من أراضيها إلى "حديقة تلمودية" للمستوطنين، دون أدنى اهتمام بعيش أبنائها الآمن وحقوقهم في أملاكهم.

والعيسوية التي كانت مساحتها الأصلية تبلغ 13 ألف دونم، صودرت معظم أراضيها خلال السنوات الماضية، خاصة بعد احتلالها عام 1967، ليبقى من مساحتها 650 دونماً فقط، هي ما يعيش عليها قرابة 18 ألف نسمة حالياً.

يروي مسؤول اللجنة الشعبية للعيسوية محمد أبو الحمص لرصيف22 أنه "في السنوات الأخيرة، أصبحت العيسوية محاصرة من جميع الجهات بمستوطنات ومشاريع إسرائيلية وُضعت بشكل متعمد في محيطها بهدف منع الفلسطينيين من التوسع، إذ تحاصَر بمكب للنفايات الصلبة وبمستوطنة التلة الفرنسية والجامعة العبرية ومستشفى هداسا، بالإضافة إلى معسكر لقوات جيش الاحتلال".

ويوضح أن موقعها الجغرافي وخاصة أنها تقع على شارع رقم 1 الذي يربط القدس بالمستوطنات المحيطة بها زاد من أهميتها وإصرار الاحتلال الإسرائيلي على مصادرة أراضيها.

وعلى الرغم من حجم مصادرة الأراضي خلال السنوات السابقة إلا أن هدم الإسرائيليين لمنازل البلدة وإخطار عشرات من ساكنيها بالهدم، تحت ذريعة عدم نيلهم تراخيص، لم يتوقف.

ويعلق أبو الحمص: "الاحتلال يتذرع بأن البلدة لا تتبع لمخطط هيكلي، في حين عندما يحاول السكان تقديم طلبات للحصول على التراخيص اللازمة، يقابلون بالرفض من بلدية القدس التابعة للاحتلال، بعد مماطلة طويلة قد يتم خلالها هدم المنشأة المنوي ترخيصها".

ويتابع أن "الاعتداءات الإسرائيلية على سكان العيسوية تتم بشكل يومي بحجج مختلفة، فلا يتوقف الأمر على الاعتقالات والاقتحامات وإيقاع إصابات بين سكانها، بل يمتد حد استهدافهم بمخالفات مرورية تعسفية على مداخلها التي تتعرض للإغلاقات بين الحين والآخر، كما ويتم التنكيل بهم وتغريمهم دون وجه حق في الوقت الذي يرتكب فيه المستوطنون مخالفات علنية دون محاسبتهم".

الأمر لا يتوقف هنا، فقد لاحق الاحتلال الإسرائيلي السكان في رزقهم وتجارتهم، واضطر أصحاب الكثير من المحلات التجارية إلى إغلاق أبواب رزقهم تجنباً لتلقي مخالفات بلدية أنهكتهم مادياً وفاقت طاقتهم، هذا بالإضافة إلى حملات الاعتقالات التي يتم فيها اعتقال عشرات الشباب دفعة واحدة، وتلفيق تهم لهم.

"بكفي خلص"

بسبب هذه الممارسات، وبعد أن ضاقوا ذرعاً من الاعتقالات وعمليات التنكيل المستمرة، قرر أهالي العيسوية مساء 27 يونيو الخروج في وقفة احتجاجية على مدخل البلدة الغربي، رفضاً لما يمارس بحقهم من عنف وسياسة عقاب جماعي تنتهجها شرطة الاحتلال الإسرائيلي وجيشه بشكل يومي دون توقف لقول "بكفي خلص".

خرج السكان شيباً وشباباً، وممثلين عن الفصائل الوطنية والإسلامية، وبمشاركة متضامنين أجانب، في محاولة منهم للحفاظ على ما تبقى من أملاكهم من الهدم والمصادرة، ولوقف المخالفات التي تصدر بحقهم دون وجه حق.

خلال وقفتهم، وقف مقابلهم أفراد من الشرطة الإسرائيلية. شعر الكبار ببعض الاستفزازات التي يمارسها أفراد الشرطة أمامهم، وخوفاً على انفعال شبابهم، قرروا العودة حقناً للدماء، وذهبوا لأداء صلاة المغرب في المسجد.

وما أن انتهوا من صلاتهم، حتى علموا بدخول الشرطة الإسرائيلية إلى حي عبيد، أحد أحياء البلدة. توجه كبار السن إلى المكان منعاً لتصاعد الأحداث، ليتفاجأوا بشرطي يحمل حجراً كنوع من استفزاز للشباب، ثم في ذات الوقت سقط شاب على الأرض أصابه شرطي آخر في أذنه، وحاول الشباب نقله إلى المستشفى، وإذ بالشرطي الأول يطلق ثلاث رصاصات عن بعد أمتار معدودة على صدر الشاب محمد سمير عبيد (21 عاماً) ويسقطه على الأرض جثة هامدة، بحسب شهود عيان تواجدوا وقت الحادث.

لم ينسحب أفراد الشرطة الإسرائيلية، بل على العكس، حاولوا سحب جثة الشاب، لكن شباب العيسوية تمكنوا من سحبه من بين أيديهم ووضعه في سيارة والانطلاق نحو المستشفى القريب.

وقبل خروجهم من البلدة، لاحقتهم سيارتان للقوات الخاصة الإسرائيلية واعترضت طريقهم. رفع أفراد القوة سلاحهم في وجه الشباب، هددوهم، وأخذوا جثمان الشاب عبيد وانطلقوا.

لحق أهالي البلدة بالـ"جيبات" العسكرية حتى مستشفى هداسا، وخلال محاولتهم منع احتجاز جثمانه في الثلاجات، تهجّم أفراد القوة الخاصة على بعض المتواجدين ومنهم أقارب لعبيد، واعتدوا عليهم داخل أروقة المستشفى كما أثبتت فيديوهات صورها الشباب ونشروها عبر شبكات الواصل الاجتماعي.

مواجهات واعتقالات

على إثر ما حدث، وصل أهالي وشباب بلدة العيسوية إلى حد الانفجار، وشهدت البلدة موجهات عنيفة في كافة أحيائها، تستمر حتى اليوم بوتيرة مختلفة، فتشتد بين الشباب الذين يواجهون القوات الخاصة الإسرائيلية بالحجارة والمفرقعات، في ساعات المساء، في حين يواجههم الجنود بأسلحتهم النارية والعيارات المطاطية، وقنابل الصوت، والاعتقالات.

اقتحامات دورية للبلدة ولبيوتها، اعتقالات متكررة لا تستثني المسنين والأطفال والنساء، مصادرة للأراضي، هدم منازل، مخالفات مرورية بسبب وبدون سبب... هذا جزء مما يتعرض له الفلسطينيون في بلدة العيسوية، شمال شرق القدس
تشهد بلدة العيسوية، قرب القدس، موجهات عنيفة في كافة أحيائها، بين أبنائها وقوات الاحتلال الإسرائيلي، وتشتد بين الشباب الذين يواجهون القوات الخاصة الإسرائيلية بالحجارة والمفرقعات، في ساعات المساء... ماذا يحدث؟

وقالت جمعية الهلال الأحمر الفلسطينية إنها تعاملت مع أكثر من 95 إصابة منذ مساء الخميس حتى صباح الاثنين، وأكدت أن طواقمها واجهت معوقات كبيرة أمام حركة سيارات الإسعاف المتجهة إلى مكان الحدث بسبب حواجز تقيمها شرطة الاحتلال الإسرائيلي التي منعت دخولها في بعض الأحيان.

الأمر لم يتوقف على المواجهات. فبحسب شهود عيان، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام الثلاثة الماضية أحياء بلدة العيسوية، واعتقلت أكثر من 37 مواطناً، غالبيتهم من أقرباء عبيد.

وتفرض قوات الاحتلال عقوبات جماعية متشددة على أبناء القرية تتمثل في تحرير غرامات والاعتداء على ممتلكات المواطنين وتحطيم المركبات في محاولة منهم لتركيع أهالي البلدة، كما اقتحمت مستشفى المقاصد الخيري في حي جبل الزيتون المطل على القدس القديمة، واعتدت على طواقم طبية ومرضى وفتشت أقسامه وغرفه، بحجة البحث عن مصابين خلال مواجهات اندلعت في القدس، كما تمركزت قوة على أبواب المستشفى ومداخله.

وماطلت سلطات الاحتلال في تسليم جثمان الشاب عبيد حتى ظهر الأول من يوليو. قبل ذلك، عقّد الإسرائيليون المسألة واشترطوا دفنه في مقبرة باب الزاهرة خارج حدود بلدة العيسوية في ساعات المساء، بحضور 50 شخصاً فقط في الجنازة، وعدم رفع الأعلام والرايات خلال الجنازة، ودفع كفالة 25 ألف شيكل، لضمان تنفيذ الشروط، الأمر الذي رفضته عائلة عبيد، وقال والده: "لو ابني ببقى 20 سنة في الثلاجات ما بوافق على شروطهم".

فصل عنصري

في بيان أصدرته في 29 يونيو، وصفت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية ما يجري في بلدة العيسوية بأنه "تكريس للفصل العنصري الذي تسعى سلطات الاحتلال إلى تكريسه في الأرض الفلسطينية المحتلة، وجزء لا يتجزأ من مخططاتها الهادفة إلى تفريغ المدينة المقدسة من مواطنيها الأصليين".

وأعربت عن استغرابها من صمت المجتمع الدولي على عمليات التطهير العرقي الجارية في البلدة والبلدات المجاورة، مضيفة أن "تخلّي المؤسسات الأممية، والمنظمات الحقوقية والإنسانية المختصة، عن تحمل مسؤولياتها، بات يشكل مظلة للاحتلال، للتمادي في تعميق عملياته العقابية والتنكيلية لأحياء القدس".

ما يحدث في العيسوية من ممارسات وسياسة عقاب جماعي للسكان، لا يختلف عما يجري في باقي البلدات المجاورة لها مثل بلدة سلوان وغيرها من القرى المجاورة للمسجد الأقصى.

وقبل أيام، أخطرت سلطات الاحتلال سكان حي وادي الحمص بلدة صور باهر، جنوب القدس، بهدم 16 بناية سكنية بواقع أكثر من 100 شقة، بذريعة قربها من جدار الفصل، وأمهلت السكان حتى 18 يوليو لهدم هذه المباني، وإلا ستهدمها جرافات بلدية الاحتلال في القدس وتُحمّل تكاليف الهدم للأهالي، الأمر الذي يؤكد بدء مرحلة جديدة في تعامل الاحتلال الإسرائيلي مع المقدسيين في ظل صمت دولي ودعم أمريكي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard