"الولاء أولاً"... تقرير حديث يُوثّق كيف استغلّت الحكومة السوريّة المساعدات الإنسانيّة

السبت 29 يونيو 201912:44 م

"نظامٌ مغشوش: سياسات الحكومة السورية لاستغلال المساعدات الإنسانية وتمويل إعادة الإعمار" هو عنوان التقرير الحديث الصادر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، والذي اتهمت فيه الحكومة السورية باستغلال المعونات الإنسانية ومساعدات إعادة الإعمار والتنمية وتقييدها، وذلك "لترسيخ سياساتها القمعية في بعض الأحيان والأماكن".

إفادة الموالين وعقاب المعارضين

بحث التقرير، المُمتد على 80 صفحة، في كيفيّة تقديم المساعدات الإنسانية، إعادة الإعمار، والتنمية في سوريا منذ بداية النزاع -قبل ثماني سنوات- وتحديد العثرات وأوجه القصور في الاستجابة الإنسانيّة حتى الآن، مع التركيز على إيصال المساعدات انطلاقاً من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

واستناداً إلى 33 مقابلة مع موظفي إغاثة ومانحين وخبراء ومستفيدين من المساعدات، فضلاً عن مراجعة البيانات المُتاحة للجمهور حول المساعدات الإنسانية والإنمائية وإعادة الإعمار بالبلاد، خلص التقرير إلى أن "الحكومة السورية وضعت إطاراً قانونياً وسياسات تسمح لها بتحويل وجهة موارد المساعدات وإعادة الإعمار لتمويل ما ترتكبه من فظائع، ومعاقبة من تراهم معارضين، وإفادة الموالين لها".

وأعاد التقرير التذكير بأن الحكومة السورية تشترط موافقتها المسبقة على وصول المساعدات والمعونات إلى أجزاء مختلفة من المناطق التي تسيطر عليها، إلى جانب الموافقة المسبقة على المشروعات المقترحة. وأشار إلى أن "عدم وجود شفافية حول معايير الموافقة في ما سبق، يعطي الحكومة السورية مجالاً أكبر لاستخدام هذه السياسات لإعلاء مصالحها وتقييد وصول المساعدات إلى شرائح معينة من السكان، لمعاقبتهم أو ضمان مكافأة الموالين لها...".

وهكذا يُعيد التقرير التأكيد على ما جرى الحديث عنه مراراً عن أن "الدولة تمنح الإذن للمجموعات الإنسانية المحلية للعمل على أساس ولائها للحكومة، وليس على أساس كفاءتها".

وقد أكد جميع ممثلي المنظمات الإنسانية الذين تحدثت معهم "هيومن رايتس ووتش" أن من بين القيود تحويل المساعدات والتمويل من المناطق التي كانت سابقاً تحت سيطرة الجماعات المناهضة للحكومة إلى المناطق التي اعتُبر فيها المستفيدون موالين للحكومة، من دون منح الأولوية للاحتياجات الإنسانية للمستفيدين.

منع الوصول ومخاطر "التواطؤ"

في السياق ذاته، تحدث التقرير عن قيود حكومية منتظمة على وصول المنظمات الإنسانية إلى المجتمعات المحلية المحتاجة أو المتلقية للمعونة، وموافقة انتقائية على المشاريع الإنسانية واشتراط مشاركة جهات فاعلة محلية خضعت لتدقيق أمني، ما يُحوّل الاستجابة الإنسانية بشكل مركزي لصالح أجهزة الدولة المنتهِكة.

واعتبر أن هذه السياسات، إلى جانب انتهاكات مثل استمرار خطر الاعتقال والتعذيب والاضطهاد، "تُسهم في عجز هذه المنظمات عن لعب دور في الإعادة الطوعية للسوريين".

كشف التقرير أيضاً عن استجابة المنظمات والوكالات الإنسانية العاملة في سوريا لمطالب الحكومة غالباً، بسبب الخوف من فقدان إمكانية الوصول أو الإغلاق، معتبرةً أن ذلك "هدّد قدرتها على خدمة السكان بطريقة تحترم الحقوق".

"نظامٌ مغشوش: سياسات الحكومة السورية لاستغلال المساعدات الإنسانية وتمويل إعادة الإعمار"... تقرير حديث يُفنّد سياسات الحكومة السورية بالتعامل مع المنظمات الإنسانية والجهات المانحة على أساس "الولاء" لا "الكفاءة"
وثّق تقرير حديث لـ"هيومن رايتس" عدة حالات تعاون فيها ضباط مخابرات رفيعي المستوى مع موظفي "الهلال الأحمر" السوري على "سرقة وإعادة بيع المساعدات الإنسانية" 

وأشار إلى أن "وكالات الأمم المتحدة والهيئات الحكومية التي تشارك في جهود إعادة الإعمار تخاطر بالتواطؤ في الانتهاكات الحقوقية الحكومية، وأن الأفراد والمنظمات الأخرى، بمن فيها المنظمات الإنسانية، يخاطرون بالتواطؤ الجنائي من خلال تقديم مساعدة كبيرة عن علم لارتكاب جرائم دولية".

سرقة المساعدات أيضاً

فضلاً عن الانتهاكات السابقة، وثّق التقرير بعض حالات "سرقة" للمساعدات والمعونات، حيث قال موظف سابق في "الهلال الأحمر" لـ"هيومن رايتس ووتش" إنه شهد، خلال أربع سنوات عمل لصالح المنظمة، عدة حالات تعاون فيها ضباط مخابرات رفيعي المستوى مع موظفي الهلال الأحمر على "سرقة وإعادة بيع المساعدات الإنسانية".

وشارك الموظف صور المساعدات التي قال إنها سُرقت، والأختام المكسورة على الشحنات، فيما قدم ناشط حقوقي آخر صوراً لشحنات مساعدات مخزنة في فرع لمخابرات القوات الجوية، على حدّ قوله.

وبحسب التقرير، أُنفق 2.2 مليار دولار على "خطة الاستجابة الإنسانية في سوريا" خلال 2018، ومن المستهدف إنفاق 3.3 مليار دولار لخطة عام 2019.

توصيات للمانحين

واستناداً إلى ما سبق، أكدت المنظمة أنها تدعم توفير التمويل لإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية لكامل سوريا، حتى تلك المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

لكنها شددت على أنه، في غياب الشفافية أو الرقابة أو الضمانات الفعالة، يقع التزام أكبر على الجهات الفاعلة في المجال الإنساني والشركات والجهات المانحة، موصياً "المانحين والمستثمرين بتغيير ممارساتهم في مجال المساعدات والاستثمار لضمان أن أي تمويل يقدمونه إلى سوريا يعزز حقوق السوريين".

كما خاطبت الحكومة السورية مطالبة إياها "السماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع المناطق، السماح لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بإجراء تقييمات مستقلة وشاملة قبل وضع البرامج وبعدها، تعديل الأطر القانونية للاستثمار والتملك وإزالة الأنقاض لاحترام وتعزيز حقوق الأفراد والأسر والمجتمعات المتأثرة وتعزيزها، التدقيق في القطاع الأمني وإصلاحه ومحاسبة الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard