السماح بالكحول والجنس والتقبيل في الخفاء… لمواصلة السيطرة على المجتمعات

الجمعة 28 يونيو 201909:20 ص

يتحدّث الكثيرون من محبّي الخمور في مصر بأسى عن تلك البارات التي يتمّ إغلاقها، أو عدم منحها تجديد رخصة العمل، بالرغم من أن محلّات بيع الخمور لازالت أبوابها مفتوحة. أيضاً عند تجوالك في مصر، ستلاحظ العديد من دور السينما والمسارح المغلقة، فضلاً عن تلك التي كانت موجودة وتمّ إغلاقها ثمّ هدمها، بالرغم من أن شبكة الإنترنت والقنوات الفضائيّة تعرض الكثير من الأفلام، والعديد من الأشياء الأخرى.

هناك الكثير من الأمور الأخرى التي تنضم إلى السينما والخمور في حرمانيّة علانيتها وإباحتها في السرِّ، مثل الرقص والعلاقات العاطفيّة، وإن كانت تحدث بعض التمرّدات في الحالتين الأخيرتين، تواجه أحياناً بالقبول وأحياناً بالعنف.

لماذا إذن محال بيع الخمور لا تزال مفتوحة؟ لماذا تعطى التراخيص للملاهي الليليّة التي يُباح فيها الرقص والكحوليّات؟ إن كنا دولة متديّنة وشعباً متديناً لماذا لم تُحظر المواقع الإباحيّة كما تحظر المواقع الإخباريّة؟

يذكّرني ذلك بإصرار أبناء جماعات الإسلام السياسي، وبعض المتديّنين من الديانات الرسميّة في مصر، بإبقاء بعض الأمور سرّاً قائلين: "نحن بلد محافظ، لا نقبل بأن يحدث ذلك علناً، ولكن احتراماً للحريات افعلوه في منازلكم." وهنا لا أستطيع أن أتجاهل ملاحظة تقابل إرادة السلطة مع إرادة الإسلام السياسي في دفع تلك الأفعال وإبقائها سرّاً، هل الرفض هنا لأننا شعب متديّن، ودولته تحافظ على هذا المظهر الديني الاجتماعي؟ فلماذا إذن محال بيع الخمور لا تزال مفتوحة؟ لماذا تعطى التراخيص للملاهي الليليّة التي يُباح فيها الرقص والكحوليّات؟ إن كنا دولة متديّنة وشعباً متديناً لماذا لم تُحظر المواقع الإباحيّة كما تحظر المواقع الإخباريّة؟

الأمر له أبعاد مختلفة، البعد الأوّل هو حرمان الوعي المجتمعي المصري من عدّة تغييرات حتميّة الحدوث، في حال شيوع تلك العادات واعتبارها عاداتٍ مجتمعيّة، فالقيام بشيء ما في العلن يجعل المجتمع قادراً على تبادل المعلومات والخبرات حول تلك الأفعال، وبالتالي ترسيخها في الوعي المجتمعي، وبناءً عليه تحدث تلك التغييرات، على عكس القيام بعادةٍ ما في السرّ، حيث سيترسّخ في الوعي الفردي والوعي الجمعي إنه يقوم بفعلٍ خاص ولذا سيعمل على بقائه سرّاً، ولن يناقش فيه أحداً إلا في دائرة المقربين منه. سرّية الفعل وتجنّب شيوعه سيجعلان من الفعل فعلاً خاطئاً حتى لو لدى الفرد قناعة عقليّة بصحّته، خاصّة عند من ينشؤون على فكرة الإحساس بالذنب. وعدم تبادل المعلومات عن تلك العادات لن يجعل منها عاداتٍ مؤثّرة بالضرورة، لذا فالأنظمة القمعيّة ترى دائماً إنه من المهمّ أن تبقى العادات المؤثّرة بمثابة عاداتٍ سريّة بالرغم من الاعتراف بها.

أوّل تلك التغيّرات، كشف زيف الخرافات التي يروّجون لها لمنعنا من تلك الأمور، فاحتساء الكحوليّات ليس بالضرورة يُذهب العقل، بل أحياناً ينشّط العقل والجسد، كما حدث لي مع مشروب الأوز oz  عندما تناولته برفقة زملاء متعدّدي الجنسيات، لم تذهب عقولنا بل تناقشنا في الفلسفة وعلم المصريّات حتى الثالثة صباحاً، حينها كنت أنام لمدة أربعة وعشرين ساعة تحت تأثير مرضي النفسي، لكن في اليوم التالي فوجئت بأني مستيقظ من الساعة السادسة صباحاً وجسمي يرفض النوم مطلقاً، بل كان ذلك اليوم أكثر الأيام نشاطاً لي في ذلك العام. لم أفهم لماذا دبَّ في جسمي النشاط هكذا، فسألت صديقي الفرنسي الذي أكد أنه الأوز.

"نحن بلد محافظ، لا نقبل بأن يحدث ذلك علناً، ولكن احتراماً للحريات افعلوه في منازلكم"... هل الرفض هنا لأننا شعب متديّن، ودولته تحافظ على هذا المظهر الديني الاجتماعي؟! بالطبع لا..بل لهذه الأسباب:

لماذا تصرّ سلطة المجتمع والدولة على إبقاء ممارسات محدّدة تتمّ في السرِّ بالرغم من أنها ليست شائنة؟

ثاني تلك التغييرات، تقليل الآثار السلبيّة لتلك الأفعال، فشتّان بين أن تشاهد وحدك فيلماً يحوي أموراً سلبيّةً، أو يناقش قضايا حسّاسة أو شائكة بالنسبة لك، أو أن تشاهده مع العديد من الأصدقاء في مكان عام، ففي الأخيرة يمكنك، بمساعدة الآخرين، تخطّي العديد من الأمور. أيضاً شرب الكحوليّات مع الآخرين في أماكن عامّة يزيد من الألفة الاجتماعيّة، كما يساعد على تخطي بعض العادات السيّئة مثل خلط الكحوليّات بالأدوية.

العلاقات العاطفيّة لن تنتهي، ومحاولة قمعها بعدم الخلط بين الجنسين أو فرض رقابة مُحكمة على الشباب فقط، ستؤدي إلى ممارسة تلك العلاقات في السرِّ، وبالتالي زيادة العلاقات السامّة وحالات الاستغلال والابتزاز، وظهور العلاقات العاطفيّة للعلن وفي الشارع ستؤدي إلى تقليل كلّ تلك الآثار السلبيّة.

العلاقات العاطفيّة لن تنتهي، ومحاولة قمعها بعدم الخلط بين الجنسين أو فرض رقابة مُحكمة على الشباب فقط، ستؤدي إلى ممارسة تلك العلاقات في السرِّ.

ثالث تلك التغيّرات هو قبول الجسد واحترام احتياجاته، فالتقبيل والعناق بين المحبّين في العلن لن يقتلا المجتمع، بل سيجعلان منه متفهماً للحميميّة وغير كاره لها. أيضاً بالنسبة للعادات الحركيّة مثل الرقص، وهو الأمر الذي إذا تمّ سيقوم بدوره بعدّة تغييرات أخرى، الجسد جزء من الإنسان وليس مجرّد محطة كما يروّج البعض، وهو ذاته الأمر الذي حول تجربة ماريان تشيس إلى علمٍ كامل.

ماريان تشيس هي مدرّبة رقص، وعندما أسّست مدرستها الخاصّة، لاحظت تشيس العلاقة بين الجسد والصحّة النفسيّة، فالعديد من طلابها لم يكن لديهم نيّة التخصّص في الرقص، فقط كانوا يطمحون إلى حياةٍ أفضل. كما لاحظت أن الرقص يساعد في تجاوز المشاكل النفسيّة، الأمر الذي دفع أطباء نفسيّين لإرسال مرضاهم لماريان تشيس لتساعدهم في تجاوز مشاكلهم النفسيّة. وبعد ذلك بدأت ماريان تشيس في دراسة علم النفس، وأطلقت في الأربعينيات أسلوب العلاج بالرقص، المؤسسة الأمريكيّة للعلاج بالرقص American Dance Therapy Association. ومنذ الستينيات هناك وظيفة معالج بالرقص في المستشفيات بالولايات المتحدة وأوروبا.

وبالتالي عدم شيوع الرقص واعتباره أمراً مشيناً، ليس مجرّد حرمان من أمرٍ ترفيهي قد يعوّض بشيء آخر، كالرياضة أو القراءة، بل هو بمثابة قمع وتعذيب نفسي. فالحرمان من الرقص يعدّ بمثابة الحرمان من التعبير عن الذات، وبالتالي تتفاقم الأمراض النفسيّة التي قد تؤدّي إلى الوفاة أو الانتحار في بعض الأحيان. عدم القدرة عن التعبير عن العلاقات العاطفيّة في العلن قد يؤدّي، على المدى البعيد، إلى فتور العلاقة، وبالتالي ظهور تشوّهات فيها، والتي تؤدي إلى التشوّه في نظرة الفرد للآخر، وبالتالي عدم استقامة وتوازن المجتمع.

رابع تلك التغيّرات هو إنهاء حالة التشوّهات والازدواجيّة الموجودة في المجتمع، والتي حدثت نتيجة الإصرار على عدم تلبية الاحتياجات النفسيّة والبدنيّة للأفراد، ونعود في ذلك إلى الجملة سالفة الذكر "ولسه ببوسها في السيما وتضحك اقولها اتلمي"، فكاتب تلك الكلمات إذا قبّل فتاة في الشارع، وهو الفعل الطبيعي بالنسبة للمحبّين، سيحاكم وإيّاها بتهمة الفعل الفاضح في العلن، أو الفعل الفاضح في الطريق العام، أو على أقلِّ تقدير سيتمّ الاعتداء عليهم من قبل المواطنين. هؤلاء المواطنون ذاتهم لديهم مشاكل جنسيّة وعاطفيّة تجعلهم مدمنين على المواقع الإباحيّة التي يبحثون فيها عن لذّتهم الضائعة.

"افترضي إنك طائر وكأن الطيران يجعلك تشعرين بالسعادة. 

تقييد العلاقات العاطفيّة والجنسيّة هي السبب في حالة الضياع والتشوّه الاجتماعي العاطفي والجنسي، فضلاً عن الغضب والتشوّهات الاجتماعيّة الموجودة في المجتمع المصري، وكثير من مجتمعات الشرق أوسطيّة، وميلهم للعنف في بعض الأحيان، وصبّ الغضب على الجنس الآخر، وهي التي وصفها هاروكي موراكامي في روايته "رقص رقص رقص" عندما قال على لسان بطل الراوية: "افترضي إنك طائر وكأن الطيران يجعلك تشعرين بالسعادة. ولكن كان هناك ظروف بعينها، فيما عدا في حالاتٍ نادرة، تمنعك من الطيران. لا أعرف ولكن لنقل، ظروف جوية سيّئة، أو أن اتجاه الرياح أو الأشياء الموسميّة. فكلّما طالت المدة التي لم تطيري فيها، احتجت أكثر للطيران وسوف تتراكم الطاقة داخلك وتجعلك سريعة الغضب. وتشعرين بالضيق وربما حتى بالغضب."

فلنعود لنسأل نفس السؤال، لماذا إذن تصرّ سلطة المجتمع والدولة على إبقاء ممارسات محدّدة تتمّ في السرِّ بالرغم من أنها ليست شائنة؟ أوّلاً لأن منعها منعاً تاماً قد يؤدّي إلى الانفجار، لذا يجب أن تُمارس حتى لا يشكّل اختفاؤها المستمرّ خطراً على الدولة والمجتمع، ولكن يجب أن تمارس بشكلٍ لا يجعلها مؤثّرة في الوعي الجمعي للمصريين، حتى لا تشكّل تلك العادات وعياً آخر غير مرغوبٍ به، وبقاء الوعي المشوّه هو القائم، لمواصلة السيطرة على المجتمع، وعدم منحه فرصة بناء أو قيادة نفسه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard