عندما يصبح الموت رحلةً إلى الخلود... البكائيات في التراث الشعبي

الأربعاء 3 يوليو 201903:18 م

جموعٌ من النّسوة المُتّشحات بالسواد، يتوسطهن تابوتٌ مُسجَّى بالورد، وإحداهن تردّد بصوت يجلب الحزنَ ويفجر الدموع:

تْـرَكِتني يا عشير العمر وَمْضِيت وعلى ضَيمي خَتَمْت الورق وَمْضيت

كُلْ مَا مَزْنَــةً بالأُفُقْ وَمْضِـت أقول رْسُـول جاي من الْحِباب

خطابٌ لشريك الحياة الذي مضى تاركاً وجعَ الفراق، لعل قطرات المطر تحمل طيفاً منه كلما انهمرت لاحقاً.

عبر آلاف السنين رافقت الأشعار والأناشيد الوداعَ الأخير، لتحوّلَ لحظةَ الموت إلى حالة إبداعية توقظ الجمالَ من قلب الفجيعة، لتؤكد أن الاحتفاء بالموت نال حيزاً كبيراً في التراث الشعبي، عبر طقوسٍ تجلّت في مظاهرَ عدة ربما أهمها "العَدِيد" أو الغناء للميت، احتفاليةٌ بالفقْد في مأتم النساء تعبرُ عن مكانة المتوفى في حياة أهله والمحيطين به.

المُعَدّدة: قدراتٌ إبداعية وقيادية

أما المُعَدِّدة فهي "امرأةٌ تُدعَا للغناء بنغمة حزينة في مجتمع النساء من المآتم" هكذا يعرّفها الكاتب أحمد أمين في كتابه "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية" مضيفاً أن المُعدِّدة تستفسر أولاً عن الميت، من هو، وعلى أي حال كان، وما فضائله ومزاياه، وتصوغ من كل ذلك كلاماً في تعديدها يثير كوامن النفوس "ولها لسانٌ فصيح وقدرةٌ تامة على الإبكاء.

وبعضهن يصحبن معهن الدفّ، فيثرن بذلك دوافع اللطم على الوجه، خصوصاً في الأوساط الدنيا. وبعضهن يستعملن في هذا النيلة يصبغن بها وجوههن".

تعتمدُ المُعدّدة على قدراتها الإبداعية في حفظ وترديد أشكالٍ غنائية كثيرة، ثقافتها مبينةٌ على قوّة قيادة جموع المعزيات ولديها الدرايةُ والموهبة التي تمكّنها من لعب هذا الدور، فتتقن التنسيقَ بين توقيت الكلام والغناء واستجرار الحزن والبكاء، وهي بديلٌ لقارئ القرآن في تجمّع الرجال، وكونها قادمةً من طبقة فقيرة يؤتى لها خلال عملها هذا بالكثير من الصدقات.

ذلك يحكيه لنا الدكتور سميح شعلان، العميد السابق للمعهد العالي للفنون الشعبية بمصر، مُفرّقاً بين الندب والعديد "الندب حالةٌ من عدم الاستقرار، الندّابة تقوم بلطم الخدود والصياح والضرب في الأرض في حالة فوضوية خالية من النظام، أما العديد شديدُ التنظيم بدليل إدراك المُعددة ماذا تقول ومتى تقول والطريقة التي تقول بها".

"التراث لا زماني ولا مكاني" يقول أستاذ العادات والتقاليد الشعبية بالمعهد العالي للفنون الشعبية، مؤكداً أنه لا يمكن التحديد بدقة الفترة الزمنية التي بدأت فيها ظاهرة العديد "لكن العرب عرفوا حالة الرثاء على موتاهم منذ آلاف السنين، كما كان للفراعنة قيمٌ أدبية للاحتفاء بالموتى والدليل على ذلك انتشار ظاهرة العديد في أنحاء مصر، أكثرها في الصعيد".

حالة إنسانيّة 

"الموتُ في المأثور الشعبي" إصدارٌ أّلفهُ سميح شعلان، خصّص فيه فصلاً كاملاً عن العديد، يحدثنا عنه قائلاً "العَديد احتفالية بالفقد تؤدَّى في مأتم النساء، لتعبّرَ عن الدور العائلي والاجتماعي الذي كان يلعبه المتوفى في حياة أهله والمحيطين به.

تقود المُعدِّدة جموعَ المعزياّت نحو رصانة الاحتفال، تقول كلاماً يجلب الحزنَ والبكاءَ على المتوفى، خاصة عند استحضار حالته التي كان عليها، وحُسْن تلك الحالة مع الأهل والأقارب والمحيط" يقول شعلان.

يتابع "فلو كان المتوفى زوجاً، يركّز كلامُ المُعدِّدة على أهمية الدور الذي كان يؤديه، فتقول:

والندل شَالْ راسُه وحكَا كلامُه ما حَدّ قام حاشُه

والندل شالْ إيدِيه وحكَا كلامُه ما حَدّ ردّ عليه

في إشارة إلى غياب العون والسند مع موت الزوج، لتظهرَ عيونُ المتربصّين اتجاه الزوجة، دون أي نوع من الحماية لها، وفي هذا تنبيهٌ للمجتمع بضرورة صونها والالتفات إليها.

وإن كان المتوفى أمَّاً، تقول المُعدِّدة في إحالةٍ إلى جمال العلاقة التي جمعت الفقيدة بابنتها، حيث الجلسات والأحاديث والأسرار:

والفُم جارْ الفُم.... ماحلى حديث البِت ويَّ الأُم

إما إذا كان الفقيد أباً فتقول المُعدّدة مخاطبةً زوجته:

ياأم اليتامى وارفعي القُصَّة

ربِّي اليتامى واحمِلي الغصَّة

القُصَّة هي خُصلة الشعر التي تنزل على الجبين من تحت غطاء الرأس كملمحٍ للجمال والأنوثة. في القول يُطلب من الزوجة أن تتوقفَ عن الاهتمام بجمالها وهندامها وتتولى مسؤوليةَ تربية أولادها وتحملَ غصّة وفاة زوجها وفقده.

يؤكد سميح شعلان أن هذه البكائيات أكثرُ من مجرد تعبيرٍ عن الحزن، هي رسالةٌ شديدة التأثير، لأنها تحتوي على مضامينَ فكريةٍ عندما يُنظر إليها بتمعُّن يُفهم من خلالها كيف يفكر المجتمع "المتأمّلُ في هذه الظاهرة يدرك أن تلك الجماعاتِ الشعبية لها قدراتٌ عقلية ناضجة ولديها مفاهيمُ وقيم اجتماعية راسخة يعبرون عنها من خلال العديد. وكي يحقق العَديدُ المبتغى منه يجب أن يتضمنَ رسالةً لغويةً تعبر عن الواقع وتُعلي منظومة القيم وترسخ معانٍ إنسانية يجب ترسيخها لدى الناس.

تعدَّد المفردات وتنوّع اللحن

يضيف شعلان أن هذه المنظومة مشتركةٌ في العالم العربي، يجمعها الحزن وحالة الفقد العائلي والاجتماعي لكن شكلَ استدعاء هذا الحزن يختلف بين الشعوب العربية بحسب واقع كل مجتمع، فالعَديد رسالةٌ معبرةٌ بمفرداتٍ يجب أن تكون من واقع الشعوب ويومياتها، أما فحوى الرسالة واحدٌ، ترسيخُ قيمٍ وتعزيزُ مبادئٍ واستجرارُ حزن يجعل الاحتفاءَ بالميت يسيرُ بمساره المأمول.

"في ظروف الحروب وعدم الاستقرار تلجأ المجتمعات لذاتها ومخزونها الثقافي والتراثي لتُرسّخَ وجودها وهويتها" يقول الباحث المصري ليحيلنا إلى سوريا التي فقدت مئاتِ الآلاف من أبنائها خلال سنوات الحرب، في حين لا تزال الأناشيد والأغاني الشجية جزءاً من طقوس الوداع.

"في ظروف الحروب وعدم الاستقرار تلجأ المجتمعات لذاتها ومخزونها الثقافي والتراثي لتُرسّخَ وجودها وهويتها" يقول الباحث المصري ليحيلنا إلى سوريا التي فقدت مئاتِ الآلاف من أبنائها خلال سنوات الحرب، في حين لا تزال الأناشيد والأغاني الشجية جزءاً من طقوس الوداع.

في كتابه "السقيلبية تاريخ وذاكرة" يحكي الكاتبُ والباحث السوري أديب قوندراق عن مراسم الموت في مدينته الوادعة –السقيلبية- بوسط سوريا "مراسمٌ تكاد تتشابه مع العديد من الشعوب، فرحيل عزيز أو شــاب أو زوجــة تركت وراءها أطفالاً كزغب القطــا يتامى، أو موت أب يترك وراءه أرملــةً وحفنة صغــار فقدوا المعيل، كان يُعَبَرُ عن ذلك بعويل تتقطع لهوله القلوب، ونحيــبٍ مؤثر ونثرٍ للشعور وصــراخٍ يشقّ عنانَ الســماء، ينطوي على العتاب الموجه إلى سُكان الســماء لاختطافهم الحبيب الراحل دون ســابق إنذار".

في تلك البلاد المعروفة بتطرفها الشديد بالتعبير عن الحــزن كما يقول قوندراق "خاصة إذا كان الفقيــد شاباً، يُسجّى الجثمان فوق ســرير في وســط ساحة الدار وقد سُــبل الذراعان فوق الصــدر، ويُحاط الرأس بشتى أنواع الزهر والورود.

وتجلس النسوة بشكل دائري حول الجثمان قُرب آل الفقيد، ينحبن بالبكاء وســطَ دقّ الصدور براحات الأكف وشد الشعور وعويلٍ يقطعُه بين الحين والآخر صوتُ غناءٍ حزين تؤديه بعض الناحباتِ اللاتي عُرفنّ بأصواتهن المؤثرة في تعميق الحزن، وكلماتِ الرثاء المعبرة عن هول المَصاب، وعباراتٍ تؤجج النحيب والبكاء كلما شارف على الهدوء.

البكائيات أكثرُ من مجرد تعبيرٍ عن الحزن، هي رسالةٌ شديدة التأثير، لأنها تحتوي على مضامينَ إنسانيّة، عن الفقد والحبّ وتعلّق الأهل بالراحلين عن هذه الدنيا. 
"لم تلقَ البكائياتُ قبولاً لدى بعضِ مشايخ الدين الإسلامي، حاربوا ظاهرةَ العَدِيد، خاصة بعد المدّ السلفي في مصر نهاية سبعينيات القرن الماضي، بحجة أنه أحد أشكال الاعتراض على إرادة الله" كما يؤكد الباحث سميح شعلان

وعندما تزفُّ ساعةُ الرحيل ويُقبِل الرجال والشباب نحو النعش لنقله – هنا يبلغ الحزن أشدَّه ويتشكل الموكب خارج الدار بأن يتقدمه حملةُ الصلبان ثم حملة الصور والأكاليل والجوقة الموسيقية، ووراءهم الكاهــن وبيده آنية البخور وعلى جانبيه وخلفه يسير المشاركون، ووراء هؤلاء جميعاً تتحرك النسوة بتثاقل وكأنهنّ موجةٌ بحرية عاتية ســوداء، ينشدنّ بصوت جماعــي أغنية الوداع بنغمة ينكسر لها الفؤاد:

اللـه معاكـم يا رفاقي يلي نطحتوا المقبرة

إنتـو السـّباق وحنا اللحاق يلي نطحتوا المقبرة

وفي كتابه يتابع الأديب السوري الذي رحل عنا منذ أيام "وعند بزوغ فجر اليوم التالي تمضي النســوة بأعداد كبيرة يحملْن البخور والورود لزيارة قبر الفقيد، وهناك تغني النساء الأناشيدَ الحزينة ويتبادلن أطرافَ الحديث عن مكانة المرحوم في المجتمع وعن محبة الجميع له، ويذكرن فضائله وحُسن خصاله وخلود ذكراه في القول:

قَبِر يَا مْلَمْلَم الحلوين عندك أَنَانيْ يا قَبر ما قْدرت عاندَك

جاي يا قبــر إِسْــألك عَن داك الجبين وخَوف قَلبي من التْراب

حرب مع التوجه الرسمي للإسلام

لم تلقَ البكائياتُ قبولاً لدى بعضِ مشايخ الدين الإسلامي، يؤكد الباحث سميح شعلان "حاربوا ظاهرةَ العديد، خاصة بعد المدّ السلفي في مصر نهاية سبعينيات القرن الماضي بحجة أنه أحد أشكال الاعتراض على إرادة الله.

نحن كشعوب لا نتخذ قراراً بخصوص ثقافتنا الشعبية بأنها سلبية أو إيجابية دون أن نقرأها قراءة صحيحة ونتأملها تأملاً دقيقاً بغرض الوقوف على المفاهيم لتكون مفاتيحَ لفهم العقل والوجدان الجمعي.. كيف يفكر ويشعر، هذا يثبت علاقتَنا بذاتنا الحضارية، لكن رجالَ الدين لم يقرؤوها قراءةً صحيحة، حاربوها بالمطلق دون وعيٍّ بدورها، مجتثين علاقتنا بجذرنا الثقافي دون تأمل لما تحمل هذه الظواهر من معانٍ، هذا الاجثاث يغيّر من هويتنا لنكادَ نكون غيرنا" يقول شعلان.

يضيف "الشعوب لا تلجأ لاختيار عناصرَ ثقافية إلا إذا كان لها دورٌ إيجابي تؤديه في حياتنا، أما سلبيته وإيجابيته تأتي من واقع ظرفه، الاجتماعي والإنساني والاقتصادي والثقافي. عندما نتخلى عن هذا الفهم ونقف عند حدود القراءة القشرية نجري خللاً في فهمنا لنفسنا ورغبتنا في الكشف عن ماهيتنا وملامحنا وخصوصيتنا ليبقى في حدود باهتة".

الموسيقى، الغناء، والرقص أيضاً، جميعها صيغٌ إبداعية عبَّرت عن الموت بطريقة جماليةٍ عكست السلوكَ الثقافي للشعوب لتصبحَ رصيداً فنياً لا ينتهي بنهاية الاحتفاء بالموت، فمقطوعات بيتهوفن وموزارت وشوبان التي أُلّفت كموسيقى جنائزية لاتزال على المسامع حتى الآن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard