مُتهمون ومُهدّدون... محامون يروون تجارب دفاعهم عن مثليين/ات وعابرين/ات جنسياً في مصر

الثلاثاء 2 يوليو 201905:27 م

"شواذ"، "بتهزوا عرش الرحمن"، "بسكلتة"، "يا واد يا بت"، ألفاظ وشتائم واتهامات مُقولبة وجاهزة تُعبّر عن خطاب الكراهية الراسخ في الثقافة المصريّة تجاه أصحاب الميول المثلية جنسياً، أو العابرين والعابرات جنسياً.

لم يتوقف خطاب الكراهية عند حدود المواطنين، ولكنه امتدّ، للأجهزة الأمنية، التي اعتقلت واحتجزت عدداً من المتهمين بالمثلية أو الترويج لها، في قضايا مختلفة، كان أشهرها قضية حفلة "مشروع ليلى" في نهاية 2017. ثم عادت قضايا مجتمع الميم لتطفو على السطح، بعد اعتقال الناشطة العابرة جنسياً ملك الكاشف والناشط حسام أحمد، في مارس الماضي، على أثر دعوتهما للتظاهر عقب حادث اصطدام قطار محطة مصر.

وسط كل هذا الزخم والجدل والحديث حول حقوق المثليين في مصر وكيفية التعامل مع العابرين/ات، جنسياً، هناك دوماً، المحامي الحقوقي، "الجندي المجهول" الذي يتطوّع للدفاع في تلك القضايا، والأخذ على عاتقه الدفاع عن حقوق موكليه والكفاح لأجل براءتهم. وإن كانت حياة المثليين/ات في مصر بهذه الصعوبة والأذى، فهل تختلف حياة محاميهم عنهم؟ هل يواجهون مواقف التنمر والوصم الاجتماعي والتشويه نفسها؟

تواصل رصيف 22 مع عدد من المحامين المصريين المتطوعين في قضايا مجتمع الميم، وسمع تجاربهم ومعاناتهم مع الشتم والضرب والنبذ الاجتماعي بسبب الدفاع عن تلك القضايا.

ثلاثة مواقف لا تُنسى

كانت البداية مع المحامي الاسكندري محمد فتوح، وهو أحد محامي منظمة "المفوضية المصرية للحقوق والحريات". عن تجربته هذه يروي فتوح قائلاً إن هناك عدداً من المواقف التي تعرّض لها ولم يستطع نسيانها حتى الآن.

كان الأول حين كان يترافع في قضية في الاسكندرية، وكان فيها 3 متهمين قُبض عليهم في أحد المطاعم، وتم عرضهم على النيابة ليصدر قرار بحبسهم على ذمة التحقيق.

يقول فتوح: "خلال تلك الفترة، تمّ عرضهم على الطب الشرعي لإجراء ما يُسمى بالـ(كشف الشرجي)، وعندما ورد التقرير بالإيجاب، قال لي وكيل النيابة (إزاي تدافع عن ناس زي دي؟/ كيف تُدافع عن أشخاص كهؤلاء؟)، فاستنكرت حديثه، وقلت له إن الدستور نصّ على أن كل متهم من حقه أن يكون له محامٍ يدافع عنه".

يُضيف فتوح مستفيضاً في الحديث عن تلك الحادثة، ليُخبر كيف ردّ على وكيل النيابة: "إن كنت تنصحني بالترفع عن الدفاع في قضايا المثلية الجنسية، فكان أولى بك الترفّع عن التحقيق في هذه القضايا، والشرطة تترفع عن القبض عليهم، ولكن لماذا المحامي هو الحلقة الأضعف ويجب ألا يُمارس عمله، فردّ قائلاً (لا، أنا أوجه لهم الاتهام والشرطة تلقي القبض عليهم، أما أنت فتدافع عنهم)، الحقيقة أني صُدمت من حديث وكيل النيابة ونظرته للمتهمين".

على الجانب الشخصي، يعمل فتوح على تلك القضايا منذ عامين تقريباً، ورغم قوله إنه كان مؤمناً بحقوقهم، لكن لم تكن لديه القدرة على الدفاع عنهم. يشرح: "كنت طوال الوقت أتعرّض لضغوط من الزملاء المحامين، أو من متهمين آخرين معهم في عربة الترحيلات أو الزنازين، لكن مع الوقت أصبحت مؤهلاً نفسياً للدفاع عنهم بإيمان قوي، وفي إحدى القضايا، كان الضابط المسؤول عن ترحيل المتهمين - وكان عددهم 10 - يكيل لهم الشتائم ويتعاملون معه بندية ويردون له كلّ شتيمة بأخرى، وهكذا".

في ذلك اليوم، كان المحامي يقف متحدثاً إلى المتهمين قبل الجلسة، فوجد الضابط متوجهاً إليه يسأله "أنت محامي؟" مُرفقاً السؤال بشتيمة شعبية شهيرة. يقول فتوح: "فهمت حينذاك أن السؤال غرضه مضايقتي، وليس الاستفهام، وكان موقفي سيئاً، بين أن أتجاهله أو أتشاجر معه، وهذا ما قد يضر بالقضية والمتهمين، فقلت له: آه أنا المحامي، وأنت الضابط المسؤول عن تأمينهم؟ فارتبك".

قبل الحديث عن الموقف الثالث الذي شهده في إطار عمله، يوضح فتوح كيف بدأ اهتمامه بقضايا مجتمع الميم، وذلك بعد معرفة نبأ اعتقال ثلاثة شباب بتهمة التحريض على الفجور، وقد تزامن ذلك مع بدء اهتمامه بقضايا المثليين في مصر، وإيمانه بضرورة حمايتهم من الملاحقات الأمنية.

يقول: "شجعني أحد أساتذتي الكبار، وبالفعل تطوعت في القضية، وكان ذلك أيضاً بعدما تأثرت برواية (بيت العنكبوت) للكاتب محمد عبد النبي، وهي تتناول الانتهاكات بحق المثليين في أماكن الاحتجاز، وكيفية التنكيل بهم".

الموقف الثالث الذي يرويه فتوح، كان حضوره جلسة مع أحد الزملاء الكبار: "حينذاك طلبنا إخلاء القاعة وأن تكون الجلسة سرية، والقاضي كان متفهماً، ولكن على جانب آخر، فور اكتشافه أن القضية خاصة بمثليين، صدرت منه تصرفات عجيبة، مزج فيها بين السخرية وإطلاق السباب والشتائم والتلويح بإشارات جنسية صريحة، في سياق من الهزل. كل ذلك كان غير مقبول، فمن أولى القواعد التي يتعملها المحامي أن الهزل لا يجوز على منصة العدالة".

"نتيجة تجربتي في قضايا مجتمع الميم وجدت تفهماً مجتمعياً لقضايا العبور الجنسي، أو على الأقل تقبلاً لها، مثل قضية ملك الكاشف، ومن الممكن أن يجد عابرٌ جنسي أو عابرة جنسية من يتعاطف معهما، ولكن في قضايا المثلية ليس هناك أي تعاطف أو قبول مجتمعي"، يختم فتوح حديثه.

"سألتني والدتي: إنت بتدافع عن الناس اللي بتغضب ربنا؟"

من جهته، يروي المحامي علي الحلواني تجربته مع قضايا مجتمع الميم. يقول: "الصعوبات التي تواجهنا بحكم كوننا محامين مدافعين عن المثليين/ات أو العابرين/ات جنسياً، ليست مقتصرة على المواقف الشخصية فقط، إنما هناك شق قانوني يجعل مهمة الدفاع عن العابرين والعابرات جنسياً، صعبة إلى حد ما، منها محاولة مراعاة رغبة الموكل في مخاطبته بصيغة الأنثى أو الذكر، وهو ما قد يتناقض مع أوراق القضية، الأمر الذي قد يؤثر فيه نفسياً".

ويتابع الحلواني شارحاً "العقبة الثانية" وهي أماكن الاحتجاز حيث "تظهر محاولات تحرش واعتداء جنسية، وتعود تلك المشكلة إلى أن القانون المصري لا يعترف بمشاكل العابرين والعابرات جنسياً أو وضعهم القانوني، والدولة نفسها لا تعترف بهم إلا بعد انتهاء مراحل التحوّل كاملة بإجراء العملية الجراحية المُوافَق عليها من الأزهر". 

"فور اكتشاف القاضي أن القضية خاصة بمثليين، وجدنا منه تصرفات عجيبة، مزج فيها بين السخرية وإطلاق الشتائم والتلويح بإشارات جنسية…"، محامون يروون تجارب تطوعهم للدفاع عن قضايا مثليين/ات وعابرين/ات جنسياً في مصر
"إنت بتدافع عن الناس اللي بتغضب ربنا؟"، "بتدفع عني ليه إنت فلوسك حرام"... محامون في قضايا المثلية والعبور الجنسيّ يجدون أنفسهم متهمين تُلاحقهم إهانات وشتائم ونبذ من قضاة وشرطة وزملاء وصولاً إلى أفراد أسرتهم

ويُكمل الحلواني: "على جانب المعتقلين والمحتجزين من أصحاب العبور الجنسي، هناك مشكلة كبيرة تواجه المتهم والمحامي معاً، هي الحق في الحقن الهرموني، الذي لا يمكن إيقافه بأي شكل، لأنه يُحدث خللاً في الجسم كله، بل هناك أبحاث تؤكد احتمال أن يؤدي الإيقاف للموت، وللأسف النيابة العامة لا تملك الوعي الكافي بشأن هذا الجانب وضرورة تأمين الحقن، في حين قد تؤدي تلك الظروف إلى مأساة إنسانية". لذلك هناك دائماً مطالبات وتوصيات بأن ينظر المشترع المصري لتلك الحالات وأن يستحدث أبواباً وقوانين جديدة للتعامل معها.

وبالتطرّق لحياته الشخصية، يقول الحلواني: "تعرضت لعشرات المواقف، تحديداً لدى الدفاع عن بعض المتهمين في قضية حفل مشروع ليلى، خاصة أن تلك القضايا أصبحت تُسند لنيابة أمن الدولة، المعروفة بطبيعتها المحافظة، وهي معتادة التعامل مع القضايا السياسية حصراً، وهذا ما يجعل تلك القضايا جديدة عليها".

ويشكو مضيفاً: "تعرضت لمواقف عدة، منها طبعا إطلاق اللفظ الشهير (محامي+ الشتيمة الشعبية الشهيرة)، والتعامل من جانب العاملين أو أفراد الحراسة، باحتقار وتحقير بالغين، وحتى في المنطقة التي أسكن فيها، كذلك أثّر الأمر في باقي القضايا والعملاء في مكتبي، حتى أسرتي حيث فوجئت بوالدتي تسألني: (أنت بتدافع عن الناس اللي بتغضب ربنا؟)".

"داخل أسرتي والعائلة، لم يصل الأمر إلى مرحلة القطيعة، ولكن كثيراً ما تُلاحقني التساؤلات الاستنكارية والنقدية لطبيعة تلك القضايا".

"أسوأ موقف تعرضت له كان عندما اعتدى عليّ بالضرب صديق قديم لي أثناء وجودنا في أحد المقاهي الشعبية، وأكثر ما آلمني، أنني لم أستطع أخذ رد فعل قوي خوفاً من ردة فعله أو ردة فعل الآخرين…"

في المقابل، يرى الحلواني أن دوائر التعاطف تتسع مع الوقت، وهو ما لمسه في مواقف عدة أبرزها مع أحد رؤساء النيابة الذي كان يتولى التحقيق في قضية ما، إذ تعامل في البداية باحتقار مع المحامين والمتهمين على السواء، ولكن "مع الوقت، وفي مسار التحقيقات، قرأ الكثير من الأبحاث والحقائق العلمية والطبية وتقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية، فبدأ بتغيير وجهة نظره، وتحوّل احتقاره لشيء من التعاون بل التعاطف، حتى أنه كان يجلب بعض الأبحاث الجديدة ليناقشها معنا".

"ضربني صديق قديم… ولم أستطع الردّ"

في سياق مشابه، يروي المحامي في "المفوضية المصرية للحقوق والحريات" عمرو محمد أبعاداً أخرى للمصاعب التي تواجه المحامين المهتمين بقضايا مجتمع الميم.

يشرح: "هناك عدة عوائق أخرى، منها قلة عدد المحامين الذين يتطوعون في هذا النوع من القضايا، خوفاً على السمعة أو تجنباً لرحيل الموكلين عن مكاتبهم، والبعض يخشى النبذ في محيط الأسرة والعائلة أو في محيط زملاء العمل والمهنة".

ويُضيف: "على المستوى الشخصي، أسوأ موقف تعرضت له كان عندما اعتدى عليّ بالضرب صديق قديم أثناء وجودنا في أحد المقاهي الشعبية، وأكثر ما آلمني، أنني لم أستطع أخذ رد فعل قوي خوفاً من ردة فعله أو ردة فعل الآخرين على المقهى، لو قال مثلاً إنني أدافع عن المثليين، فالتزمت الصمت للأسف، وهو ما أثّر سلباً في نفسيتي ولم أنجح في تجاوزه حتى الآن".

وعن موقف آخر تعرض له، يروي محمد كيف أنه أثناء سير قضية مشروع ليلى تعرض لبضعة ردود فعل سيئة جداً من زملاء المهنة، وأحياناً صادمة، "وهو ما أدى إلى أني خسرت كل أصدقائي تقريباً، حتى في منطقة سكني، لم أعد أتعامل مع أحد من الجيران أو المعارف، والمضايقات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ حاول البعض منعي من دخول مقر النقابة الجزئية التابع لها، وتعرضت للسباب والتشهير والتنمر والإيذاء النفسي".

يُنهي عمرو حديثه مستذكراً قصة أخرى تركت أثراً فيه: "كنت أنا وزميل لي في وسيلة مواصلات، ومن باب اللياقة أردت أن أدفع عنه الأجرة فقال لي (بتدفع عني ليه، أنت فلوسك حرام؟)، ولكن وسط كل هذا، كان هناك صديقة واحدة فقط، داعمة لي نفسياً بشكل كبير جداً، وأثرت فيّ بشكل إيجابي، وأنا شاكر وممتن لها، لأنها ساندتني بقوة، ولولا وجودها لما عرفت كيف كنت سأتحمل كل تلك الضغوط".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard