عندما يحقق "القمع" نتائج باهرة

الجمعة 28 يونيو 201906:50 م

خبر اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، بالنسبة إلى اللبنانيين، هو صدور نتائج امتحانات الشهادة المتوسطة، واللافت فيها أن 11 من أصل الـ13 الذين تصدروا النتائج هم فتيات. فهل يجب أن نفرح؟

كل أخبار تحقيق النساء والفتيات إنجازات مفرحة في مجتمعاتنا الذكورية التي لا تزال، بدرجات مختلفة وأشكال مختلفة، تنظر إلى المرأة ككائن يفتقد إلى الأهلية، أو على الأقل ناقص الأهلية إذا ما قورن بالرجل.

مفرح خبر تفوّق الفتيات على الفتيان، ومفرح خبر وصول سيدة إلى منصب عالٍ في السلطة... كل هذه الإنجازات تساهم تدريجياً في كسر الصورة النمطية التي تشربناها عن أن الرجل مؤهل أكثر من المرأة لأننا اعتدنا على رؤية تصدر الرجال للمشهد العام، فرئيس الجمهورية رجل والوزير رجل والنائب غالباً ما يكون رجلاً والمحلل السياسي رجل والخبير في شأن ما رجل...

لنفكر في ما نراه يومياً على شاشات التلفزيون... نرى نساءً بلا شك ولكن هل نرى نساء في مراكز قيادية؟ أم نرى فنانات وراقصات؟ حتى إذا رأينا خبيرات، غالباً ما يكنّ خبيرات في شؤون لها علاقة بالتربية الجنسية. هذه الصور التي تحتل أذهان أبناء مجتمعاتنا يومياً، ولا غرابة بعد ذلك في شيوع نظرة أن المرأة أقل أهلية من الرجل.

أخبار قليلة تكسر هذه الصورة النمطية، ومنها خبر تفوّق الفتيات اللبنانيات على الفتيان في شهادة الامتحانات المتوسطة، وبالمناسبة تتفوّق الفتيات على الفتيان في الشهادات المدرسية في كل الدول العربية. ولكن هل هذا مؤشر على حالة صحية بالضرورة؟ أم هنالك بعد آخر للصورة لا نلتفت إليه؟

مَن يعرف حال المجتمعات المحافظة، وكل مجتمعاتنا العربية محافظة، يعرف الفرق في التعامل داخل الأسرة بين الفتى والفتاة. الفتى يقوم بنشاطات مختلفة، رياضية على الأقل، ويُسمح له بالخروج من المنزل في عمر صغير... أما الفتاة فتقضي معظم أوقاتها في المنزل، فتطوّر ميزة تفاضلية لها علاقة بالتفوّق في الدراسة.

هكذا، تحقق الفتيات نتائج باهرة في الدراسة مقارنةً مع الفتيان، ولكن لا يستمر مسلسل النجاح طويلاً، ويتوقف عندما تخرج من دائرة المنزل-الدراسة الضيّقة لتنطلق في الحياة الواسعة وميادين العمل.

هذا ما تنتجه منظومتنا التربوية القمعية. فتيات مجتهدات ولكن مهاراتهن الاجتماعية محدودة، يصطدمن في الحياة العامة بالثقافة الذكورية السائدة وبالصورة النمطية السائدة عن أن المرأة أقل أهلية من الرجل، خاصةً في شغل المناصب العليا.

هذا ما تنتجه منظومتنا التربوية القمعية. فتيات مجتهدات ولكن مهاراتهن الاجتماعية محدودة، يصطدمن في الحياة العامة بالثقافة الذكورية السائدة وبالصورة النمطية السائدة عن أن المرأة أقل أهلية من الرجل
الكل يتخرّجون وهم ناسين معظم ما تلقنوه وتبدأ رحلة المسار الوظيفي تقريباً من الصفر، في مجتمع منحاز مسبقاً بشكل كبير إلى الرجل

وتُعمّق أنظمتنا التعليمية القمعية بدورها هذه الأزمة. فما نلقّنه للطلاب في مدارسنا وجامعاتنا، لا يحفّز سوى ملكة الحفظ لديهم. الدراسة في مختلف المراحل، وحتى الجامعية منها، هي أن تحفظ ما تلقنته وترميه على ورقة الامتحان لتنساه بعد أيام. لا مواد تعلّم التفكير المنطقي، ولا نشاطات تعلّم الطالب مهارات تفيده في الحياة.

هكذا يتعادل الجميع نوعاً ما بعد مرحلة الدراسة. الكل يتخرّجون وهم ناسين معظم ما تلقنوه وتبدأ رحلة المسار الوظيفي تقريباً من الصفر، في مجتمع منحاز مسبقاً بشكل كبير إلى الرجل.

بعد صدور نتائج امتحانات الشهادة المتوسطة، راح اللبنانيون، على جاري عادتهم، يطوّعون الوقائع لتخدم انحيازاتهم السياسية-الاجتماعية. كثيرون من أبناء الطائفة الشيعية أخذوا يتداولون لوائح مفبركة تُظهر أن كل المراتب الأولى حصدها تلامذة شيعة، وهذا غير صحيح لمَن يقرأ القائمة الصادرة عن وزارة التربية، ويغرّدون على وسم #الاوايل_من_عنني. هيمنت عليهم مرة جديدة ثقافة البحث عن دلائل على "تمكين" طائفة كانت في الماضي "مسحوقة"، بحسب السردية الشيعية اللبنانية.

ولكن بعيداً عن ذلك، هل هذا مؤشر جيّد؟ أم أن قمع النساء أحياناً يظهر على شكل نتائج باهرة؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard