هل غاب المُثقَّف الجزائري فعلاً عن الحراك الشعبي؟

الاثنين 1 يوليو 201907:50 ص

أين المثقفون؟ أين النخبة؟ سؤال كثيرا ما طُرح منذ ثورات الربيع العربي 2011.

عرَّف المصريون ثورتهم بأنها ثورة بلا نخب، وتفاخروا بذلك، بينما تبنَّت الميديا العالمية نشطاء حقوق الإنسان، ودعاة الديمقراطية "نُخباً" للحراك الثوري في تونس ومصر وسوريا.

ولايزال السؤال يطرح نفسه، مثيرا العديد من الإجابات، ووجهات النظر: أين المثقفون من الحراك الشعبي؟

مؤخرا أُعيد طرح السؤال… في الجزائر.

"أين المثقّفون؟" من الأسئلة الأولى، التّي طرحها شباب الحراك الشعبي والسلمي، في مجالسهم الواقعيّة ومواقعهم الافتراضيّة. رفعوها في شكل شعاراتٍ مكتوبةٍ ومنطوقةٍ في مسيراتهم، انطلقت يوم 22 شباط/ فبراير الماضي، في تعبيرٍ منهم عن سخطهم على ما اعتبروه تخلّياً من هذه الشريحة عن مسعاهم، الذي هدف، في البداية، إلى إبطال مشروع العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة (1937)، ثم رُفعَ سقف المطالب، بعد استقالته، إلى رحيل "الباءات" التي خلفته، والحروف الشبيهة لها في الفساد.

إعلام بوتفليقة لا يرى المثقفين

غير أنّ العودة إلى السنوات الخمس الأخيرة على الأقلّ، تجعلنا نرصد وجوهاً ثقافيّة وفنيّة ذات ثِقَل انخرطت في معارضة ترشّح بوتفليقة لعهدةٍ رابعة عام 2014.

واستمرّت في معارضة سياسات محيطه الرئاسي، الذي كان يشرف عليه شقيقه، سواء من خلال منشوراتها في مواقع التواصل الاجتماعي، أو تصريحاتها للإعلام الوطني والأجنبي، أو كتاباتها وإنتاجاتها. وقد دفع البعض ضريبة ذلك.

الروائي والإعلامي احميدة عيّاشي، مثلاً، فتح صفحات ومقرّ جريدته "الجزائر نيوز" للأصوات المعارضة للعهدة الرابعة، ما كان سبباً في توقيفها عام 2014، والكاتب والإعلامي محمّد تامالت نشر العديد من المقالات المُدينة لسياسات النظام البوتفليقي، فتمّ سجنه بتهمة القذف في حقّ الذات الرئاسيّة، وأضرب عن الطعام حتى مات في السّجن عام 2016.

كما تجدر الإشارة إلى بعض البرامج الساخرة الحادّة، التّي كانت تبثّها القنوات الخاصّة، أكثرها تأثيراً "جرنان القوسطو" لنخبةٍ من المسرحيّين، مثل عبد القادر جريو ونبيل عسلي ونسيم حدّوش ومفيدة عبّاس ومراد صاولي، الذين كانوا يتهكّمون صراحةً على "صاحب السّطح"، الذي هو شقيق الرئيس، والعاملين معه في المستويات كلّها، فتحوّلوا إلى ظاهرةٍ تبنّاها الشّارع، وجعل منهم نجوماً.

من هنا، نستطيع القول، بحسب محمّد الصّادق بلّام، أستاذ الفلسفة في جامعة باتنة، 600 كيلومتر شرقي الجزائر العاصمة، إنّه من التعسّف في حقّ هذه الوجوه المناضلة، وفي حقّ مسعى الحراك نفسِه أن يُقال إنّه انطلق من العدم والفراغ، "بل هو ثمرة لتراكم المظالم والنضالات في الوقت نفسه".

"أين المثقّفون؟" من الأسئلة الأولى، التّي طرحها شباب الحراك الشعبي والسلمي، في مجالسهم الواقعيّة ومواقعهم الافتراضيّة. رفعوها في شكل شعاراتٍ مكتوبةٍ ومنطوقةٍ في مسيراتهم.

ويشرح بلام في تصريح لـ"رصيف 22" فكرته بالقول: "علينا الانتباه إلى معطىً يشكّل خلفيّةً لتساؤل الشارع عمّا يُسمّى غياب المثقّف الجزائريّ عن الحراك، هو أنّ المنابر الإعلاميّة، التّي كانت تابعةً للعصابة الحاكمة كانت تعطي انطباعاً بهذا الغياب، للتعبير عن عقدة بوتفليقة نفسه ومحيطه عموماً من المثقف النّقدي، وتمارس تغييبه في الوقت ذاته."

يسأل: "هل كنّا نشاهد مثقّفين حقيقيّين في الشاشات أو نسمعهم في الإذاعات الحكوميّة؟ زدْ على ذلك الحصار الذّي كان مفروضاً على العمل الجماعي والجامعي، في مقابل تشجيع الأصوات المطبّلة للخطاب الرسمي... فمن بين 180 مهرجاناً بميزانيّات ملياريّة، لم نكن نجد مهرجاناً فكريّاً أو أدبيّاً أو فلسفيّاً يدخل في صناعة وعي جديد".

يقول بلام عضو الجمعيّة الجزائريّة للفلسفة، التّي تأسّست عام 2012، وباشرت ندوات فكريّة مسّت رهانات وهواجس المجتمع المدني: "أسّس هذا الواقع لهوّةٍ واضحةٍ بين الذوات المثقّفة القادرة على صناعة وعي جديد أو تثمين وعي قديم جدير بالاستمرار، والأوساط الشعبيّة المختلفة، التي وقعت في الفخّ، فاعتقدت أنّ المثقّفين منسحبون، وراحت تتساءل عن وجودهم، بعد انطلاق مسعى الحراك".

"الحراك الشعبي في الجزائر ثمرة لتراكم النضالات والمظالم، ومن الظلم أن نقول أنه انطلق من الفراغ"

شعارات في سماء الحراك

خلال الجمعات الـ17، التي شكلت عمر الحراك الشعبي والسلمي، والتي لاتزال مؤثرة في الشارع الجزائري، في ظلّ تعنّت السّلطتين المدنيّة والعسكريّة، في الاستجابة للمطلب الشعبيّ الدّاعي إلى تنظيم انتخاباتٍ رئاسيّة، بعيداً عن إشراف الوجوه البوتفليقيّة عليها، خرج العشرات من الوجوه الأدبيّة والفنّية والإعلاميّة، للمشاركة فيها والكتابة عن جوانبها المختلفة، ومطالبها الإنسانية.

وقد رفع البعض شعاراتٍ مكتوبةً بخطّ اليد أو مطبوعة. بالعربيّة الفصحى أو بالأمازيغيّة أو بالفرنسيّة أو باللهجة المحليّة. بعضها مبتكر وبعضها تأكيد لشعارات اشتهرت في الأوساط الشعبيّة. وقاموا بنشر صورهم، وهم يحملون تلك الشعارات، على حساباتهم في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

بلّة بومدين.. إصرار وتصعيد

في مدينة تندوف الواقعة على الحدود الجزائريّة الموريتانيّة جنوباً، والتي لم تحظَ مسيراتها المستمرّة، بتغطية إعلاميّة جديرة بمسيرةٍ شعبيّة في بقعة تصل فيها درجة الحرارة إلى الخمسين، رفع الممثّل والمخرج المسرحيّ بلّة بومدين، الذي فُصل من عمله في قطاع التعليم، قبل أن يُدمج مرّةً أخرى في قطاع الثّقافة، أسابيعَ قليلةً قبل انطلاق الحراك، شعاراً جاء فيه " لن نستقيل ولن نفشل. تتنحّاو قاع وتتحاسبو قاع".

في شعار بلّة بومدين تأكيد على طول نَفَس الحراك، في ظلّ توجّه أنصار الحلّ الدستوريّ إلى القول إنّ المسعى فقد الكثير من المتظاهرين، لإيمانهم بورقة المؤسّسة العسكريّة، التي رفضت مرحلة انتقاليّة، وفق الحلّ السياسي. وفيه أيضاً مطالبة بالمحاسبة بعد التنحي، في اتجاه رفع سقف المطالب الشعبيّة.


أحمد مدّاح.. الدّفاع عن أخلاق الشّعب

في عزّ النّجوميّة، التّي اكتسبها من دوره في مسلسل "أولاد الحلال"، الذّي اكتسح الشارع الجزائري بكلّ شرائحه، في رمضان الماضي، رفع الممثّل أحمد مدّاح شعار "الشّعب مربّي من عند ربّي". أي أن الشعب متخلّق بشكل فطريّ.

خلفيّة هذا الشعار ردٌّ على محاولة بعض وجوه السلطة، وبعض الوجوه المناوئة للحراك تشويهه، بالتركيز على السلوكيّات السلبيّة لبعض المتظاهرين. من باب أن تغيير السلوك، حسبهم، أولى من التغيير السياسيّ. ويرى صاحب الشعار أن في دعوة هؤلاء إلى التحلّي بالأخلاق تغطيةً على الأخلاق الموجودة أصلاً، وتشويهاً للروح السلميّة، التي هي أبرز ثمرةٍ لهذه الأخلاق.

رشيد بلمومن.. الالتزام بهمّ الوطن

من جهته حمل الشّاعر رشيد بلمومن، في إحدى مسيرات مدينة برج بوعريريج، التي باتت توصف بـ"عاصمة الحراك"، بالنظر إلى كثافة المشاركة فيها، شعاراً قال فيه: "إن لم تكن تحمل همّ الوطن، فأنت همّ على الوطن".

في الشعار غمزة موجّهة مباشرةً إلى المثقّفين والمواطنين، الذين لم يشاركوا في الحراك، أو شاركوا لكنّهم انسحبوا متأثّرين بجملةٍ من المثبّطات، أو لم يشاركوا بالشكل اللازم. فالإنسان، بحسب الشعار، إن لم يتبنَّ هموم وهواجس ورهانات وطنه، تحوّل إلى عبء عليه.


أحمد رزّاق.. المطالبة بشفافيّة المحاكم

لم تعرف الجزائر موجةً من اعتقال الوجوه الحاكمة ورجال الأعمال الموصوفين بالفساد، منذ استقلالها عام 1962، مثلما عرفتها هذه الأيّام. فقد أحيلت على المحاكم العسكريّة والمدنيّة وجوهٌ، لم يكن أحد يظنّ أنّها ستُعتقل وتُسجن يوماً. مثل شقيق الرئيس المستقيل المعروف بكونه الرئيس الفعلي للبلاد، ومدير جهاز المخابرات السابق الجنرال توفيق المعروف بـ"ربّ الجزائر"، ورئيس الحكومة السابق أحمد أويحي المعروف برجل المهمّات القذرة، ورجل الأعمال علي حدّاد المعروف بمصّاص دماء الشعب.

غير أن المحاكمات، التي أحيلوا عليها بقيت طيّ الكتمان. ولم يتسرّب منها ما يُطمئن الشعب على كونها جادّة، وليست مجرّد ذرّ للرماد في العيون، حتى يتمّ امتصاص الغضب الشعبي، تمهيداً لإفراغ الحراك من محتواه.

في ظلّ هذا الواقع، رفع المسرحي أحمد رزّاق، الذّي أخرج عروضاً مسرحيّة مشاكسة للنّظام الحاكم، في إحدى مسيرات الجزائر العاصمة، التّي لم تفقد كثافتَها، رغم التضييقات الأمنيّة، شعاراً قال فيه: "الفار طافي في المحاكم ما شفنا والو". أي أن الضوء منطفئ في المحاكم. لم نرَ شيئاً.


وجوه معارضة للحراك

في المقابل، ثمة مثقفين وفنانين يعارضون "الحراك"، ويتبنون نغمة أقرب إلى ما يروجه إعلام "النظام"، يعتبرونه انزلاقاً قد يؤدّي إلى الفوضى المهدِّدة لكيان الدولة الجزائريّة. وأعلنوا صراحةً وقوفهم إلى جانب الطرح الرسمي بشقّيه المدني والعسكري.

نجد من بين هؤلاء الشّاعر وكاتب السّيناريو رابح ظريف، الذّي كان سبّاقاً إلى إعلان تحفّظه على مسعى الحراك، وإبداء تخوّفه ممّا اعتبره "تطرّفاً في المواقف والمطالب والشعارات". يذكر منها شعار "يتنحّاو قاع"، أي فليتنحّوا جميعاً. وهو الشعار الذّي بات في طليعة الشعارات المرفوعة.

يسأل ظريف، في تصريح لـ"رصيف 22": "هل يملك وجوه الحراك بديلاً كافياً وحقيقيّاً، في حالة تنفيذ هذا المطلب؟ ألا نُقبل على مرحلةٍ تسودها الفوضى والفراغات، فنكون كمن هرب من الغول، فوقع في فمه؟". ويضيف صاحب سيناريو فيلم "عبد الحميد بن باديس": "أتفهّم أن يرفض البعضُ الجلوسَ إلى طاولة الحوار مع الوجوه المدنيّة، التي خلفت الرئيس المستقيل، فما بالها ترفض محاورة المؤسّسة العسكريّة، التّي هي مؤسّسة دستوريّة، ويفترض أنها تحقّق الإجماع الوطني؟"، وفقا لمنظور ظريف.

وبينما يتبادل الفريقان، المؤيد للحراك الشعبي والمعارض له، الجدل، والاتهامات، يرى فريق ثالث أنه على المثقف ألا ينخرط من الأساس بالعملية السياسية،  ويرى في هذا الشقاق ما "يخدم الذهنية التي كرسها النظام منذ خمسين سنة"، حيث يقذف أمام المثقفين المعارضين بمن يشوهونهم، هذا ما صاغه  الروائي والصحفي الجزائري سعيد خطيبي في مقال له، معبرا عن رؤية هذا الفريق.

ويشدد سعيد على أن المثقف لا ينوب عن السياسي، وأي خروج عن هذا يعد "انحراف عن وظيفته"، المثقف بالنسبة له معني "بالملاحظة والتأويل والاقتراح والنقد"، بل ووصل الأمر أن شبه من يريد اختزال المثقف في السياسة بمن "يحاول قطع رأسه".

ووصف المثقف الذي يتحدث في القضايا "العامة التي لا تعنيه"، دون أن يحدد ماذا تعني جملته تحديدا، بـ"المثقف الميديائي"، مستوطن الشاشات والبوستات السياسية التحريضية، بحسب سعيد.

ويرى أن هذا النموذج  يقع ضحية استغلال، "يجذب اهتمام المجموعات السياسية ليخدم مصالحها في صراعاتها مع السلطة".

وفي النهاية، يمكننا القول إن المثقّف الجزائريّ لم يساهم في تغذية الحراك الشعبي بشعاراتٍ كانت منتظرة منه، باعتباره الأكثر وعيا. لكن وجوهاً ثقافيّةً كثيرة تبنّت فكرة حمل شعاراتٍ مكتوبة، خلال المسيرات الشعبيّة. من باب: "إذا فاتك أن تبتكر لشعبك، فلا يفوتك أن تنسجم معه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard