إحدى عشرة خرافة وخرافة عن المثلية الجنسيّة والهويّة الجندريّة… كيف السبيل للتخلّص من مفاعيلها؟

الثلاثاء 25 يونيو 201906:17 م

"والخرافة هي الحديث الـمُستَملَح من الكذب"، حسب الأصل اللغوي الذي أورده ابن منظور في لسان العرب. وهي المصدر لفعل "خ/ر/ف" بمعنى اختلاق الأكاذيب والقصص، وهي الاعتقاد القائم على تخيّلات مجرّدة، بقدر ما هي متجذّرة، من دون قاعدة عقلية أو منطقية لوجودها.

وإن كان المجتمع يقع تحت هيمنة مجموعة شائكة من أشكال الهيمنة على حياته، فالخرافات هي أحد الأشكال التي تحكّمت طويلاً في مساره، لتتحوّل أداة في يد سلطات متعاقبة استخدمتها لبسط السيطرة على أفراده.

ولأن الخرافات تتسّق مع المحرّمات، فتتصاعد معاً بشكل طردي، تجد الخرافات أرضاً خصبة كلما زادت كميّة "التابو". وهكذا فإن "الخرافات" حول كلّ ما يمت للمثلية الجنسية والعبور الجنسيّ كثيرة.

11 خرافة تُحيط بمجتمع الميم في العالم العربي طرحها تقرير "هيومن رايتس ووتش" الجديد بالتعاون مع "المؤسسة العربيّة للحريات والمساواة" تحت عنوان مواجهتها.

وهو تقرير، كما قال مدير التواصل والمرافعة في "هيومن رايتس ووتش" أحمد بن شمس لرصيف22، يأتي استكمالاً لـ"لست وحدك" الذي صدر العام الماضي وخاطب فيه أشخاص مروا بتجربة التعامل مع المثليّة كخطيئة، من يُصارع وحده، قائلين له ولها "لست وحدك… لستم/ن وحدكم/ن".

في السنة الأولى، حسب بن شمسي، تم كسر العزلة والتأكيد على الوجود، فكان السؤال لهذه السنة ما هي المساعدة الملموسة التي يمكن تقديمها؟ وأتى الجواب بأن "نتيح المجال مرة أخرى لناشطين وناشطات في مجتمع الميم للتحدث مع أشخاص غير متصلين بهذه البيئة المناضلة ومدهم بأدوات تتيح لهم مواجهة التأثير السلبي الذي يطالهم جراء المفاهيم الخاطئة التي تحيط بهم وتترك أثراً سلبياً عميقاً فيهم، خاصة حين تنبع من أشخاص يكنون لهم الحب والتقدير، كالأهل مثلاً".

ماذا في الصندوق؟

في صندوق "قديم ومُهترئ" وُضعت "المفاهيم الخاطئة والشنيعة والسلبيّة" المكتوبة على أوراق، أرادت الجهتان المسؤولتان عن المشروع أن يتفاعل المشاركون من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن كافة الهويات التقاطعيّة، معها. أن يقولوا رأيهم فيها، ليُقدّموا أدوات لآخرين من أجل تحدي الصور النمطية في العالم العربي.

فاروق عاشور من ليبيا، ليز من الجزائر، ريما من تونس، محمد حجيج من لبنان، أيوب من المغرب، خاتشيغ من لبنان، آنجل من مصر، وآخرون وأخريات من الخليج العربي ومن جذور فلسطينيّة - سوريّة اجتمعوا حول الصندوق لتبدأ "لعبة" مواجهة الخرافات. ضحكوا عليها حيناً- فالخرافة على سوداويتها قد تثير الضحك لسورياليتها، وأعادت لهم ذكريات مريرة حيناً آخر، بينما كانوا يصفون أثرها على حياتهم وكيفيّة تفاعلهم مع القوالب النمطية المُنهكة والمُهينة.

ليست سوى خرافات

الخرافة 1: "المثليّة الجنسيّة وتغيّر النوع الاجتماعي مرض ينبغي معالجته"

كانت مريم صغيرة، بعمر 12 سنة، حين سمعت أن المثلية مرض وعليها أن تتعالج. لم تكن الموارد مُتاحة حينها لتعرف أكثر، ما ترك أثراً واضحاً على طفولتها. عندما كبرت فهمت وباتت تملك الحجة لنسف هذه الخرافة، أرادت مشاركتها مع الآخرين.

وأتت الردود مستنكرة بأن الأمر لم يعد مقبولاً في القرن الواحد والعشرين، وبضرورة العودة إلى "منظمة الصحة العاليّة" ونظريات علم النفس الحديثة في هذا الإطار.

وكانت"منظمة الصحة العالمية" أزالت، عام 1992، المثلية الجنسية من التصنيف الدولي للأمراض، وصرحت الجمعيات الطبية في جميع أنحاء العالم أن الانجذاب إلى الأشخاص من نفس الجنس "ليس اضطراباً عقلياً".

الخرافة 2: "يمكن معرفة التوجه الجنسي والنوع الاجتماعي للشخص من مظهره/ها"

"الميول الجنسيّة تتحدّد بـ(مع من) تذهب للسرير، والهويّة الجندريّة بـ(كمن) تذهب للسرير"، قد تُصنَّف هذه العبارة في إطار "الكليشيه"، لكنها قيلت في معرض الردّ المناسب على خرافة مماثلة، بينما تمّ التأكيد على أن "أسهل شيء أن تسأل الشخص كيف يمكن أن أخاطبك؟ بأي ضمير تفضل؟".

في معرض الردّ على هذه الخرافة كذلك، تحدث محمد عن أول مرة بدأ بقبول هويته الجنسية، وحينها أخبره رجال آخرون مثليون أنه "لا يبدو مثلياً". بالإضافة إلى جميع الخرافات الأخرى، كان عليه التعامل مع تلك التي يتناقلها الأشخاص من مجتمع الميم أنفسهم – مثل أن المثليين والمثليات يجب أن يظهروا بطريقة معينة ويتناسبوا مع صورة نمطية معينة.

الخرافة 3: "يجب أن تفصح/ي عن هويتك الجندرية والجنسيّة لتنتمي لمجتمع الميم"

سلامة الأشخاص هي الأكثر أهميّة، فليس من الضروري الإفصاح إذ لا تتشابه المجتمعات في العالم العربي. آنجل من مصر مثلاً لم تكشف وجهها بسبب ما اعتبرته محيطاً غير مناسب للإفصاح نتيجة خطر التعنيف والانتهاك والاعتقال، وهذا أمر لا يقصي أحداً من مجتمع الميم. "يكفي أن يعتبر الشخص نفسه جزءاً من هذا المجتمع".

العامل الأكثر أهميّة في إطار الإفصاح أو كما تمت تسميته في الفيديو بـ"الخروج من الخزانة"، هو "السلامة"، إذ "تحت تأثير الضغط خرج البعض في عمر 15 و16 فوجدوا ووجدن أنفسهم/ن دون مأوى بمواجهة مشاكل كبيرة". من هنا، الاستقلال المادي وتأمين السكن يمكن أن يُعتبرا من التدابير الاحترازية المهمة قبل الخروج.

الخرافة 4: "متى ستتزوجين/ تتزوج"

"أوف على سؤال الزواج الذي يبدأ قبل الـ18 ولا ينتهي"، قال أحدهم، وعموماً "خرافة" الزواج وضغوطه يتشاركها الجميع في العصر الحديث بغض النظر عن الهوية الجندرية، وإن كانت الأخيرة تؤثر بشكل كبير على حجم تأثير الموضوع. وقد يكون الردّ ببساطة "حين يسمحون لنا".

الخرافة 5: الجنس بين المثليات ليس جنساً حقيقياً"

الجنس يُساوي الإيلاج. هذه هي الحال بحسب الثقافة السائدة في مجتمعات عديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكان الرد عليها بأن "الحب والعاطفة بين طرفين تجعل أي شيء حقيقياً"، يُضاف لذلك الرغبة التي تمتلك أشكالاً وطبقات لا تُحصر بقوالب جاهزة.

الخرافة 6: المثليات يكرهن الرجال ومعقدات منهم"

قد تجد تلك الخرافة دعماً لها في الخطاب السائد الذي يتغذى من ردود فعل عدائية تسببت بها تصرفات ممعنة في الذكورية. لكن من قال إن تفضيل توجه على آخر يعني الكره؟

الخرافة 7: على ثنائيات/ ثنائيي التوجه الجنسي تحديد اختيارهن/م

هذا المعتقد شائع كذلك في بعض أوساط مجتمع الميم نفسه. ثنائي/ة التوجه الجنسي قد يُعتبر وتُعتبر "شخصاً مضطرباً… يرغب بممارسة الجنس مع الجميع من دون امتلاك مشاعر وأحاسيس".

ولأن الخرافات تتسّق مع المحرّمات، فتتصاعد معاً بشكل طردي، تجد الخرافات أرضاً خصبة كلما زادت كميّة "التابو". وهكذا "الخرافات" حول كلّ ما يمت للمثلية الجنسية والعبور الجنسيّ كثيرة

11 خرافة تُحيط بمجتمع الميم في العالم العربي طرحها تقرير "هيومن رايتس ووتش" الجديد بالتعاون مع "المؤسسة العربيّة للحريات والمساواة" تحت عنوان مواجهتها... فما هي وما كانت الردود عليها؟

تحدثت ليز عن الطريقة التي أضرت بها المفاهيم الخاطئة عن كونها متغيرة النوع الاجتماعي. نظراً لأنها "كوير" بالإضافة إلى كونها متغيرة النوع الاجتماعي، فهي تتعامل دائماً مع أسئلة من أشخاص لا يفهمون سبب تحولها إلى أنثى إذا كانت تنجذب أيضاً إلى النساء. وقالت: "نحن بحاجة إلى الخروج من هذه الثنائيات لأنها مضرة للجميع".

الخرافة 8: من يلعب دور "الرجل" في العلاقة؟

في مجتمع بطريركي ولا زال الدين يتحكّم بمفاصل عديدة من حياته، لا يمكن لفكرة "الرجل" الذي يُمارس القوامة أو السلطة على "المرأة" أن تكون مهدّدة بأي شكل، ومن هنا تستمدّ هذه الخرافة الطاقة اللازمة للمضيّ قدماً.

من الرجل ومن المرأة في العلاقة؟ من يرتدي السراويل؟ من هي العروس ومن هو العريس؟ من يُدخل ماذا لمن؟ هي من أبرز الأسئلة التي تحيط بهذه الخرافة، ليأتي الجواب "لم أرَ أحداً يأكل بالعيدان (الصينيّة) ثم يسأل أيها الشوكة وأيها السكين؟".

الخرافة 9: لا بدّ أنك مررت بحادثة صادمة في الطفولة سببت لك اضطراباً في هويتك وميولك

في معرض الردّ، عزا محمد تلك الخرافة إلى أن الناس يتعرفون على مجتمع الميم عبر التلفزيون – خاصة بالنسبة إلى الجيل الأكبر سناً – في وقت تستخدم البرامج التلفزيونية قصص مجتمع الميم كـ"عامل صدمة" لزيادة نسب المشاهدة.

أما فاروق، فطوال حياته، صادف أشخاصاً يصدقون الخرافة القائلة إن صدمة في الطفولة هي ما "جعلته" مثلياً. وقال "إنها الخرافة الأكثر إزعاجاً التي واجهتها… بالنسبة للأشخاص من مجتمع الميم أقول: هويتك ليست ناتجة عن الصدمة، فهي بداخلك وهي طبيعية تماماً. يجب ألا تلوم نفسك على من تكون".

الخرافة 10: هويات مجتمع الميم ونمط حياتهم مفاهيم غربية مستوردة من أوروبا والولايات المتحدة

ادعاء "إفساد الثقافة المحليّة بأفكار غربيّة" ركيزة يستغلها سياسيون ورجال دين في خطابات كثيرة في المنطقة. تعتقد ريما أن هذه الخرافة هي الأكثر "استفزازاً" على الإطلاق. وأشارت إلى أن بعض المجموعات تعمل على تحطيم القوالب النمطية التي تنظر إلى هويات مجتمع الميم على أنها واردات غربية، بما في ذلك عن طريق إيلاء اهتمام وثيق لمصادر التمويل والمجموعات التي تتشارك معها.

وفي عودة إلى التاريخ العربي والإسلامي، تظهر وفرة في النصوص التي تشير إلى الرغبة بين الأشخاص من الجنس نفسه، بما في ذلك من الشاعر أبو نواس، الخليفة العباسي الأمين، رئيس الوزراء العثماني مصطفى رشيد باشا، الكاتب من القرن الثامن الجاحظ، أو كتابات الفقيه التونسي في القرن الـ13 شهاب الدين التيفاشي. في المقابل، ذكرت ليز بأن الهوموفوفيا جزء من الإرث الاستعماري الغربي.

في الخرافة الـ11 القائمة على التهويل بأن الأهل سيرفضون دائماً توجهات أولادهم "المُغايرة" للسائد، تحدث مشاركون عن تجاربهم الإيجابيّة مع أهلهم.

وإن كان بالإمكان هنا إضافة خرافة أخرى، يمكن الحديث عن التقليل الاجتماعي والأمني السائد من وطأة التحرش بمثليي/ات الجنس من قبل أشخاص مُغايرين، وتكرار عبارات "كيف يمكن لرجل أن يتحرّش بمثليّة؟"، أو "ألم ترون أنها تتصرّف كالرجال، فكيف يمكن أن ينجدب لها أحدهم، لا بدّ أنها تكذب…"، وما إلى ذلك من عبارات مماثلة.

مرة أخرى، يأتي هذا المشروع كصوت للآخر البعيد، الخائف والمقهور والمتردّد، ليُخاطب من يقبع في الجانب المظلم من الصورة كي يرى أن هناك من يُشاركه في ما يعيشه، ويمكن أن يمدّه بأدوات إضافية للمواجهة… ولاستكمال معالم الصورة التي يُريد أن يرسمها لنفسه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard