المخيال السياسي الإسلامي: سقوط أردوغان هو هزيمة للإسلام

الأربعاء 26 يونيو 201901:12 م

يحكي صديقي التركي، وهو صحفيٌّ فارٌّ من تركيا الى ألمانيا، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 2016، والتي انتجت محاولة انقلابٍ أخرى صامتة على تركيا العلمانيّة، قام بها أردوغان نفسه، يحكي لي عن سياسات سجن وملاحقة الصحفيّين وأصحاب الرأي المعارضين لسياسات أردوغان الطائشة، والتي كلّفت تركيا أنّها، وبلغة الاقتصاد، على شفا الانهيار، بعد أن تراكمت مديونيّات اقتصاد فقاعة الصابون قصيرة الأجل، أو كما يعرف في لغة الاقتصاد (اقتصاد الأموال الساخنة)، وأيضاً إقحام تركيا في مغامراتٍ رسمها لها خياله كأبِ روحيٍّ لمسلمي دولٍ أخرى، عبر بروباغاندا كلّ ما فيها زائف، لكن ما شدّني في كلماته جملة ختم بها حديثه قائلاً :"... مهما اعتقل أردوغان، لن يستطيع اعتقال أتاتورك، ولن يستطيع أيضاً اعتقال الشعب التركي كلّه ".

في دوائر دولة الفقه ليس جميع المواطنين متساوين في الحقوق، ابتداء من مسائل الميراث والديّة، وصولاً لمسألة تولي الرئاسة والحكم، بسبب الجنس، الهوية الدينيّة، بل وحتى الأصل العرقي.

في الانتخابات البلديّة الأخيرة في إسطنبول، خسر حزب أردوغان، وهي مدينةٌ لها وزنها الخاص، وهو ما أقرّه أردوغان نفسه في جملته الشهيرة: "... من يفوز بإسطنبول، يفوز بتركيا"، وكان للأمر صدى واسع في الدول المجاورة لتركيا، الأمر الذي انعكس أيضاً على الساحة الليبيّة التي لا يخجل كثير من ساستها المؤدلجين في اتجاه اليمين، من إعلان ولائهم وميلهم له، بل أن البعض تعلّل قبل سنوات، وفي الإذاعة الرسميّة، بأن مبرّر ولاء مدينةٍ بعينها لتركيا يعود لأصولهم التي تعود إليها، بحجّة أن الحكم في تركيا إسلامي، وهذا ليس سوى غشّ إعلاميّ رخيص، يمكن دحضه بقراءة دستور تركيا نفسها فقط.

لكن السؤال الذي يجب إجابته، هل يلاحق هؤلاء خطوات حزب العدالة في تركيا، والذي خسر أهم جولات انتخابات ما قبل انتخابات الرئاسة، أم أنهم يسيرون في الاتجاه الخطأ في طريقٍ آخر تماماً، لا يسير فيه الحزب التركي وزعيمه نفسه؟

تركيا جمهوريّة علمانيّة، ولا علاقة لها بتاريخ دولة الخلافة التركيّة سوى عبر الامتداد الجغرافي الذي انهاه التاريخ، والتاريخ لا يعود أبداً، ولا يكرّره سوى الحمقى، وعندما نقول علمانيّة نعني أن أسس التعايش المشترك فيها بدون تمييزٍ على أساس الهويّة الدينيّة للمواطنين، فلا تتدخّل المؤسّسة الدينيّة في سياسات الدولة، ولا صوت للجامع خارجه، الدولة إما أن تكون محايدةً أو لا تكون، وهذا أمر غائبٌ تماماً عن مخيال جماعات الإسلام السياسي في شمال إفريقيا، أقصد مصر، ليبيا وتونس تحديداً.

في ليبيا كرّر المتحدّثون باسم تيّارات الإسلام السياسي قبل سنواتٍ قليلة، جملةً شبيهةً بما قاله أردوغان، كون "...أن من يحتلّ طرابلس، يحكم ليبيا"، وهو هدفٌ تحقق لهم بعد الانقلاب المسلّح الناجح على انتخابات البرلمان الليبيّ سنة 2014، لكن مع تشابه الجملتين، إلا أن الغائب على الجانب الآخر هو أتاتورك نفسه.

ليبيا دولة لم يحدّد فيها الليبيّون قواعد العيش المشترك، بمعنى أنّهم لم يتفّقوا كيف يمكن أن يعيشوا جميعاً في بلدٍ واحدٍ، يمكن فيه للجميع الحفاظ على هويّاتهم الفرديّة، وممارسة حقوقهم الطبيعيّة دون قيود أو دكتاتوريّة، سواء كانت دكتاتوريّة شخصٍ، حزبٍ أو جماعة أغلبيّة عدديّة، ليبيا دولة بدون دستور، وبدون وجود مفهومٍ عامٍ لفكرة الملكيّة المشتركة للأرض والتاريخ، واحترام الحريّات الدينيّة والثقافيّة لجميع مواطنيها، والحديث هنا ليس عن الملحدين، اللادينيين أو اللا أدريين، بل عن جماعاتٍ دينيّة متباينةٍ في الحجم، يشعر أكثر من نصفها بالرعب من تسلّط مذهبٍ، يمنعها حقّها البسيط في العبادة كما تعتقد، بسبب كثرة العدد أو سلطة القهر.

الإباضيّة في الخطاب الرسمي السنّي خوارج، وإمامتهم للصلاة لا تقبل، فما بالك بتولّيهم أمور الدولة في انتخاباتٍ نزيهة، والمتصوّفة في الخطاب الوهابي الرسمي أيضاً مبتدعة وعبّاد قبور، إيمانهم كلّه لا يعتدُّ به، فما بالك بحقّهم في مواطنةٍ يسنّها دستور من المفترض أن يكون للجميع؟

هنا تكمن المشكلة الحقيقيّة، لكن هنالك مشكلة أخرى موازيّة، وهي تصوّر جماعة الإسلام السياسي لشكل الدولة نفسها، ومساحات الحريّة الممنوحة للمواطنين، سواء داخل أو خارج دائرة مرشد جماعة الإخوان، أو فتاوى الوهابيّة العابرة للقارات، وكلاهما لا يزال مقيّداً داخل قوانين سنّتها عقول مهاجرة إلى القرن الواحد والعشرين عبر قبور أصحابها، لتسجن الجميع داخل هذه القبور نفسها، والحديث هنا عن دوائر الفقه الإسلامي التي تدخّلت في كلِّ جوانب الحياة العامّة، مع توسّع دائرة الإلزام وتضيق دائرة الإباحة، بشكلٍ جعل اندماج جماعة الإسلام السياسي والعصر الحديث أمراً يتطلّب شيئاً أكثر من معجزة.

تركيا ليست ليبيا، والقذافي لم يكن أتاتورك، وعلى جانبٍ آخر، أردوغان لا يستطيع الخروج عن قواعد بناء الدولة التركيّة الحديثة، والتي تتلخّص في واقع أيِّ دولةٍ من دول العالم الحديث، والتي تحررّت من قيود الأيديولوجيا، قوميّةً كانت أو دينيّةً، والتي بعد بداية عصر ما بعد ثورة المعلومات، وانهيار القيود والحواجز الثقافيّة بين الشعوب، ومع تحرّر أسواق التجارة، تضخّم أشكال التعاملات الاقتصاديّة، العولمة والتواصل المعلوماتي، أصبح الحديث عن دولةٍ حديثةٍ خارج مفاهيم العولمة وحياد الدولة الديني أمراً يعتبر ضرباً من الخيال.

ففي المخيال السياسي للإسلاميين في شمال إفريقيا - وليبيا خصوصاً - هزيمة أردوغان هي هزيمةٌ للإسلام، لكن الأمر ليس كذلك حتى بالنسبة لأردوغان نفسه، والذي يصرّح دائماً بإيمانه بعلمانيّة الدولة، وإعلانه فتح باب الشراكة الاقتصاديّة مع الجميع، حتى إسرائيل نفسها، لكن الأمر في حقيقته هزيمة لمشروعهم الذي لا معالم واضحةً له، سوى تلك التي يراها من يقرأ تاريخ دولة الخلافة زمن الأمويين، العبّاسيين أو حتى العثمانيين ربّما، والتي تمَّ اغتيال جميع رؤسائها، حيث أنهم سجناء فكرة واحدة شعروا بالإحراج عدما حاول أحدٌ ما تطبيقها دون أخذ مشورتهم قبل سنواتٍ، في سوريا والعراق تحديداً، ألا وهي فكرة "دولة الخلافة".

هنالك مشكلة في تصوّر جماعة الإسلام السياسي لشكل الدولة نفسها، ومساحات الحريّة الممنوحة للمواطنين، سواء داخل أو خارج دائرة مرشد جماعة الإخوان، أو فتاوى الوهابيّة العابرة للقارات، وكلاهما لا يزال مقيّداً داخل قوانين سنّتها عقول مهاجرة إلى القرن الواحد والعشرين عبر قبور أصحابها.

سقوط أردوغان هو في الحقيقة هزيمة لمشروع جماعة الإسلام السياسي الذي لا معالم واضحةً له، سوى تلك التي يراها من يقرأ تاريخ دولة الخلافة زمن الأمويين، العبّاسيين أو حتى العثمانيين ربّما.

لقد توالت الانقلابات التي قامت بها حركة الإخوان المسلمين على مفهوم الديمقراطيّة، عبر اعتبارهم إياها مجرد وسيلةٍ للتمكين، لا مشروع شراكةٍ مع جميع الأطياف السياسيّة الأخرى، والتي يعتبرونها عدوّاً دائماً لهم، عبر ادعاء امتلاك صوت ويد السماء.

هذه الدولة التي لا يوجد فيها معالم واضحة لشكل النظام السياسي، نظام تداول السلطة، مساحة الحريات الممنوحة للمواطنين، لا صلاحيات السلطة الحاكمة، بل وحتى شكل التعامل مع الدول الأخرى وفق منطق قاعدة بناء الدولة الدينيّة، والتي تعتمد على مدارس فقهيّة مهاجرة من خارج الزمن الحاضر، تجرُّ الجميع إلى الوراء ألف عام، ففي دوائر دولة الفقه ليس جميع المواطنين متساوين في الحقوق، ابتداء من مسائل الميراث والديّة، وصولاً لمسألة تولي الرئاسة والحكم، بسبب الجنس، الهوية الدينيّة، بل وحتى الأصل العرقي، وهذه تفاصيل يمكن لمن يريد البحث عن حقيقتها، اكتشافها بسهولةٍ بفضل ثورة المعلومات سابقة الذكر.

لقد توالت الانقلابات التي قامت بها حركة الإخوان المسلمين على مفهوم الديمقراطيّة، عبر اعتبارهم إياها مجرد وسيلةٍ للتمكين، لا مشروع شراكةٍ مع جميع الأطياف السياسيّة الأخرى، والتي يعتبرونها عدوّاً دائماً لهم، عبر ادعاء امتلاك صوت ويد السماء، لا على سبيل المنافسة في تقديم المشاريع التي تصلح للناس أثناء حياتهم، بل بسبب اعتقادهم الراسخ أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة التي تصبُّ جميعها في اتجاه حياة ما بعد الموت، وهنا المعضلة الرئيسيّة، فلقد انقلبوا على الديمقراطيّة الناشئة في فلسطين، مصر، تونس وليبيا وبأشكال مختلفة، وحاول أردوغان أيضاً فعل الشيء نفسه لكنّه لم يستطع لأنه ببساطة، لا يمكنه اعتقال أتاتورك الذي رسّخ مفهوم علمانيّة الدولة التركيّة، بشكل لا يمكن زعزعته، وهو ما تحتاجه الشعوب في شمال إفريقيا، وليبيا خصوصاً، أتاتورك مع القليل من التعديل طبعاً، حين نراجع خلفيته القوميّة وسياساته غير النزيهة تجاه مواطنين أتراك آخرين، لم ينجح في ممارسة الحياد تجاههم، لكن تبقى تجربة أتاتورك التجربة الأكثر نجاحاً في المنطقة المجاورة للشمال إفريقي، إذا استثنينا طبعاً، محاولة نسخ تجربة الجارة الأوروبيّة التي تحتاج إلى بيئةٍ ومناخٍ سياسيًّ، اجتماعيًّ واقتصاديًّ، لا توجد في ساحل المتوسط الجنوبي، على الأقل في الوقت الحالي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard