لماذا أكتب باسم مستعار؟

السبت 29 يونيو 201902:39 م

نحن لا نكتب لأنفسنا فقط، ليس لدينا الشجاعة على تلك الخطوة التي أقدم عليها الكاتب الأمريكي ديفيد سالينجر، حين أصدر روايته "حارس حقل الشوفان" ثم قرّر العزلة بعد شهرةٍ طاغية، وعاش حياته للكتابة ومن أجل الكتابة، بصرف النظر عن القرّاء، الصحفيّون لا يملكون هذا الترف، علينا الكتابة والتبليغ والشرح والتحليل في كلِّ وقت، مهمتنا أن نكتب وننشر، وما دون ذلك يُشبه امرأةً حبلى لا تضع جنينها، فتتحمّل آلام الوضع وتُحرم من فرحة رؤية الجنين. 

علينا الكتابة والتبليغ والشرح والتحليل في كلِّ وقت، مهمتنا أن نكتب وننشر، وما دون ذلك يُشبه امرأةً حبلى لا تضع جنينها، فتتحمّل آلام الوضع وتُحرم من فرحة رؤية الجنين. 

وطالما لديك 10 قرّاء أنت منهم، فعليك ألا تتوقّف عن الكتابة، ولكن ماذا بعد، ما هي الجائزة، الجائزة الحقيقيّة كما يوضّح الكاتب الراحل علاء الديب، أن ترى أفكارك تحوّلت إلى كلمات تصل للجميع، ولكن المشكلة أن كثيراً من الأفكار مرفوضة، اجتماعيّاً ودينيّاً وسياسيّاً، عوائق بالجملة وشبكة من القوانين المعقّدة المليئة بكلماتٍ مطاطة تمثّل سيفاً لكلِّ من يعلن عن تلك الأفكار المختلفة عن السائد.

هذا الرفض القديم المتجدّد هو من وضع الصحفيين والكتّاب في إشكالية من خلالها بدأت المأساة، هل سيتوقّفون عن الكتابة بما يعني الاستسلام التام، هل يكتبون لأنفسهم متحمّلين آلام الأفكار المُخزَّنة، وهنا نبتت الفكرة، بل يكتبون ولكن بأسماءٍ مستعارة، من ناحية يهربون من أعين المطاردين، ومن ناحية يُخرجون أفكارهم ويرونها مطبوعة على الورق.

منذ عام أجريت حواراً مع القيادي اليساري نبيل ذكي قبل وفاته، تحدّثنا كثيراً عن فترة ما قبل ثورة يوليو 1952، وأخبرني كيف كتب بأسماء مستعارة كثيرة في صحف تلك الأيام، وحتى في جريدة المساء حين تمّ تدشينها، وقتها كانت الأسماء المستعارة وسيلة التيّار اليساري الأفضل للهروب من قبضة الأمن، ضحك كثيراً وهو يحدّثني عن الأسماء التي اخترعوها من أجل ذلك. 

ونبيل ذكي لم يكن الوحيد الذي يلخّص قصّة الأسماء المستعارة، فقبله كتب مصطفى أمين باسم "مصموص" كثيراً من المقالات التي هاجم فيها الملك فاروق وفضح فيها حكومات حزب الوفد، وكثيرون يتفقون أن البداية من عبد الله النديم خطيب الثورة العرابيّة، الذي كتب بأكثر من اسم وعاش بأكثر من شخصية. 

كنت أنظر إلى ما فعله هؤلاء وغيرهم بكثير من الفرح والبطولة، هم تجسيد عندي لمقولة "محدش يقدر على الصحافة"، فأنتشي أننا نملك من القدرات ما يجعلنا نضرب ضربتنا ونطير، لكن ما رأيته من الخارج لم تكن الصورة الحقيقيّة، وما فعله هؤلاء يدعونا إلى الحزن والرفض المجتمعي لأنهم اضطرّوا لذلك، لم أدرك ذلك كلّه إلا حين سرت في نفس المسار.

نبيل ذكي لم يكن الوحيد الذي يلخّص قصّة الأسماء المستعارة، فقبله كتب مصطفى أمين باسم "مصموص" كثيراً من المقالات التي هاجم فيها الملك فاروق وفضح فيها حكومات حزب الوفد...لماذا أكتب باسم مستعار؟
هل جرّبت إحساس أن تُشيد مبنى يعجب الجميع لكنك لا تستطيع أن تقول أنك المؤسّس له؟
لا أنشر مقالاتي على صفحتي بمواقع التواصل حتى لا يعرف الجميع ما هو اسمى المستعار فأنا بالأساس هاربٌ منهم... فالله أعلم بهم ما بين صديق ومخلص وواشٍ ومخبر، وإن كنت سأفعل ذلك فما فائدة الاسم المستعار من الأساس؟

كثير من أفكاري مرفوضة، لا لأنها تخترق القوانين فأنا أعرفها جيداً ودرستها كثيراً، ولا لأنها ساذجة أو لا تعتمد على قراءات ومصادر، لكنها مرفوضة لأننا في عصر يُرفض فيه كلّ شيء لمجرّد إنه يختلف قليلًا عن المسار المفروض على الجميع، مرفوضة لأنها تتحدّث بعمق وتناقش بهدوء وتختلف بأدب، لكن حتى ذلك لم يغفر لنا، وقفت أمام نفس الثنائية، هل استسلم أم أكتم أفكاري بداخلي؟ وكما فعل السابقون فنحن اللاحقون، الكتابة باسمٍ مستعار، هذا ما حدث.

هل جرّبت إحساس أن تُشيد مبنى يعجب الجميع لكنك لا تستطيع أن تقول أنك المؤسّس له، أن تشير لهم، وتقول من تقصدونه هو أنا، أن تصرخ إنه عرقي وجهدي، نعم عشت ذلك كلّه، أرى ما أكتبه على صفحات بعض الزملاء مشيدين بالكتابة والفكرة، أرى التعليقات ما بين ناقدٍ ومادحٍ وشاتم، لا يهم، كلّ هذا يمكن قبوله، لكن في خضمّ ذلك لا تستطيع أن تقول حتى لصديق أن ما قمت بمشاركته على صفحتك هو مقالي أنا، ولم أستطع الردّ على زميل آخر يستفسر عن جزئيّة لن يجيب عنها سوى كاتب المقال، لم أقدر على التفوّه بكلمةٍ لمن يشتم كلماتي حتى ولو بالمناقشة، ولم أرسله لزملاء أكثر مني خبرة ليفيدوني، وبالطبع لم أنشر المقال على صفحتي بمواقع التواصل الاجتماعي حتى لا يعرف الجميع ما هو اسمى المستعار فأنا بالأساس هاربٌ منهم... فالله أعلم بهم ما بين صديق ومخلص وواشٍ ومخبر، وإن كنت سأفعل ذلك فما فائدة الاسم المستعار من الأساس؟

ذلك الشعور الذي عشته أفقدني لذّة ما أكتبه، نعم يحتاج الكاتب منا إلى من يربت على يديه، يشير له بالبنان، يقول له أخفقت في هذا وأصبت في ذاك، أن يرى أعين الناس تفرح بما جال في خاطره وحوّله لكلمات، تلك الأمور لا يمكن وضعها في خانة التعبير المعنوي فقط ولكنها أساس أيّ كاتب، خاصّة إن كان قلقاً ويجب أن يكون كذلك، وقتها يريد من يقول له أنك على الطريق الصحيح، كثيرون أعرفهم يقفون في منتصف الطريق، يريدون فقط كلمة لكنها غائبة، كيف يحدث كلّ ذلك ونحن نتخفّى وراء اسم ابتكرناه، فلا ينتمي لنا أو ننتمي له، اسم غريب عنا ولن يبقى في الذاكرة كثيراً!

هذا ما فعلته بنا الديكتاتوريّة، السلطات التي لا تقبل رأي المختلف، سواء كانت سلطة سياسيّة أو دينيّة أو اجتماعيّة، أحاطتنا بقوانين مكبّلة للحريات، حاولنا التملّص منها لكنها نهشتنا من الداخل.

هذا ما فعلته بنا الديكتاتوريّة، السلطات التي لا تقبل رأي المختلف، سواء كانت سلطة سياسيّة أو دينيّة أو اجتماعيّة، أحاطتنا بقوانين مكبّلة للحريات، حاولنا التملّص منها لكنها نهشتنا من الداخل، وحولتنا إلى أسرى صراعٍ نفسي بدلاً من أن تطلق لنا العنان حتى نفكّر ونكتب وننشر ما نريد.

لا يجب أن ننظر إلى من يكتبون بأسماء مستعارة على أنهم أبطال نفرح ونصفق على تحايلهم، بل يجب أن ننظر إليهم على إنهم ضحايا القمع الذي دفعهم دفعاً إلى ذلك، إنهم محرومون من إعلان الهوية خوفاً من السجن، محرومون من كلمة تشجيع، يختبئون خلف أسماء وهمية، ولولا أنهم لا يستطيعون كتم الأفكار وعدم الكتابة لما كتبوا من الأساس، ولولا أن فيهم نزعة مقاومة لما لجأوا لذلك، حتى لو كانت النتيجة هي ما قلته، يجب أن ننظر أن ذلك كلّه كجريمةٍ متكاملة يجب محاسبة من اضطرّهم لها!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard